• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 07-11-2017
  • المؤلف: جبرا إبراهيم جبرا
  • الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر
  • عدد الصفحات:296
  • عدد الاستماع للحلقة: 285
  • متعة القراءة ... متعة الكتابة: قد لا يُدرك المرء قيمة الشيء اللصيق بحياته، إلا إذا حُرِم منه. ولا يعرف المرء عمق المتعة بالقراءة، إلا إذا حُرِم منها لمدة طويلة، بحيث يجدُ نفسهُ يتحرّق إلى كتاب يُعاقره، ولو لساعة، أو بعضَ ساعة. ولكن من الظلم ..
    25
    سبتمبر
  • 102: التوحيد والوساطة في التربية الدعوية
  • كتب في: 25-09-2017
  • المؤلف: فريد الأنصاري
  • الناشر: دار السلام
  • عدد الصفحات:205
  • لعله لن يُخالفني الكثير إن قُلت: إن مجموعة كبيرة من أمراض العمل الإسلامي ترجع إلى اختلال المسألة التربوية فيه، من حيث التصور، أو الممارسة، أو هما معاً. وإسهاماً منا في بلورة فكر تربوي أكثر نضجاً، قمنا بمحاولة لدراسة أصول التربية الإسلامية في اتجاه محاولة رسم معالم المنهاج التربوي النبوي، من خلال القرآن الكريم، والسنة المطهرة، وكذا نصوص السيرة النبوية. ثم حاولنا بعد ذلك استقراء التصورات، والممارسات المندرجة في فقه التربية، عبر أجيال الأمة الإسلامية، استقراء نقدياً، مركزين على أعلام الفكر التربوي، وأهم مدارسه، قديماً وحديثاً؛ عسى أن نتبين صور إعادات التشكيل التربوي الاجتهادية، الفردية والجماعية. وبعد كل ذلك، تبين لنا أنه رغم كثرة التصورات والمناهج التربوية المقترحة والممارسة، إلا أنها لا تخر

    لعله لن يُخالفني الكثير إن قُلت: إن مجموعة كبيرة من أمراض العمل الإسلامي ترجع إلى اختلال المسألة التربوية فيه، من حيث التصور، أو الممارسة، أو هما معاً.

    وإسهاماً منا في بلورة فكر تربوي أكثر نضجاً، قمنا بمحاولة لدراسة أصول التربية الإسلامية في اتجاه محاولة رسم معالم المنهاج التربوي النبوي، من خلال القرآن الكريم، والسنة المطهرة، وكذا نصوص السيرة النبوية. ثم حاولنا بعد ذلك استقراء التصورات، والممارسات المندرجة في فقه التربية، عبر أجيال الأمة الإسلامية، استقراء نقدياً، مركزين على أعلام الفكر التربوي، وأهم مدارسه، قديماً وحديثاً؛ عسى أن نتبين صور إعادات التشكيل التربوي الاجتهادية، الفردية والجماعية. وبعد كل ذلك، تبين لنا أنه رغم كثرة التصورات والمناهج التربوية المقترحة والممارسة، إلا أنها لا تخرج إجمالاً عن نوعين أو اتجاهين تربويين:

    -          اتجاه توحيدي، يحاول استلهام المنهاج النبوي التربوي، بناء على قواعد الفهم العملية، ومناهج الاستنباط الشرعية من نصوص القرآن والسنة النبوية، ومحاولة اكتشاف السنن والقواعد التربوية، من خلال السيرة النبوية، قصد ربط الفرد ربطاً مباشراً بالله عز وجل عبر مفاهيم الوحي.

    -          واتجاه وساطي، يجمع كل التصورات والمذاهب التربوية القائمة على أساس وجود (الوسيط التربوي، الذي قد يكون (شيخ) مدرسة سلوكية صوفية، أو (شيخ) مدرسة فكرية عقلية.

    التربية الدعوية بين التوحيد والوساطة:

    أولاً: التربية بين المصدرية والمرجعية: من أهم ما يلاحظ ابتداءً في الفرق بين التربية التوحيدية، والتربية الوساطية، أن التوحيد يقوم في مادته التربوية، على النصوص الشرعية، فنصوص القرآن والسنة النبوية هي المصادر الوحيدة للعمل التربوي، وهو ما أكده سيد قطب رحمه الله – في وصفه للجيل القرآني الفريد، جيل الصحابة، حينما قال: (كان النبع الأول، الذي استقى منه ذلك الجيل، هو نبع القرآن وحده. فما كان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه إلا أثراً من آثار ذلك النبع).

    فالمصدرية الوحيدة، حينما تكون للقرآن والسنة، في المجال التربوي، تضمن السلامة من كثير من الأمراض التربوية، فكتاب الله وسنة نبيه هما صمام الأمان الواقي من الضلال، إذا أحسن توظيفهما بضوابطهما الشرعية وقواعد تفسيرهما وفهمهما.

    أما التربية الوساطية، فهي على عكس ذلك تماماً، تعتمد الفكر البشري في تربية الأفراد، باعتباره المنبع الأول للمفاهيم التربوية، سواء كان هذا الفكر ذوقاً صوفياً أو فهماً عقلياً. وإن كان ثمة من نصوص شرعية في هذه الوساطات، فلا تبلغ المتلقي في نسقها القرآني، أو الحديثي، ولكن في نسقها الصوفي أو العقلاني... فالمصدرية ههنا إذن لا تكون للنصوص الشرعية، وإنما لأفهام المصلحين والمربين لهذه النصوص، وهذا هو عينُ الوساطة.

    ثانياً: التربية بين المربي والوسيط: في إطار المقارنة بين التربية التوحيدية والتربية الوساطية، يمكن أن نلاحظ شساعة الفرق بين العمليتين، من خلال المقارنة بين المسؤولين التربويين في هذه وتلك. إذ هو في التربية التوحيدية (مربٍ) وهو في التربية الوساطية مجرد (وسيط) وإن تسمى بالمربي؛ ذلك أن المربي هو الذي يقوم بتنمية الفرد، وترقيته في مراتب التدين، والتشكيل البنيوي لشخصيته، على أساس التجرد والاستقلال.

    فالمربي هو الذي يُعلمك كيف تكون مُنتجاً، والوسيط هو الذي يُنتج بدلاً منك، فيُعطيك المفاهيم جاهزة من خلال كتابه، أو ورده، أو حاله، فلا تكون إلا مُستهلِكاً.

    ويتضح الفرق أكثر في النتيجة التربوية لكل من المربين والوسيط، وذلك أن المتربي المتخرج من المدرسة التوحيدية، يكون موحداً حقاً لله عز وجل، تصوراً وممارسة؛ حيث لم يكن خاضعاً قط لشخصانية المربي، بقدر ما كان خاضعاً لتوجيهات النصوص الشرعية، فهو إذن مرتبط عقدياً بالله عز وجل، لا بهذا المفكر أو ذلك الشيخ. بينما هالة الوسيط القوية تتغلب على إرادة المتربي المستلبة، والممنوعة من الإنتاج، الموجهة بالقصد الأول إلى الاستهلاك، فتحل (بقداستها) المقصودة، أو غير المقصودة في شعور المتربي، فإذا به، من حيث يدري أو لا يدري، يعاني من (وثنية) خفية؛ حيث يُزاحم حضور الوسيط بهالته، حضور الذات الإلهية في نفسه، ووجدانه! ثم بعد ذلك في ممارسته وحركته.

    الخصائص التوحيدية للتربية النبوية:

    أولاً: المصدرية القرآنية: فالرسول صلى الله عليه وسلم، دأب على ترسيخ الارتباط بالقرآن وحده، باعتباره مصدراً وحيداً للتربية؛ ذلك أن المصدرية القرآنية، باعتبارها أهم وأول خصائص التربية التوحيدية النبوية، كانت حاضرة حضوراً قويّاً في التوجيه التربوي النبوي، قولاً وفعلاً.

    ثانياً: تعميق الاتجاه التوحيدي: كان شخص الرسول صلى الله عليه وسلم إزاء القرآن، الذي هو كلام الملك الواحد الصمد، مجرد عبد من عباد الله، لا ميزة له إلا من حيث كونه أعبدهم له سبحانه، وأتقاهم له. فكان – من الناحية التربوية – قدوة للناس في طريقهم إلى الله، أعني من الناحية التوحيدية العقدية، التي هي جوهر التربية النبوية. وفي ذلك قال الله تعالى: (قل إنما أنا بشرٌ مثلكم يوحى إليّ أنما إلهاكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يُشرك بعبادة ربهِ أحداً).

    ولقد كان صلى الله عليه وسلم دائم التنبيه إلى هذا المعنى السامي، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسولهُ".

    ثالثاً: اعتماد منهج التكوين: لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يعتمد شيئاً غير القرآن، وسنته المطهرة، باعتبارها تفسيراً له. وقد كان يوجه الصحابة إلى اكتشاف قدراتهم الذاتية، ومواهبهم الفطرية وتنميتها بالعمل قائلاً: "اعملوا فكلٌ ميسرٌ لما خُلِق له". محارباً بذلك العقلية الاستهلاكية التواكلية، ويُقرّ المختلفين من أصحابه، على الاجتهاد، المصيب منهم والمخطئ على السواء.

    تطور المنهج التربوي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم: لقد اضطلع الصحابة – رضوان الله عليهم – بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، بالمسؤولية التربوية، التي كلفهم بها في حياته، واستمروا في تنزيل المضمون التوحيدي للتربية في الإطار التعليمي على العموم. فقد قاد الصحابة حملة التعليم، التي بدؤوها في آخر عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ازدهرت عملية إرسال فقهاء الصحابة إلى الأقطار، في عهد عمر خاصة، وذلك نظراً لدخول شعوب ومناطق جديدة في الإسلام، بعد عملية الفتح، التي بدأت تتسع في عهده رضي الله عنه.

    وكان التعليم الذي قام به الصحابة، ذا مضمون تربوي مقصود، ينطلق من القرآن والسنة أساساً؛ فقد كان أول ما قاله أبو موسى الأشعري للبصريين حين قَدِمَ إليهم: (إن أمير المؤمنين عمر بعثني إليكم، أُعلّمكم كتاب ربكم، وسنة نبيكم، وأُنظّف لكم طرقكم).

    ويصفُ لنا التابعي الجليل، أبو رجاء العطاردي، طريقة ذلك، وكيفية تنظيم أبي موسى الأشعري، للجلسات القرآنية، قال: (كان أبو موسى الأشعري يطوف علينا في هذا المسجد، مسجد البصرة، يعقد حلقاً، فكأني أنظرُ إليه بين بُردين أبيضين، يُقرئني القرآن)، حتى إذا تخرج على يديه جمعٌ كبيرٌ من أعلام التابعين، جمعهم ليعظهم ويعلمهم كيف يتعاملون مع القرآن.

    وقد تخرّج على هذا المنهج النبوي، جيلٌ من فُضلاء التابعين، برزت منهم جملة من القيادات العلمية.

    المدارس المذهبية ونماذج من التربية الوساطية:

    نموذج الوساطة الفكرية بين المتكلمين والفقهاء: لم يكن الاعتقاد في زمن الصحابة والتابعين، يتعمق في استمداد أصوله إلى درجة التأويل المعقد؛ وإنما كانوا يقفون على المقتضى البسيط للنصوص، دون تكلف ولا تعسف في الفهم، لكن ما أن انتشر (الكلام) في الأمة، حتى صار الاعتقاد يخضع للقناة المذهبية، ذات السلطة الوساطية التأويلية في هذا الاتجاه أو ذاك. فكانت الأصول الخمسة للمدرسة الاعتزالية، مقاييس لفهم العقيدة الإسلامية؛ فتؤول النصوص القرآنية على وفقها، وتُرد الأحاديث أو تُقبل على مناسبتها... إلا أن المذهب المعتزلي لم ينتشر في الأوساط الشعبية، وبقيت وساطته منحصرة تقريباً بين بعض العلماء، لمخالفة أئمة السلف لهم.

    ثم قام أبو الحسن الأشعري، بوضع مذهبه في القرن الرابع الهجري؛ فتحالف معه كثيرٌ من الفقهاء ضد المعتزلة؛ فانتشرت بذلك العقيدة الأشعرية.

    فعلمُ الكلام لم يكن علماً شعبياً، طوال القرون الثلاثة الأولى؛ لهيمنة الفكر الاعتزالي عليه، فسَلِمَ تدينُ الناس من وساطة الاعتقاد في تلك الفترة على الأقل، يقول الدكتور أحمد صبحي: (تَحَملَ المعتزلة وزر الخوض عما نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عنه، ومن ثم لقوا إعراضاً من التابعين ومن الفقهاء وأهل الحديث ... وهكذا نشأ علم الكلام، غير مُعترف به كعلم من علوم الدين لدى المسلمين، طوال عصر المعتزلة؛ أي القرنين الثاني والثالث الهجريين).

    إلا أن ظهور أبي الحسن الأشعري، على أنه يُقدم عقيدة أهل السنة والجماعة، بدأ يُغيّر موقف بعض العلماء من علم الكلام، من الرفض المطلق إلى التبني المطلق، والسقوط في فخ الوساطة الاعتقادية... فخروج الأشعري عن المذهب الاعتزالي لم يكن (على أنه مؤسس مذهب في الكلام جديد، ولا على أن له رأياً مستحدثاً، وإنما حرص تمام الحرص، كما حرص أتباعه، على أن يُظهروه أنه للصحابة والتابعين وللفقهاء ورجال الحديث – أو بالأحرى – لأهل السنة تابعٌ، ليس له في كل ما قال به رأي مستحدث. فاستطاع بذلك أن يمهد للاعتراف بعلم الكلام).

    واختلف المؤرخون للفكر الإسلامي، في أول من مكن للوساطة الكلامية الأشعرية، في التدين الجماهيري، وجعل العقيدة الأشعرية هي ما يجب أن يُعتقد شرعاً، دون ما سواها... فابن خلدون مثلاً، يرى أن أبا المعالي الجويني، هو الذي أعطى المشروعية للعقيدة الأشعرية، لتصير (إماماً) في الاعتقاد الشعبي، يقول: (ثم جاء إمام الحرمين أبو المعالي فأملى في هذه الطريقة كتاب "الشامل"، وأوسع القول فيه، ثم لخصه في كتاب "الإرشاد"، واتخذه الناس إماماً لعقائدهم). وذهب آخرون؛ مثل الدكتور أحمد صبحي، إلى أن أبا حامد الغزالي، هو الذي أعطى للكلام مشروعيته، وصيّر العقيدة الأشعرية خاصة، هي عقيدة التدين لدى كافة المسلمين؛ إذ (بفضله انتشر مذهب الأشاعرة، كعقيدةٍ لأهل السنة والجماعة). وكيفما كان الأمر، فالمهم عندنا ههنا، هو أن العقيدة الأشعرية صارت إملاءً قطعياً غير قابل للطعن؛ يجب على كل مسلم التمسك به، والإيمان المطلق به؛ حيث (التزم جمهور أهل السنة من المسلمين بما ألزمهم متكلمو الأشاعرة من معتقدات).

    فقدّم لهم هؤلاء آراءهم (على أنها معتقدات، لا يصح الخوض فيها، أو الشك في صدقها). وهكذا تدخلُ الوساطة إلى عقيدة المسلمين، على المستوى الشعبي، مع المذهب الأشعري، بعد ما كانت منحصرة في بعض العلماء، مع المذهب المعتزلي.

    نموذج الوساطة الروحية لدى المتصوفة: كان القرن الرابع الهجري هو بداية الانحراف الوساطي؛ إذ فيه ظهر القول بـــ (القطبية)، وهي فكرة ضاربة جداً في ترسيخ فكرة (الوسيط)، بشكل لم يقع مثله في المجالات الوساطية الأخرى، سواء في المجال الكلامي أو الفقهي! مما أدى إلى سيطرة هذه الوساطة على باقي الوساطات، وجعلها تحت إمرتها. فالفقيه نفسه لم يعد يتدين إلا كما أمر القُطب، وليس العكس! ومن هنا كان ضمور الفقه، بل هلاكه، حيث صار العلم ليس هو علم السنة والكتاب، بل هو أذواق شيخ الطريقة، ومواجده، في صحوه و(سُكره)!

    والقُطبية، كانت فكرة مدسوسة، تهدف إلى تمرير فهوم ما أنزل الله بها من سلطان في كتابه، ولا سُنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك بواسطة إضفاء نوع من القداسة والعصمة المطلقة على الشيخ المُربيّ، بل الوسيط، الذي يتصرف في النص الشرعي ومعانيه – كما يتصرف في مُريديه – على حسب ذوقه وهواه.

    كما كان المنهج الوساطي الصوفي، يستلهم طريقته التربوية من قصة موسى عليه السلام مع الخضر، من حيث قول الله عز وجل، حكاية عن هذا الأخير: (قال فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شيءٍ حتى أُحدثَ لك منهُ ذِكرا).

    فأوجبوا على المريد ألا يُراجع شيخه، ولا ينتقده، ولا يُنكر عليه زلة ولا خطأ، ولو أتى معصية بينة؛ لأن عنده العلم اللدُنيّ الذي لا يفهمه العقل البشري، أو بعبارتهم: (على المُريد أن يكون عند شيخه، كالميت بيد مغسله) ... فالعصمة التي أضفيت على المشيخة الصوفية، جعلت التربية الإسلامية، لا تمر إلى جمهور الأمة، إلا عبر قناتها الوساطية. فالشيخ الوسيط صار في كثير من الحالات معبوداً من دون الله!

    المدرسة التأصيلية والدعوة إلى التوحيد: لا شك أن الانحراف الذي وقع للأمة الإسلامية في منهج تربيتها وتدينها منذ القرن الرابع الهجري، وترسخ في الخامس، قد نبه علماء آخرين؛ ممن لم يستسلم لتخدير الوساطة في الاعتقاد أو السلوك، لرسوخ قدمه في فهم القصد التوحيدي للإسلام. لذلك لم تخلُ ساحة الإصلاح الدعوي من علماء، شكلوا محطات مهمة في تاريخ الفكر الإسلامي عامة والفكر الدعوي خاصة؛ فاشتهرت مناراتهم في ظلمات التقليد، ذات الوساطات المتعددة الأوجه والأشكال؛ فحاولوا رغم ذلك فك الحصار الوساطي من جميع جهاته، وقادوا معارك ضد كل وثنية معنوية أو مادية؛ سلاحهم في ذلك نصوص القرآن والسنة النبوية، مؤصلين ومجددين، داعين إلى العودة إلى ما كان عليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين.

    ورغم اختلاف القرون والمواقع والظروف التي ظهر فيها دعاة التوحيد؛ فقد كان المنهج واحداً والمضمون متحداً لديهم جميعاً، وإنما يقع الاختلاف في مجال التكييف والتنزيل للدعوة التوحيدية، وتربية الناس عليها.

    وقد تراكم إنتاج دعاة التوحيد عبر الأجيال في صورة متكاملة متواترة الخطوات؛ وهي في جميع أحوالها تنهل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ حتى إنك لتجد أحياناً، ترددُ نفس النصوص بنفس التوظيف ونفس الاستنباط مما يجعلها مدرسة واحدة، ولذلك حق أن تسمى مدرسة التأصيل التربوي.

    الإمام محمد بن عبد الوهاب، نموذج التربية التوحيدية في القرن الثاني عشر:

    توفي محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – سنة 1206هـ، أي بداية القرن الثالث عشر، لكن انطلاق دعوته كان حوالي سنة 1153هـ؛ حيث اشتهر أمره، وتبعه من أهل نجد خلق مناصرون.

    وقد ترك رحمه الله مجموعة من المصنفات في التفسير، والفتاوى الفقهية والأصولية، غير أن الكتاب الذي تضمن دعوته بشكل مركز هو (كتاب التوحيد)، الذي حارب من خلاله الوساطات العقدية والسلوكية في صور الاعتقاد الكلامي والأشعري منه خاصة، باعتباره تديّن كثير من الناس، وكذا الاعتقاد الشعبي الخرافي، بتعظيم الأشجار والقباب والأحجار ونحوها، ثم مظاهر الوساطة الروحية، كما عُرفت في انحطاطها الطرقي، الذي صار إلى نوع من التأليه للأشياخ والسحرة والكُهان، على أنهم أولياء الله المتصرفون في خلقه!

    إن الدعوة التوحيدية لدى ابن عبد الوهاب، إنما كانت استمراراً لنهضة القرن الثامن الهجري، واستمداداً من تجربتها، وخاصة حركة ابن تيمية بمقولاتها التوحيدية، في العقيدة والمعاملة والسلوك.

    ولكن لا يعني ذلك أن ابن عبد الوهاب قد جعل اجتهادات ابن تيمية هي الأصل في التوحيد، والنص المرجوع إليه؛ وإنما قد استفاد من تجربته بشكل كبير، وجعل منها مادة مرجعية لا مصدرية، والدليل على ذلك أن كتاب التوحيد، الذي ألفه لبيان فكرته الدعوية، إنما هو تراجم، أصلها من مجموعة من النصوص القرآنية والحديثية، التي اختارها بعناية، في هذا الباب أو ذاك، مستعيناً في شرحها بأقوال السلف، كابن عباس وغيره، وكذا أقوال ابن تيمية.

    والذي يُلقيّ نظرة سريعة على تراجم كتاب التوحيد، يُدرك أن جميع المسائل والقضايا، تدور على محور واحد هو (التوحيد) فعلاً؛ سواء من حيث إثبات المبدأ والتأصيل له وشرحه، أو من حيث نفي الوساطات في التدين وأفكارها، العقدي منها والروحي سواء.

    وقد كان ابن عبد الوهاب عليماً بخطورة الوساطة الروحية في صورتها التربوية، وأنها هي التي قادت إلى قلب حقائق الدين، في كثير من الجوانب، حتى صار الدين الحق والمتدين الحق غريبين في مجتمع الوساطات! وهذا ما صرح به في تعليقه على ما ترجم له بقوله: (باب: ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم، هو الغلو في الصالحين) وذكر نصوصاً كثيرة منها قوله: (في الصحيح، عن ابن عباس – رضي الله عنهما – في قوله تعالى: (وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سُواعاً ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسراً)

    قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونُسي العلم، عُبدت) فقال ابن عبد الوهاب مُعلقاً، وهو ينُزل ذلك على عصره: (فيه مسائل: الأولى: من فهم هذا الباب ... تبيّن له غربة الإسلام، ورأى من قدرة الله، وتقليبه للقلوب، العجب... الثانية: معرفة أول شركٍ حدث في الأرض أنه بشبهة الصالحين... (ثم) التصريح بأنها لم تُعبد، حتى نُسي العلم؛ ففيها بيان معرفة قدر وجوده، ومضرة فقده).

    وهكذا يكون ابن عبد الوهاب على غرار الشاطبي وابن تيمية وابن الجوزي، وكل أعلام الدعوة التوحيدية، يركز على أهمية العلم وخطورته في حماية التوحيد وإنكار الوساطة، وقدرته على محاربة تجلياته المختلفة، كما تتبين حساسيتهم الشديدة تجاه الوساطة الروحية على الخصوص، وأشكال المشيخة التربوية وطقوسها!

    مظاهر التربية التوحيدية في الحركة الإسلامية: لا بد من التقرير ابتداءً، أن الحركة الإسلامية الحديثة، قد انطلقت من منطلق (سَلَفي)، بمعناه الاصطلاحي الحديث، لكن مع نوع من التبلور والتطور، الذي لم يخرج في عمومه عن حدود المنهج السلفي، الذي يقوم على الإرجاع للكتاب والسنة، في كل أمر عقدي أو تعبدي، وهذا ما ضَمِنَ للحركة الإسلامية أن تتأسس على المنهج التوحيدي، وتصوغ رؤيتها التربوية في المجال الدعوي، على أساسه، وهو الأمر الذي بدا واضحاً مع أعلام الدعوة الإسلامية في العصر الحديث، بدءاً بحسن البنا، وأبي الأعلى المودودي، ثم سيد قطب، وكذا محمد قطب، ويوسف القرضاوي، وفتحي يكن، وغيرهم كثير...

    إن أصداء دعوة محمد بن عبد الوهاب، بقيت مترددة في أقطار العالم الإسلامي، طيلة القرون التالية لها، وإلى يومنا هذا، فكان لها من التأثير على نهضة الحركات الإصلاحية الحديثة، ورجال الإصلاح المعاصرين ما كان.

    فالمنهج التوحيدي في العقائد والعبادات، بقي مستمراً مع مجموعة من الشخصيات، أمثال الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وغيرهم. حتى إذا كان بدء العمل الدعوي في صورته الحديثة، كان الأساس السلفي للدعوة قد صار مكسباً للحركة الإسلامية؛ فبنت عليه مشروعها، واستأنفت في إطاره عملية إعادة التشكيل التربوي.

    مظاهر التربية الوساطية في الحركة الإسلامية:

    تعاني الحركة الإسلامية في بعض مواقعها، أو بعض هياكلها من مجموعة من الأمراض التي كثر عنها القيل والقال، وهي أمراض، تتعلق حيناً بأفراد الحركة كأفراد، كضعف الهمة، وقلة المبادرة، والانتظارية الاتكالية. وتتعلق حيناً آخر بالتنظيم الحركي، كإطار كليّ يستوعب أفراده، كوجود أدبيات تُمجد التنظيم كتنظيم، مما يؤدي إلى ظاهرة الحزبية والتعصب، ثم التآكل والحرث في الأرض المحروثة، فتتناحر الجماعات فيما بينها. بسبب ذلك؛ مما يؤدي إلى تحريف الولاء في قلوب الأتباع من عبادة الله إلى عبادة التنظيم من حيث لا يدرون، فيكون الحب والأخوة بين شباب الصحوة مبنياً على الآصرة التنظيمية، لا العقدية الصافية.

    وما نحسب إلا أن هذه الأمراض الفردية والجماعية، ما هي إلا نتيجة طبيعية، لغياب التربية التوحيدية داخل الحركة، أو ضعفها وانصرافها إلى ضرب من التربية الوساطية، على الصور الفكرية، أو الصورة الروحية سواء!

    فأما الوساطة الفكرية فقد تجلت في أخذ بعض أبناء الصحوة الإسلامية، لأفكار بعض مفكريها بشيء من (التقديس) اللاشعوري، في الغالب، فتكون الأحكام التي أطلقها بعض الرواد – وهي أحكام اجتهادية بالطبع – صالحة لكل زمان ومكان في اعتقاد بعض المنتمين للحركة، وربما كانت تلك الأحكام، خاطئة في أصلها وربما كانت صحيحة في حينها وظروفها التي صدرت فيها، غير أنها تصير بالنسبة لمكان آخر مؤدية إلى كارثة، إن هي أُخذ بها!

     

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:529
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:85
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك