• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 10-06-2019
  • المؤلف: جلال أمين
  • الناشر: دار الشروق
  • عدد الصفحات:169
  • عدد الاستماع للحلقة: 302
  • 04
    فبراير
  • 135: عليّ عزت بيجوفتش
  • كتب في: 04-02-2019
  • المؤلف: عليّ عزت بيجوفتش
  • الناشر: دار الفكر
  • عدد الصفحات:700
  • إن الصفحات التي بين أيديكم تُمثل أجزاء من حياتي، نظراً لأنني إما نسيت مقاطع كاملة منها أو لأنها خاصة بي وحدي. وما يتبقى هو عرض للأحداث أكثرَ من سيرة ذاتية، إنه وصف للأحداث التي مرت بي خلال حياتي أسوقها هنا، على أكبر درجة من الدقة والإخلاص التي يمكن أن تكون عليها الرواية الشخصية للأحداث. مرحلة الشباب وفترة السجن الأولى: ولدتُ قبل خمسة وسبعين عاماً في بوسانسكي شاماتس في منزل يطل على أكبر نهرين من أنهار البوسنة وهما نهر البوسنة ونهر السافا. وانتقلنا إلى سراييفو عندما كان عمري سنتين حيث انتظمت في المدرسة هناك. تأثر طفولتي بمرض والدي. فلقد أُصيب إصابة خطيرة في الحرب العالمية الأولى على الجبهة الإيطالية في بييافه. ولقد تطورت هذه الإصابة إلى نوع من الشلل فيما بعد، حيث أنه أصبح حبيس الفِرا

    إن الصفحات التي بين أيديكم تُمثل أجزاء من حياتي، نظراً لأنني إما نسيت مقاطع كاملة منها أو لأنها خاصة بي وحدي. وما يتبقى هو عرض للأحداث أكثرَ من سيرة ذاتية، إنه وصف للأحداث التي مرت بي خلال حياتي أسوقها هنا، على أكبر درجة من الدقة والإخلاص التي يمكن أن تكون عليها الرواية الشخصية للأحداث.

    مرحلة الشباب وفترة السجن الأولى:

    ولدتُ قبل خمسة وسبعين عاماً في بوسانسكي شاماتس في منزل يطل على أكبر نهرين من أنهار البوسنة وهما نهر البوسنة ونهر السافا. وانتقلنا إلى سراييفو عندما كان عمري سنتين حيث انتظمت في المدرسة هناك.

    تأثر طفولتي بمرض والدي. فلقد أُصيب إصابة خطيرة في الحرب العالمية الأولى على الجبهة الإيطالية في بييافه. ولقد تطورت هذه الإصابة إلى نوع من الشلل فيما بعد، حيث أنه أصبح حبيس الفِراش في آخر عشر سنوات من حياته.

    لقد كانت عائلة والدي ثرية فيما مضى، حيث عمل بنفسه تاجراً في بوسانسكي شاماتس، ولكن سرعان ما انهار عمله في ظروفٍ غامضة. ومن ثم انتقلنا إلى سراييفو حيث كانت الحياة أصعب بكثير بالنسبة لنا، ولكن كان لذلك عدة فوائد؛ منها أننا حصلنا على التعليم فلو بقينا في بوسانسكي شاماتس لما كان الحصول على التعليم ممكناً.

    لقد كانت والدتي امرأة ورعة، ويعود الفضل في التزامي الديني إليها إلى حدٍ ما. فلقد كانت تستيقظ دوماً وقت صلاة الفجر وتوقظني كي أذهب إلى المسجد المحلي وهو مسجد هجيسكا بالقرب من البلدية. ولقد كنت أتثاقل عند الاستيقاظ في ذلك الوقت لكوني مازلت ابن اثني عشر إلى أربعة عشر عاماً، ولكني كنت مسروراً عند عودتي بعد الصلاة، خاصة في أيام الربيع حيث كانت الشمس مشرقة. وفي المسجد كان الإمام العجوز يتلو سورة الرحمن الرائعة في الركعة الثانية من صلاة الفجر. إن المسجد بين أزهار الربيع، وصلاة الفجر، وسورة الرحمن، وذلك الإمام العالِم الذي يوقره جميع أهل الحيّ، كانت كلها صوراً جميلة ما زلت أراها بوضوح من بين ضباب السنين التي مضت.

    ولقد كنت أجمع صفات والدي في كل شيء. فمن الناحية الجسدية كنت أشبه أمي وأخوالي، وهذا ما لم يسعدني لأنني كنت أريد أن أشبه والدي الذي كان أنيقاً وذا بنية جيدة. ولكني كنت أشبه والدي من حيث الشخصية، فلقد كان جميع أقارب أمي منفتحين واجتماعيين بينما كنا نحن أبناء عائلة عزت بيجوفتش انطوائيين وقليلي الكلام.

    لقد كنت شاباً يافعاً عندما حررت نفسي من تأثير والدي وأصبحت أعيش وفقاً لاختياري أنا. ولقد بدأ الشك يتسرب إلى إيماني عندما كنت في الخامسة عشرة من عمري. وقد كنت أتحدث مع زملائي في تلك الأيام عن أي شيء وكنا نخوض في أي شيء. فلقد قرأنا كتابات شيوعية وإلحادية. وكانت يوغسلافية مليئة في تلك الأيام بالدعاية للأفكار الشيوعية حيث كان يتم توزيع المنشورات بشكل غير شرعي من شخص لآخر.

    لقد كان الشيوعيون ناشطين في مدرستنا الثانوية حتى إنه كان هناك عدد من المدرسين الذين ينتمون سراً إلى الحركة الشيوعية. ولقد وقعت يدي على بعض المنشورات التي كان يتم توزيعها سراً في غرف الصف، وبدأت أتفكّر في مشكلة العدالة الاجتماعية، أو اللاعدالة كما كنت أراها حينها، وفي الله. فلقد كان الشيوعيون يروجون لفكرة انعدام العدالة الإلهية نظراً لأن الشيوعيون رأوا الدين على أنه "أفيون الشعوب" وأنه وسيلة لتسكين وتهدئة تذمر الشعب حتى لا يكافحوا من أجل حياة أفضل في عالم واقعي. ولقد كان سهلاً جداً أن يقع المرء في شباك هذه الفكرة، ولكن لم أتقبلها مع ذلك. فلقد كنت أرى دائماً وبوضح أن رسالة الدين هي روح المسؤولية.

    وهكذا عاد إيماني واستقر بعد فترة تأرجح لمدة عامين، ولكنه عاد على شاكلة أخرى. إن العديد من الثوابت الإيمانية نابعة عندي من تلك الشكوك التي ساورتني أثناء فترة الشباب. ولم يعد الإيمان هو ذلك الدين الذي ورثته عن أبويّ، بل لقد أصبح ديناً جديداً تماماً اعتنقته عن قناعة وفهم. ولم أفقد إيماني به أبداً.

    لقد تقلبت أيام المدرسة ما بين أن أكون طالباً مُجدّاً في بعض الأحيان ومهملاً في أحيان أخرى. ولقد اعتمدت اعتماداً كبيراً على القراءة بدلاً من الدراسة عندما أصبحت في الصفوف الثانوية. فكنت أقرأ كل الأعمال الفلسفية الأوروبية الهامة، وأنا لم اتجاوز الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة من عمري. ولم يعجبني هيغيل حينها، ولكني غيرت وجهة نظري فيما بعد. وأما الأعمال التي تركت أثراً فيّ وانطباعاً لدي فكانت كتاب بيرغسون (التطور والبناء الإبداعي) و(نقد العقل المجرد) لكانت، وكتاب شبنغلر (انحطاط الغرب) الذي يقع في مجلدين.

    تعرّفت على جماعة تُعرف باسم "الشباب المسلم" قُبيل سقوط يوغسلافية بيد الألمان. وكانت الجماعة تتألف من شباب معظمهم من طلاب جامعتيّ زغرب وبلغراد بالإضافة إلى بعضٍ من طلاب المدرستين الثانويتين الأولى والثانية. ولقد قدموا أفكاراً توافقت مع ما كنت أودّ سماعه دوماً عن ديني الإسلام. لقد كان طرحاً مختلفاً، إنه يُقدم فهماً للدين يوضح العلاقة ما بين الشكل والمضمون أو الجوهر.

    حاولنا في آذار (مارس)1 1941 أن نؤسس جمعية الشبان المسلمين، لكن عندما قام الألمان بغزو يوغسلافية في نيسان (أبريل) من نفس العام لم نتمكن من تسجيل الجمعية أبداً.

    لقد انتشرت منظمتنا بسرعة بين الشباب وبخاصة شباب الجامعات والمدارس الثانوية. وكان لدينا مئات من المؤيدين في كل مدينة من مدن البوسنة والهرسك، وجماعة طلاب قويّة في زغرب. وكان هناك خلال فترة الحرب بين 1941 – 1945 أشبه ما يكون باتفاق غير معلن بتجنب المواجهة بيننا وبين سلطات تلك الأيام، وقد قلّصتُ نشاطي في عام 1944، لأنني لم أكن مسروراً من قيام المنظمة بعقد حلف مع منظمة علماء الدين (الهداية). ولم أتفق أبداً مع رابطة العلماء على الرغم من أنني أحترم الكثير منهم. لقد كنت أعتقد أنه لا ينبغي أن يكون هناك طبقة اجتماعية خاصة حِكراً على العلماء أو المشايخ، وأن هؤلاء يمثلون ويروجون فهماً للإسلام بشكلٍ يُعيق تطوره الداخلي والخارجي.

    لقد عبّرت عن آرائي تلك على الملأ وكانت النتيجة أنني اُتهمت. ثم استأنفنا نشاطنا بعد نهاية الحرب مما أثار سخط السلطات الشيوعية. فحاولوا أن يثنونا عن عزمنا، وعندما لم يفلحوا بدؤوا باعتقالنا في أوائل عام 1946

    كنت أرغب في أن أُصبح محامياً. وعندما أردت الالتحاق بكلية القانون بعد خروجي من السجن عام 1949، أقنعني خالي بعدم القيام بذلك. وكذلك كان أبي يعتقد أنني لن أفلح في سلك القانون لكوني سجيناً سابقاً؛ ولئن الشيوعيين لا ينسون ولا يغفرون، فالتحقت بتخصص الاقتصاد الزراعي. لقد كنت طالباً نجيباً في تخصص الاقتصاد الزراعي لكني فقدت الاهتمام والرغبة مع مُضيّ فصول وسنوات الدراسة، ومن ثم قمت بالانتقال إلى تخصص الحقوق.

    وفي نيسان (أبريل) من عام 1945 دخل الشيوعيون سراييفو، وبدأت بذلك فترة حكمهم التي استمرت خمسة وأربعين عاماً. وقد نظمنا نحن الشباب المسلم تظاهرة ذلك العام بمناسبة تنظيم الجمعية المسلم (بريبوردو) التي أراد الشيوعيون السيطرة عليها. وألقينا خطابات نارية معادية للشيوعية، مما أدى إلى اعتقالي مع آخرين مباشرة.

    لقد كان واضحاً بعد "ثورتنا" هذه أن الشرطة ارتأت أنه من الأفضل أن تُبقينا تحت المراقبة حيث قاموا بإطلاق سراحنا في اليوم التالي.

    ولقد مضينا بعد ذلك في اجتماعاتنا قُدماً حيث إنني كنت مندفعاً وشاباً طائشاً في العشرين من عمري، ولم نحسب حساب الحقيقة، وأنهم راقبوا كل شيء مما مكنهم من اعتقالنا بعد عدة أشهر ومن ثم تقديمنا للمحاكمة.

    لقد أمضيت ثلاث سنوات في السجن في الفترة ما بين آذار من عام 1946 وآذار 1949. ولا يمكنني القول: إني قد تعرضت للتعذيب سوى بقائي جائعاً جداً معظم الأوقات.

    ولقد تم احتجازي في ثكنات المارشال تيتو العسكرية في سراييفو أثناء استجوابي قُبيل إجراء المحاكمة، ولقد وضعت في غرفة نصف من فيها حكم عليهم بالإعدام، ولقد قال جميعهم عندما حكم عليّ بثلاث سنوات سجن: إن ذلك ليس شيئاً هاماً إذا ما قورن بالآخرين.

    ولا يعرف المرء ما ينفعه وما يضره في الحياة. فلو لم يتم سجني في عام 1946 وهو ما اعتبرناه أنا وعائلتي أمرا كارثيا، لكنت حتمًا قُتلت خلال عام 1949 كما قُتل المرحوم خالد كايتاز الذي تولى منصبي في المنظمة بعد اعتقالي. فلقد حُكم على خالد بالإعدام رميا بالرصاص في تشرين الأول (أكتوبر) من عام 1949. وهكذا أنقذ السجنُ حياتي.

    محاكمة سراييفو:

    التحقت أخيرًا بكلية الحقوق في عام 1954 حيث تخرّجت في تشرين الثاني من عام 1956 محققًا بذلك رغبة وحلم أيام الشباب.

    كانت معظم الأعمال التي عملت بها لكسب الرزق هي من قِطاع الإنشاءات، فلقد عملت مدة عشر سنوات في شركة إنشاءات لها سبعة فروع في الجبل الأسود، حيث كنت رئيسًا لأحد المواقع.

    وكنت أعكف في ذلك الوقت على كتابة بعض المقالات عن الإسلام. ولم يُنشر معظم تلك المقالات. ولقد أنهيت مسودة كتاب البيان (الإعلان الإسلامي)، في عام 1969، حيث قمت بنشر النسخة الأخيرة والمعدلة في عام 1970، ولم ينتبه أحد إلى هذا النص المكون من أربعين صفحة سِوى بعد محاكمة سراييفو عام 1983، فلقد هاجمه الكثيرون حينها ودافع عنه الكثيرون أيضًا.

    وعلى الرغم من أنني كتبته في سراييفو، إلا أن جُلّ اهتمام الكُتيّب كان مُنصبًا على العالم الإسلامي، وليس يوغسلافية. وتدور الفكرة الرئيسة في الكُتيّب حول المبدأ القائل: إن الإسلام هو وحده الذي يستطيع إعادة إحياء القدرات الخلاّقة للشعوب المسلمة بحيث يمكنهم مرة أخرى من أن يلعبوا دورًا فعّالاً وإيجابيًا في صنع تاريخهم.

    ولقد شرعت خلال الفترة في كتابة (الإسلام بين الشرق والغرب). وأستطيع القول: إنني قد شرعت في ذلك الكتاب قبل ذلك بكثير ومنذ عام 1946 قبل دخول السجن بقليل. فلقد بقيت المخطوطة الأصلية للكتاب مخبأة لأكثر من عشرين عاما. قامت أختي بإخفاء المخطوطة بعد اعتقالي مباشرة حين خبأتها تحت العوارض الخشبية في عليّة منزلنا. وعندما عثرتُ عليها فيما بعد كانت عبارة عن لفة أوراق شبه مهترئة. قمتُ بإضافة معلومات وأعدت كتابتها وصياغتها وأرسلتها إلى صديق في كندا. وقام ناشر أمريكي بنشر الكتاب أخيرًا في عام 1984 عندما كنت في السجن أقضي مدة سجني الثانية لمدة 14 عاما مع الأشغال الشاقة.

    لقد كان هدفي في ذلك الكتاب هو أن أدرس المكانة التي يحتلها الإسلام في أفكار وحقائق عالم اليوم. ولقد بدا لي أن الإسلام يقع ما بين التفكير الشرقي والغربي. تماما كما هي حال الموقع الجغرافي للعالم الإسلامي، حيث يقع ما بين الشرق والغرب. ولقد حاولت أن أُبيّن أن بعضا من الأفكار العامة والقيم هي أفكار وقيم تشترك فيها الإنسانية جمعاء.

    استيقظت صباح الثالث والعشرين من آذار (مارس) عام 1983 على قرع أحدهم بعنف على باب شقتي وعندما فتحت الباب اندفع نحو الداخل مجموعة من حوالي عشرة من أفراد الشرطة السريّة اليوغسلافية. وقال أحدهم: "نحن أمن الدولة" ودخلوا إلى الشقة دون أن يخلعوا أحذيتهم وأظهروا لي مذكرة التفتيش التي بحوزتهم. ولقد بحثوا وقلّبوا في أشيائي، وفتشوا خلف كل شيء وقطعوا الستائر وبحثوا في كل مكان، كما لو أنهم كانوا يعلمون بوجود متفجرات في الشقة. ولقد كان اهتمامهم الأكبر منصبا على كتبي وأوراقي حيث قاموا بتجميعها في كومة واحدة.

    ثم أمروني أن أتوجه معهم إلى مقر قيادة أمن الدولة. وأعلموني عندما وصلت إلى هناك أنه سوف يتم احتجازي لمدة ثلاثة أيام. ومن ثم تمديد المدة إلى ثلاثين يوما ومن ثم إلى مدة غير محددة بانتظار المحاكمة. ولقد تم نقلي بعدها إلى سجن المقاطعة الذي قام النمساويون ببنائه قبل نحو مئة عام.

    ولقد تم اعتقالي واستجواب المئات من جميع أنحاء البوسنة والهرسك. وكان واضحا أن المحققين لم يكونوا مهتمين بمعرفة الحقيقة، بل كانت مهمتهم هي أن يوجهوا إلينا التهم...

    ولقد جاؤوا ليأخذونا في صباح الثامن عشر من تموز (يوليو). وهكذا بدأت "محاكمة سراييفو".

    بدأت المحاكمة بمجادلة بيني وبين القاضي. فلقد أبديت احتجاجي على عدم السماح للعامة بحضور المحاكمة. فلقد كان الحضور يتألف من القضاة، والمدعي العام، والشرطة، وأقربائنا وبعض الصحفيين المُنتقين بعناية. فما كان مني إلا أن قلت: إنني سوف ألتزم الصمت كون الوضع كان على ما هو عليه. ولقد رفعت الجلسة لفترة من أجل أن يقوم القاضي باستشارة جهة ما، ولعلها اللجنة المركزية للحزب. ولقد تم التواصل إلى حل وسط حيث سُمح لعدد من الأشخاص بالحضور شريطة أن يكون معهم تصاريح تحمل أسماءهم، أي إنهم يجب أن تكون الشرطة قد اختارتهم.

    ولقد جادلت المدعي العام بالرغم من أنني كنت أعلم أنه لا طائل من ذلك فلقد تمت إدانتنا؛ فقلت في الخلاصة التي قدمتها:

    "إنني أُحب يوغسلافية، ولكني لا أُحب حكومتها. وإنني أُكرّس كل حبي للحرية، ولا حب عندي للسلطات. إنني لا أُحاكم هنا لأنني قد خالفت قوانين هذه البلاد لأنني لم أفعل. إنما تتم محاكمتي لتجاوزي لتعليمات غير مكتوبة يفرض فيها أصحاب القرار والسلطة معاييرهم ومقاييسهم لما هو محظور وما هو مسموح به دون أية مراعاة للدستور والقانون. ويبدو أنني قد تجاوزت تلك التعليمات غير المكتوبة كثيرا.

    وبناءً عليه فإنني أُقرّ بأني مسلم وسوف أبقى مُسلما. وأعتبر نفسي مُنافحاً عن قضايا الإسلام في العالم، وسأبقى أعتبر نفسي كذلك حتى مماتي. لأن الإسلام بالنسبة إليّ هو كلمة أخرى لمعاني كل ما هو خيّرٌ ونبيل، إنه اسم للوعد والأمل بمستقبلٍ أفضل للشعوب المسلمة في العالم، وفي حقهم بالعيش بحريّة وكرامة، وفي كل ما هو جدير بأن يحيا المرء من أجله.

    كان العشرون من آب (أغسطس) هو يوم النطق بالحكم، ولقد كنتُ مستعدا ذهنيّاً لتلك اللحظة. وطلب القاضي منا أن نقف ولقد كانت أضواء الكاميرات كلها مركزة على وجهي. ومن ثم سمعنا ما يلي: "وتالياً الأحكام عليهم: المتهم عليّ عزت بيجوفتش: بالسجن لمدة أربعة عشر عاماً..." وهكذا دواليك.

    وبعدما صدرت الأحكام ببقائنا في السجن، بدأت عرائض الالتماس في الوصول من داخل البلاد وخارجها، حيث عبّرت عن احتجاجها على إجراء المحاكمة وطالبت بإطلاق سراحنا. ولقد قدم عشرون من أشهر مثقفيّ بلغراد بينهم اثنا عشر من الأكاديميين التماساً في 6 تموز (يوليو) 1986 إلى الرئاسة اليوغسلافية.

    ولكن ذهب كل التماس واستئناف أدراج الرياح.

    لا أستطيع القول إنه قد أُسيئت معاملتي في السجن، على الرغم من أن الأشغال الشاقة هي بحد ذاتها تعذيب جسدي وذهني. ولكن ما زاد من سوء وضعي هو أنهم وضعونا نحن السجناء السياسيين مع المحكومين الآخرين في نفس القسم. ولم يكن أمر يعرفه الرأي العام لأن الشيوعيين الذين كان قد تم اعتقالهم كسجناء سياسيين في يوغسلافيا القديمة كانوا يلقون معاملة جيدة ويتم احتجازهم بعيداً عن الآخرين.

    ولقد تمسكت ببعض الأمل إلى أن صدر قرار محكمة العدل العليا في البوسنة والهرسك. ففي بادئ الأمر لم أعتقد أنه من الممكن أن أموت في السجن بسبب شيء كتبته بغض النظر عمّا قلته في تلك الكتابة. ولكن حينما أكدت المحكمة العليا على الحكم بعد سنة أدركت أن الشيطان كان له الكلمة الأخيرة حينها وأنهم كانوا جادين في ذلك. وماذا عساي أفعل؟ لقد تنهدتُ طويلاً وبدأت تلك الطريق الطويلة التي لا تُرى نهاية لها. ولقد شعرت وكأنني قد حُكم عليّ بالسجن المؤبد. ولكني لا أعرف اليأس، بل ولقد كنت مبتهجاً في بعض الأحيان، ولستُ بطلاً ولكنها كانت مسألة ثبات. فلقد احتفظت بعقل سليم وأحمد الله على الإيمان الذي مكنني من الثبات بالإضافة إلى الولاء والمساندة المعنوية التي أبداها أولادي.

    يمكن أن يكون المرء أستاذا في الجامعة أو فيلسوفاً مشهوراً، ولكن ذلك لن يجدي نفعاً في جعل حياة المرء أسهل في السجن. أما بالنسبة للمحكومين أو السجناء فإنه من المهم أن تكون محامياً. ولقد كنت أنا المحامي الوحيد في ذلك القسم. فلقد طلب زملائي في المعاناة مني أن أكتب جميع أنواع المطالب والالتماسات، والاستئناف نيابة عنهم. كانوا يطلعونني على تفاصيل قضاياهم بل إنهم كانوا يعترفون لي بأخطائهم وجرائمهم. كانت تلك تجربة مثيرة للاهتمام عرفت كل قضية على حدة وفكرتُ كثيراً بهم. هل أتجرأ وأقول أن بعضاً من أولئك القتلة كانوا أُناساً طيبين؟

    وبعدما رفضت محكمة العدل العليا كل التماساتنا واستئنافنا فلقد تمّ تخفيض مدة حكمي من 14 إلى 12 سنة. وكان ما زال أمامنا فرصة بالتقدم بطلب التماس إلى المحكمة الفدرالية في بلغراد من أجل مراجعة قضائية غير اعتيادية للحكم. ولقد انتهزتُ تلك الفرصة.

    ولقد بيّنت في الطلب المؤلف من 30 صفحة، قدّمت دليلاً على أن تلك الاتهامات باطلة وأن هذا أدى إلى أن تقوم المحكمة بمخالفات إجرائية عديدة تم فيها خرق القانون.

    ولقد كتبت الصحافة العالمية، ومنظمات حقوق الإنسان الدولية، وبعض العناصر الحرة من الصحافة اليوغسلافية مطولاً عن أن المحاكمة ملفقة. ولقد خلق ذلك جواً جعل من الممكن تغيير الحكم ولكن ذلك استغرق ثلاث سنوات، ولم يُخفف حكم المحكمة الفدرالية من مدة سجني كثيراً، ولكنه غيّر طبيعة التهم الموجهة إلينا، بحيث أبقيت تهمة "الجنحة الكلامية". ولقد كان الحكم النهائي الصادر بحقي هو تسع سنوات سجن مع الأشغال الشاقة.

    ولقد سألني أحد حضور محاضرة عامة في سراييفو عام 1994 عن الرقابة: "سيدي الرئيس هل تقومون بمراقبة ما يُنشر ويُكتب فهذه حالة حرب كما تعلمون لماذا تسمحون بمثل تلك الكتابات؟ لماذا لا تقومون بممارسة الرقابة على ما يُنشر؟ فكان ردي أنني لن أُساند القيام بمثل ذلك الإجراء بعد كل ما مررت به في السابق. وإن هذه القضية ليست قضية مبدأ فقط وإنما قضية إنتاجية أيضا. إن المنع والحظر والقوة لا تُنتج شيئاً عندما تريد إقناع الناس.

    عندما حصلتُ على حريتي أُجريت معيّ عدة مقابلات حول المحاكمة. وكان أهم سؤال طُرح عليّ بعد فوزي في انتخابات 1990 هو هل سيكون هناك أعمال انتقامية ضد الشيوعيين على ما فعلوه بي وبرفاقي. ولقد كان ردي أنه لن يكون هناك انتقام وهذا ما حدث بالفعل. لقد سامحتهم كسياسي. ولكني لم أُسامحهم كإنسان.

    لقد بدأت رحلة حاسمة جديدة في حياتي مع اعتقالي في عام 1983، تبع ذلك ست سنوات في السجن، وسنة واحدة راحة، ومن ثم حوالي عشر سنوات في رئاسة البوسنة والهرسك. لقد كانت السنة التي فصلت ما بين سنوات السجن والرئاسة سنة سلام واسترخاء. فعندما يقضي المرء ست سنوات في السجن، يُصبح كل ما يحدث بعدها معه رائعاً. وكذلك سافرت وقرأتُ، ومشيتُ وكنتُ محاطاً برعاية واهتمام أولادي. وما كان ذا أهمية أيضاً هو أنني شعرت بحالة من الطمأنينة التامة.

     

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:510
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:208
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك