• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 04-12-2017
  • المؤلف: صفي الرحمن المباركفوري
  • الناشر: الوفاء
  • عدد الصفحات:425
  • عدد الاستماع للحلقة: 54
  • هجرة النبي صلى الله عليه وسلم: نزل جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بوحيّ من ربه فأخبره بمؤامرة قريش، وأن الله قد أذن له في الخروج، وحدد له وقت الهجرة، وبيّن له خطة الرد على قريش: فقال لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه. وكان ..
    09
    أكتوبر
  • 103: مجهول امرأة في برلين
  • كتب في: 09-10-2017
  • المؤلف: ترجمة: ميادة خليل
  • الناشر: منشورات المتوسط
  • عدد الصفحات:316
  • شابة في الثلاثين من عمرها. واسعة الاطلاع، مثقفة، وذكية جداً، كتبت بعين امرأة شجاعة، عن كل ما يدور حولها. عينٌ مجروحة ولكنها عادلة، حاولت استكشاف العدو بدلاً من كرهه، حاولت أن تتعرف على وجه الإنسان في هذا العدو، أن تُجرّدهُ من أسلحته، وتراه كما هو، كانت تكتشف الوجه الآخر للأشياء طوال الوقت. أما حزنها؛ فكان عميقاً، لكنها أهملته، يسقط منها – أحياناً – هنا وهناك لكنها لم تعره اهتماماً. وفي هذه المحنة، أعادت اكتشاف حياتها، ونفسها. كانت متحفظة في ذكر تفاصيل كثيرة، حدثت معها أو حتى الإشارة إليها. هذا الكتاب دعوة لقراءة سير الشعوب قراءة تأملية؛ لنتوقف عند بعض النقاط: بعد استسلام ألمانيا، التزام الألمان بقوانين المحتل. وعي الشعب الألماني من أنهم يسددون حسابات الحرب، وسياسة هتلر، وأن جنو

    شابة في الثلاثين من عمرها. واسعة الاطلاع، مثقفة، وذكية جداً، كتبت بعين امرأة شجاعة، عن كل ما يدور حولها. عينٌ مجروحة ولكنها عادلة، حاولت استكشاف العدو بدلاً من كرهه، حاولت أن تتعرف على وجه الإنسان في هذا العدو، أن تُجرّدهُ من أسلحته، وتراه كما هو، كانت تكتشف الوجه الآخر للأشياء طوال الوقت. أما حزنها؛ فكان عميقاً، لكنها أهملته، يسقط منها – أحياناً – هنا وهناك لكنها لم تعره اهتماماً. وفي هذه المحنة، أعادت اكتشاف حياتها، ونفسها. كانت متحفظة في ذكر تفاصيل كثيرة، حدثت معها أو حتى الإشارة إليها.

    هذا الكتاب دعوة لقراءة سير الشعوب قراءة تأملية؛ لنتوقف عند بعض النقاط: بعد استسلام ألمانيا، التزام الألمان بقوانين المحتل. وعي الشعب الألماني من أنهم يسددون حسابات الحرب، وسياسة هتلر، وأن جنود العدو لم يفعلوا أكثر مما فعله الألمان بهم من قبل.

    بعد صدور الكتاب واهتمام الصحافة، تم التعرف على شخصية الكاتبة، وهي الصحفية الألمانية مارتا هيلرس. كانت تعمل كصحفية في برلين، وتكتب في عدة صحف ومجلات. لاقى الكتاب عند صدوره في ألمانيا 1953 – انتقاداً شديداً. إما تجاهلوه، أو لعنوه. كانت هذه العبارة المستخدمة في وصف آراء القُرّاء عند صدوره

     

    بعد ظهر الجمعة20 أبريل 1945، الساعة الرابعة. مذكرات، بدأت في اليوم الأول من المعركة بالقرب من برلين:

    ما كان فرقعة بعيدة جداً البارحة، اليوم هو هدير مستمر. أنت تتنفس ضجيج البنادق، أُذنيك صماء، يمكنك فقط سماع إطلاق نيران المدفعية الثقيلة. نحن نعيش في نطاق من المدافع، يضيقُ كل ساعة.

    في الساعة الثالثة، جاء صبيّ الجرائد إلى كشك الجرائد، بضع عشرات من الناس كانوا يقفون في انتظاره. اختفى في غمضة عين خلف تلك الأيادي والرؤوس. في كل مكان حول كشك الجرائد، تقف مجموعات من الناس، يهمسون ووجوههم شاحبة: " يا إلهي، من كان يظن أن الأمور سوف تصل إلى هذا الحد؟!".

    "لقد اختفى آخر ُ بصيصٍ لنا من الأمل".

    عدتُ مجدداً إلى العُليّة، ليست بيتي. لم يعد لي بيت. الغرفة المفروشة، التي قُصفت، لم تكن لي أيضاً. لكني طوال ست سنوات ملأتها بجويّ الخاص، كُتُبيّ، لوحاتي ومئة شيء وشيء.

    الآن ضاع هذا كله، ولا أملك أي شيء منها سوى حقيبة سفر مع ملابس قديمة، أشعر أني خفيفة. والآن أنا لا أملك أي شيء لي.

    هذا الصباح عند الخباز، انتشرت الشائعة الآتية: "عندما يأتون، يأخذون كل شيء صالح للأكل. ونحن لا نأخذ شيئاً، بالمقابل. هم قرروا أن يموت الألمانيون من الجوع، في ثمانية أسابيع أولاً. في سيليزيا يمشي الناس في الغابات، يحفرون بحثاً عن الجزر. الأطفال يموتون في كل مكان. كبار السن يأكلون العشب، كما لو أنهم حيوانات".

    الجمعة، الساعة الحادية عشرة مساء في القبو، مع ضوء المصباح النفطي والدفتر على ركبتيّ. حوالي الساعة العاشرة، سقطت ثلاث أو أربع قنابل واحدة تلو الأخرى. في اللحظة نفسها، بدأ هدير صفارات الإنذار. أحدهم قال، إن صفارات الإنذار يتم تشغيلها الآن باليد.

    بلا ضوء ننزل الدرج في الظلام. منذ الثلاثاء، وهذا هو الحال. تتحسس حولك، وتزلّ خطواتك، وأنت تنزل، الريح تنفذ من خلال النوافذ المكسورة، وتتسبب في جعل ستائر التعتيم تضرب بعضها بقوة.

    شعب القبو هنا في البناية – على أي حال – مقتنعون أن جحرنا هذا هو الأكثر أماناً من أي مكان آخر. أنتمي إلى هذا المكان الآن منذ ثلاثة أشهر، ولا أزال أشعر أني غريبة

    السبت 21 أبريل 1945، الساعة الثانية بعد منتصف الليل:

    قنابل والجدران ترجف. أصابعي ترتجف – أيضاً – حول قلمي الحبر. أنا مبتلة، كما لو أني أنجزت عملاً شاقاً. منذ أن تعرضت للقصف، وساعدت تلك الليلة في إنقاذ المدفونين الأحياء، أُصبت بنوبات من الخوف القاتل. الأعراض – دائماً – نفسها. في البداية، يبدأ شعري في التعرّق، شعورٌ مزعج في ظهري، وخزٌ في رقبتي، سقف حلقي يصبح جافاً.

    بعد الغارة الأولى، حضر زيكزموند، رجلٌ عجوزٌ من الحيّ، طردوه من القبو الذي كان فيه، ربما لأنه لا يزال يتحدث عن (انتصار ألمانيا)، ولذلك انضم إلينا بلقبه، زيكزموند يؤمن – حقاً – أن الخلاص قريب والنصرَ مؤكد؛ لأن "ذلك الرجل" (الاسم الجديد لأدولف هتلر) يعرِفُ جيداً، ماذا يفعل. إذا تحدث زيكزموند بهذه الطريقة، ينظر الآخرون إلى بعضهم بصمت، والكثير من الدلالات على وجوههم. لا أحد يميل إلى مناقشته. من يُجادل الآن مجنوناً؟

    هذا الصباح حاولت أن أتذكر كمّ من الموتى رأيت في حياتي. نعم رأيتُ موتى، لكن الاحتضار نفسه، لم أره بعد. سوف أُجربه قريباً. لكني لا أؤمن بأن الموت سوف يتمكن منيّ. لقد انزلقت كثيراً من منجله، أشعرُ أني في أمان. هكذا سوف يشعر الكثير من الناس، وإلا كيف يمكنهم أن يمرحوا وسط هذا العدد الكبير من الموتى؟ ثبت أن الخطر الذي يُهدد حياتك يقويّ عزيمتك على الحياة. كل يومٍ جديد من حياتي هو يوم انتصار. تحدٍّ، أن تقِفَ مُنتصباً، وبثباتٍ على الأرض. في ذلك اليوم المرة الأولى التي اهتزت فيها الجدران من القنابل، كتبت بعض أبيات من الشعر اللاتيني على جدار غرفتي، لا أزال أذكرهم حتى الآن:

    إذا انهدم العالم من حولك

    حطامه سَيُبقيكَ شُجاعاً

     

     

    الأحد 22 أبريل 1945، الساعة الواحدة ليلاً:

    استلقيت على سريري لأغفو. الريح تندفع من بين النوافذ المكسورة، وقدمايّ وضعتهما على بلاطة. كانت فوق لهب غاز صغير لساعات حتى تسخن. الساعة الثامنة مساء طرقت فراو ليمان البابَ بعنف "انزلي، بسرعة! لن يكون هناك إنذار؛ لأن صفّارات الإنذار، لا تعمل. الجميعُ في القبو".

    في الداخل كان الوضعُ قد تغيّر. من يمكن أن يكون له سرير، يحتفظ به لنفسه؟! في كل مكان هناك وسائد، أغطية وأسرّة قابلة للثني. بصعوبة حاولت المرور من بينها إلى مكان جلوسي. الراديو صامت، المصباح النفطي بريقه خافت، سقط عددٌ من القنابل، وعاد الهدوء بعد ذلك.

    الساعة الثانية من بعد الظهر. كانت تمطر في الخارج، ولم يكن هناك المزيد من الصحف. ومع ذلك، كان الناس يحتشدون في الموعد المحدد عند مكاتب توزيع البطاقة التموينية، التي أُعلِنَ عنها في مُلصقٍ خاص. لدينا – الآن – ما يشبه خدمة الأخبار الشفويّة الأخبارُ كلها تنتقل من فمٍ إلى فم. حصلنا على (قروض) كما تُسمى رسميّاً، أطعمة يتم توفيرها قبل أن يأتي دور الكوبونات المعنية، لحم، سجق، طحين، سكر، فاكهة محفوظة، وبديل القهوة. وقفتُ لساعتين في المطر، أربعة صفوفٌ متجاورة، لا نهاية لها، في مطرٍ عاصف. صفيّ يطن بالشائعات: رجلٌ قال إن كونيك استسلمت، فونزدورف مُحتلة، العدو يقف على قناة تيلتو. "حول ذلك" فجأة، لم تتحدث أيُّ امرأة، كما لو كان ذلك باتفاق مسبق.

    بعد هذه الحوارات في الصف؛ حيث ينزل المرء تلقائياً إلى المستوى العام من الشكل والمحتوى، وحيث ينغمر المرء في العواطف الجمعية، أشعرُ – دائماً – أني لزجة وقذرة. لا أُريد أن أضع أي حاجز، أُريد أن أنضمّ إلى التجارب الجمعية، أُشارك بها. العزلة المتغطرسة التي سارت بها حياتي الخاصة عادة، دخلت في صراع مع الرغبة في أن أكون مثل الآخرين تماماً، في أن أنتمي إلى معاناة الشعب والتاريخ.

    ماذا يمكنني أن أفعل غير هذا؟! المدفعية المضادة للطائرات والمدفعية هما نبرة يومنا في الوقت الحاضر. أحياناً أتمنى أن ينتهي كل شيء. هذه الأيام الغريبة. أنتَ تُعايش التاريخ، بشكلٍ مباشر، الأشياء التي سوف تُكتب في كُتُب التاريخ لاحقاً. لكنها عن قُرب، تضيعُ في الحذر والخوف. التاريخ مملٌ جداً.

    الثلاثاء 24 أبريل 1945، بعد الظهر:

    ليس هناك نشرات أخبار، نحن معزولون، من النافذة أرى الكثير من الناس أمام الدكاكين. ما يزال الحال، كما هو، صراعٌ من أجل الزبدة المجانية الزنخة.

    في الوقت الذي كنت أجلس على الأريكة في الطابق الأول عند أرملة الصيدلي، دخلت الأرملة تركض منفعلة. طابور اللحم عند هفتر تلقّى ضربة مباشرة. ثلاثة قتلى، عشرة جرحى، لكن الصف عاد من جديد. ثم قالت: "حسناً، صحيح، ثلاثة قتلى فقط. ما وجه المقارنة مع غارةٍ جويّة؟!". نعم لقد تعودنا.

    الساعة التاسعة مساءً، عدتُ إلى القبو. في المساء، جاءت سيدة، لا أعرفها، وطلبت مني ومن الأرملة المساعدة في المستشفى.

    في المستشفى تركونا في غرفة زرقاء من الدخان. فوضى عنيفة من الرجال. شجار وصراخ: "لدينا جريح برصاص، قضى وقتاً طويلاً في الخارج داخل السيارة!". "اخرج من هنا! ألا ترى بأننا لا نملك سريراً فارغاً؟!". سائق سيارة الإسعاف كان غاضباً: "لقد أرسلوني إلى هنا!". "والآن اخرج!، وإلا" هدّد الرقيب بقبضته. السائق تصبب عرقاً، بينما هو يمشي أمامه ويشتمه.

    عبر الممرات رجال يعرجون، إصاباتهم خفيفة، أحدهم كان حافياً يده التي تنزف، ربطها بجورب، وجوه شمعية تحت ضمادات الرأس مع بقعٌ حمراء. دخلنا عدداً من القاعات. رائحة الرجال الخانقة في كل مكان: هواءٌ فاسد، أسرّة مخيمات، عصبية.

    "ماذا تفعلون هنا؟!" قال لنا شخصٌ ما. السيدة التي جاءت بنا، ردت بخجل، أن هناك شخصاً، جاء لها، وقال إنهم بحاجة إلى نساء للمساعدة في المستشفى.

    "غيرُ صحيح، ليس لدينا أي شيء؛ لتفعليه. اذهبي إلى بيتك".

    غريب هذه اللهجة المُنفِرّة المتخلفة التي ترفضُ مساعدة الإناث. كما لو أننا نريدُ الذهاب إلى الخنادق.

    في القبو من جديد. القبو مظلم. المصباح النفطي يشتعل. إطلاق نارٍ في الخارج، وهدوء في الداخل. الجميع – هنا –نصف نائم أو نائم.

    الجمعة 27 أبريل 1945، يوم وقوع الكارثة:

    نمت حتى الساعة الخامسة صباحاً، واستيقظت عندما سمعت جلبة بالقرب من مدخل القبو. كانت هذه زوجة الكُتُبيّ، جاءت من الخارج، أمسكت يدي، وهمست: "هم هنا".

    "من الروس؟!" كنت بالكاد أستطيع فتح عينيّ.

    "نعم. كانوا للتو عند ماير (تاجر النبيذ) قفزوا من النافذة".

    ارتديت ملابسي كلها، مشطت شعري، بينما كانت المرأة تنقل الخبر لكل من في الملجأ. في بضع دقائق، عمّت الفوضى أرجاء القبو.

    بعد الظهر، عندما حملنا أنا والهامبورغية مرجل شوربة الجريش الذي طُبخ لمجتمع القبو في المخبز، عثر العدو على الطريق إلى قبونا. ملامحُ قروية، وخدان حمراوان، اضطربت عيناه عندما كان يتفحص الناس في القبو على ضوء المصباح النفطي. دخل بتردد.

    قلبي كان يدق بقوة. هز رأسه وابتسم. عندها قلت كلماتي الروسية الأولى: "ما هي مهمتك هنا؟".

    استدار فوراً، وحدّق بي مندهشاً. لاحظت أني قد أفزعته. لم يرد على سؤالي، وهزّ رأسه فقط. سألته أيضاً بالروسية، إن كان ربما يرغب بشيء من الطعام. ضحك عندما سمع ذلك وقال بالألمانية (شراب).

    شراب؟ الجميع هزّ رأسه. هنا ليس لدينا كحول. من لديه بعض منها، يخفيها جيداً. هرب مرة أخرى يبحث عن طريقه في متاهة الممرات والمداخل.

    في الشارع، كان زملاؤه منشغلين في مرحهم. عدد من الروس يقودون الدراجات الهوائية في الشارع، يصطدمون بالأشجار، ويصيحون مسرورين.

    شعرتُ أن الكثير من الخوف قد ذهب منيّ. في النهاية هؤلاء الروس "مجرد رجال"، بطريقةٍ أنثوية، أو بأخرى، بالحيلة والخداع، يجب التحكم بهم، يمكن التملّق لهم، إلهاؤهم، وإبعادهم، بطريقة مهذبة.

    في حوالي الساعة السابعة، كنت أجلس أنا والأرملة فوق، نأكل بهدوء، حتى اندفعت نحونا بسرعة بنت البواب الصغرى، وهي تصرخ: "تعالي بسرعة إلى القبو، يجب أن تتحدثي معهم، الروس يطاردون فراو بي، زوجة صانع الخمور".

    عندما وصلت إلى القبو، كانت تقف عند باب المنزل، تبكي، وترتعش. نجحت في الهروب من الرجال، لا تجرؤ – بعد الآن – على دخول القبو. خمشت ذراعي بقوة، وتوسلت بي أن أذهب معها إلى القائد؛ لتطلب منه مرافقاً، نوع من الحماية. لا أعرف بماذا كانت تفكر!

    ما إن صعدت إلى فوق حتى جاءت بنت البواب، تركض على الدرج، من الواضح أنه قد تم الاستعانة بها كمرسال. رجالٌ في القبو. مرة أخرى. هذه المرة كانوا يريدون زوجة الخباز. الخباز جاء متمايلاً لمقابلتي في المدخل، يتمتم، ويداه ممدودتان: "هم عند زوجتي..." صوته كان مضطرباً.

    في القبو. المصباح النفطي مطفأ. على وميض ضوء من فتيل شمعة تعرفت على الوجه الناصع البياض والفم المرتعش لزوجة الخباز: ثلاثة من الروس يقفون حولها. في غضون ذلك، تحدث الرجال الثلاثة على عجل مع بعضهم، يبدو أنهم يتشاجرون، كانوا يتحدثون بلهجة خاصة. ماذا نفعل الآن؟!

    ركضت إلى الخارج، قابلت الضابط، الذي منذ لحظة، سوّى موضوع زوجة صانع الخمور، طلبت منه المساعدة، فهمني وتجهم وجهه. متردداً، مُكرهاً، تبعني أخيراً.

    الضابط تدخل في المحادثة، ليس بطريقة استبدادية، لكن؛ بطريقة ودية. سمعت عدة مرات التعبير "أوكاس ستالينا" أمر من ستالين. يتضمن هذا الأمر – على ما يبدو – "أن مثل هذا" يجب ألا يحدث، لكنه يحدث بالتأكيد، أحدهم وبخ الآخر. تغيّر وجهه من الغضب: "وماذا في ذلك؟ ماذا فعل الألمان في نسائنا؟" صرخ: "أخذوا أختي، و..." وهكذا، لم أستوعب الكلمات كلها، لكني فهمت المعنى.

    تحدث الضابط مرة أخرى مع الرجل بهدوء. اختفى في غضون ذلك، والآخرون خرجوا بعده. سَأَلتْ زوجة الخباز: "هل خرجوا؟" هززتُ رأسي، لكن؛ على سبيل الاحتياط، ذهبت إلى المدخل المظلم مرة أخرى. عندها أمسكوا بي. كان الرجلان ينتظران هنا.

    صرخت، صرخت... أُغلق باب القبو ورائي بقوة.

    أحدهم سحبني من معصمي أكثر للمدخل. والآخر بدأ يجرني أيضاً، وضع يده حول رقبتي حتى لا أصرخ، اختنقت من الخوف.

    سحبت نفسي إلى الدرابزين، ومشيت متحسسة طريقي بمحاذاة الحائط إلى باب القبو، الباب كان مقفلاً من الداخل، في أثناء ذلك. "افتحوا الباب!" صرخت. وعندما لم يحدث شيء: "افتحوا الباب! أنا وحدي، لقد ذهبوا".

    أخيراً ارتفع المزلاجان الحديديان إلى أعلى. في الداخل. شعب القبو يُحدق بي. انفجرت غاضباً: "أنتم أوباش! اُغتصبت مرتين، وأنتم تُغلقون الباب. وتدعوني ملقاة مثلُ شيءٍ قذر!". استدرت لأخرج ورائي كان الجميع صامتاً في البداية، ثم بداؤوا في الكلام، جميعهم يتحدثون في وقت واحد، يصرخون على بعضهم، يتشاجرون، وأخيراً جاء القرار: "سوف نذهب جميعاً إلى القائد، ونطلب منه حمايتنا الليلة".

    الأربعاء 2 مايو 1945:

    قضيتُ نصف وقت ما بعد ظهر الثلاثاء، وأنا أجلس على السرير أكتبُ مذكراتي. ثم بدأت – من باب الاحتياط – بقائمة كلمات ألمانية روسية، من الممكن إظهارها للفضوليين والروس. فعلتُ ذلك مرة واحدة من قبل، وحصلتُ – عندها – على تربيتة تشجيع على كتفي.

    في المساء حدثت لنا بعض المتاعب، أحدهم كان يطرق الباب الأمامي بعنف، فتحتُ الباب، لكني تركت سلسلة الأمان مغلقة. رأيتُ شيئاً أبيض، وتذكرتُ عندها الخباز الروسي من صباح الأمس في ردائه الأبيض، كان يريد السماح له بالدخول. رفضت. عندها طلب مني فتاة أخرى، لا يهم من تكون، عنوانٌ أو دلالة؛ حيثُ يمكن العثور عليها. في مقابل ذلك، وعد بأنه سوف يمنح الفتاة طحيناً، الكثير من الطحين، ولي أيضاً كعمولة. لا أعرف أي فتاة، ولا أُريدُ أن أعرف. أصبح مزعجاً، دفع قدمه في فتحة الباب، وجر سلسلة الأمان. أخرجتهُ بصعوبة وأغلقت الباب بقوة.

    نعم، الفتيات أصبحن نادرات. الأوقات التي يُطارد فيها الروس النساء أصبحت – الآن – معروفة. الفتيات محبوسات، مختبئات في مخازن المؤن تحت السقوف، ومرصوصات في شقق "آمنة". في صف الانتظار عند المضخة قيل أن طبيبة أنشأت مستشفى في ملجأ لمكافحة الأمراض المعدية. لوحات كبيرة، تُشير باللغة الألمانية والروسية إلى أن المستشفى أنشئت خصيصاً، من أجل مكافحة مرض التيفوئيد. والمرضى ليسوا سوى فتيات صغيرات من المنازل المجاورة، ساعدتهن الطبيبة مع خدعة التيفوئيد على احتفاظهن بعذريتهن.

    السبت 5 مايو 1945:

    البرد لا يريد أن يحيد. أجلس على كرسي أمام نار الموقد التي حاولنا إبقاءها مشتعلة بأنواع الأدب النازي. عندما يفعل هذا الجميع – وهم يفعلون هذا – سوف يُصبح كتاب أدولف (كفاحي) نادراً للمولعين بالكُتُب.

    بعد الظهر، ظهر رجال مختلفون أمام بابنا، رجالٌ ألمان من بنايتنا. كان إحساساً غريباً أن نتعامل مع رجالنا من جديد، الرجال الذين على الأقل لا نخاف منهم، جاؤوا بأسطورة الكُتُبيّ التي عمّت أصداؤها البناية كلها. حدث هذا عندما عادت زوجته من المضخة مع دلوين ماء، قبض عليها الروس عند باب المنزل، عندما بدأت المرأة بالصراخ، خرج هو راكضاً من الشقة ووقف بوجههم مباشرة، وصرخ: "أنت كلب ملعون، خنزيرٌ قذر!" والأسطورة تقول، إن الروسي أصبح صغيراً جداً، تذلل ولاذ بالفرار.

    هذه هي المرة الأولى التي أسمعُ فيها أن أحد رجالنا قد فقد السيطرة على نفسه. الغالبية عقلاء للغاية، يتخذون موقفهم بحكمة، يحاولون الفرار بجلودهم، ونساءهم تدعمهم بقوة في تحقيق هذا الأمر. ليس هناك رجلٌ يفقد هيبته، لمجرد أنه ترك امرأته أو جارته للمنتصرين. بل العكس تماماً: الناس يلومونه عندم يُزعج "السادة" بمقاومتهم. ومع ذلك لا يزال هناك بقية غامضة. أنا على قناعة من أن زوجة الكُتُبيّ لن تنسى لزوجها نوبة الشجاعة تلك، نوبة الحب، إذا صح التعبير. والرجال الآخرون الذين نقلوا هذه القصة كانت نبرة الاحترام واضحة جداً في أصواتهم.

     

    من السبت 16 يونيو إلى الجمعة 22 يونيو 1945:

    لم أكتب شيئاً، ولن أكتب، هذا الزمن قد ولّى. كان اليوم هو السبت حوالي الساعة الخامسة؛ عندما دق جرس الباب. كان كيرد، في ملابس مدنية، وقفنا بعض الوقت في المدخل نُحدق ببعضنا دون أن نقول كلمة واحدة.

    "من أين أتيت؟ هل تسرحت من الخدمة العسكرية؟"

    "لا، هربت دعيني أدخل أولاً".

    عنواني الجديد كان يعرفه كيرد؛ لأنه استلم آخر بريد في الميدان مع بطاقة بريدية حمراء، وقصة تعرض مكسني للقصف. هو تصور – أيضاً – خراب ملجئي الجديد، والبحث عنيّ. تفاجأ عندما وجدني سليمة. هزّ رأسه بخصوص مجاعتي، وأقسم أنه – من الآن فصاعداً – سوف يجلب كل ما أحتاجه.

    قدمت لكيرد دفاتر مذكراتي (ثلاثة دفاتر كاملة). كيرد يجلس، وفي يديه الدفاتر، لبعض الوقت، ثم أعادها لي، أقسم أنه لا يستطيع فهم خربشاتي مع الكثير من السطور المختزلة والاختصارات. "ماذا يعني مثلاً؟" سألني، وأشار إلى "vkng". كان يجب أن أضحك: "حسناً، الاغتصاب، بالتأكيد!" نظر لي، كما لو أنني مجنونة، ولم يقل أي شيء بعد ذلك.

    غادر منذ البارحة. يريد الانتقال إلى بوميرون مع زميلٍ كان معه في الجيش. يريد جلب بعض الطعام. لاأعرف إن كان سيعود أم لا. هذا سيئ لكني أشعر أني مرتاحة البال.

    أحياناً أستغرب من أني لم أعد أُعاني نفسياً من الخلاف مع كيرد، الذي كان يعني كل شيء، بالنسبة لي. من المحتمل أن الجوع يُخرس المشاعر، ويُقلل إحساس الروح بالألم. لدي الكثير لأفعله، لا بد لي العثور على ولاعة للموقد، نفدت أعواد الثقاب كلها. السقف يرشح من جديد. أقف في طابور الجريش. ليس لدي الوقت لتغذية روحي. صعوباتي الشخصية ذابت في البؤس العام. لا أستطيع أن أُعطي لحياتي الخاصة – الآن – أهميّة كبيرة. أصبحت غرائزي هي الأكثر حيوية. تتجسس وتُخبرني عن كل الجهات التي يُحتمل أن يكون فيها طعام. تُجبرني البقاء على قيد الحياة.

    البارحة حدث شيء مضحك. وقفت عربة أمام بنايتنا، تحمل حصاناً عجوزاً، لم يبقَ من الحيوان سوى عظم وجلد. لوتس ليمان، ذات الأربعة أعوام، جاءت وأمها تُمسك بيدها، ظلّت واقفة أمام العربة، وتُحدق بالحصان، ثم سألت: "ماما، هل يمكنك أكل هذا الحصان؟".

    شيء واحد أودّ القيام به. استعرتُ من الأرملة آلة الطباعة القديمة. أكتب بها – الآن – مذكراتي ببطء شديد، حسبُ ما تسمح لي قدرتي، بخطٍ واضح جميل، وبدون عبارات الاختزال. ومع أشياء كثيرة أخرى، ظهرت لي عند إعادة الكتابة. يجب أن يقرأها كيرد عند عودته. ربما نجد بعضنا من جديد.

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:630
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:123
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك