• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 07-11-2017
  • المؤلف: جبرا إبراهيم جبرا
  • الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر
  • عدد الصفحات:296
  • عدد الاستماع للحلقة: 285
  • متعة القراءة ... متعة الكتابة: قد لا يُدرك المرء قيمة الشيء اللصيق بحياته، إلا إذا حُرِم منه. ولا يعرف المرء عمق المتعة بالقراءة، إلا إذا حُرِم منها لمدة طويلة، بحيث يجدُ نفسهُ يتحرّق إلى كتاب يُعاقره، ولو لساعة، أو بعضَ ساعة. ولكن من الظلم ..
    23
    أكتوبر
  • 104: ذكريات، الجزء الرابع
  • كتب في: 23-10-2017
  • المؤلف: عليّ الطنطاوي
  • الناشر: دار المنارة
  • عدد الصفحات:317
  • دروس الأدب في بغداد: إن كانت معك صفحات معدودة، فبلغت آخر صفحة وما انتهى الكلام، فهو يُبتر بتراً. هذا ما حدث للحلقة السابقة من هذه الذكريات، كنت أُمليها من الهاتف لتُسجل في الشريط، فوصل الشريط إلى آخره، وما وصل الكلام إلى نقطة الختام. ولما كنت أكتب مقالاتي كانت تقع أخطاء في الطبع أخطاء النظر، فصرتُ الآن في أخطاء السمع، فكلمة منغصاً جاءت منظفاً، ونشز صارت نجد، وفيما الموصولة قُطّعت أوصالها فصارت في ما، وبيت بشارة الخوري: "وجعلنا الزمنا قطرة في كأسنا". جاء "وجعلنا الزمان" فسقط البيت. سقط فانكسر، أي أنه صار شعراً حراً. ولو أخطأت المطبعة فجعلت الحاء ميماً وصيّرته شعراً مُرّاً، لكان هذا الخطأ هو عين الصواب، فإني أتجرع مرارة هذا الشعر كلما قرأته منشوراً في الصحف والمجلات.

    دروس الأدب في بغداد:

    إن كانت معك صفحات معدودة، فبلغت آخر صفحة وما انتهى الكلام، فهو يُبتر بتراً. هذا ما حدث للحلقة السابقة من هذه الذكريات، كنت أُمليها من الهاتف لتُسجل في الشريط، فوصل الشريط إلى آخره، وما وصل الكلام إلى نقطة الختام.

    ولما كنت أكتب مقالاتي كانت تقع أخطاء في الطبع أخطاء النظر، فصرتُ الآن في أخطاء السمع، فكلمة منغصاً جاءت منظفاً، ونشز صارت نجد، وفيما الموصولة قُطّعت أوصالها فصارت في ما، وبيت بشارة الخوري: "وجعلنا الزمنا قطرة في كأسنا". جاء "وجعلنا الزمان" فسقط البيت. سقط فانكسر، أي أنه صار شعراً حراً. ولو أخطأت المطبعة فجعلت الحاء ميماً وصيّرته شعراً مُرّاً، لكان هذا الخطأ هو عين الصواب، فإني أتجرع مرارة هذا الشعر كلما قرأته منشوراً في الصحف والمجلات.

    حاولت في تلك الأيام التي كنت أُدرّس فيها تاريخ الأدب، أن أتخطى هذه الحدود الواهية التي أقاموها بين العصور، حين قسّموا العصور الأدبية إلى العصر الجاهلي والإسلامي والعباسي. أي أنهم جعلوا الأدب تابعاً للسياسة، وما هو بتابعٍ لها، وليس بينه وبينها صلة ثابتة، قلا يرقى برقيّها دائماً، ولا يهبطُ بهبوطها.

    فإن درّست قصيدة جرير في رثاء زوجته عرضتُ لمن رثى زوجته من الشعراء، وإن درّست مرثيّة ابن الزيّات لولده درّست مراثي الذين رثوا أولادهم. وإن درّست قصيدة بشار في وصف الجيش:

    وجيشٌ كجنح الليلِ يزحفُ بالحصى ...  وبالشوك والخطى حُمُرٍ ثعالبه

    درّست بعض ما قال الشعراء في وصف الجيش، وقرنتها بقصيدة المتنبي مثلاً:

    أتوك يجرّون الحديد كأنما ...  سرّوا بجياد ما لهنّ قوائم

    كيف تمشي جيادٌ بلا قوائم؟

    لا يفهم الشعرُ تماماً إلا من ألمّ بشيء من تاريخ العصر الذي قيل فيه. فالروم (البيزنطيون) كانوا يتخذون دروعاً سابغة لخيولهم، تصل إلى الأرض فلا تبدو معها قوائمها "وثيابهم من مثلها والعمائم".

    في ذلك الجيش الضخم الذي يسد ما بين الشرق والغرب:

    خميس بشرق الأرض والغرب زحفه ...  وفي أّذن الجوزاء منه زمازم

    لماذا سمّاها زمازم؟ الزمازم الأصوات المبهمة المتداخلة التي لا يكاد السامع يفهم لها معنى. ذلك لأن الجيش:

    تجمع فيه كل لسن وأمة ...  فما يفهم الحُداث إلا التراجم

    وكانت تلك الصورة الحقيقية للجيش البيزنطي الذي يضم جنوداً من شتى الأمم التي كانت خاضعة لحكم البيزنطيين.

    أنا لا أريد أن أعرض الآن كل ما كنت أُدرّسه يومئذ ولكن أعطيت مثالاً عليه. كنا إذا أخذنا قصيدة في الوداع ذكرت لهم كل ما أحفظه أو أعرف من أبيات الوداع وإذا مرّت قطعة في سلوّ الحب ونسيانه، أمليتُ عليهم ما أعرفه من قصائد ومقطوعات في هذا الموضوع، كنت في تلك الأيام أعيشُ بالأدب وأعيشُ للأدب حتى أن ذلك ظهر في ما كنت أكتبه وأنشره في (الرسالة) أو في غيرها.

    "قصة" انتهت بنقلي إلى البصرة:

    علّمونا ونح صغار، أن الولد المُهذب هو الذي لا يرفع بصره عن الأرض إذا كان مع الكِبار، وإذا قعد أمامهم ضمّ أعضاءه بعضها إلى بعض وأحنى رأسه، ولم يتكلم حتى يُسأل، وإن سُئل خفض بالجواب صوته، وكلما نطق بجملة أعقبها بقول (سيدي)، وإن قابل كبيراً قبّلَ يده ورفعها إلى جبينه.

    ثم تعلّمنا في المدرسة ان المسلم يكون أبداً عزيز النفس، مرفوع الرأس، جريئاً، إن تكلّم أسمع.

    أي أنهم وجّهونا وجهتين مُتعارضتين، فكان عليّ أن أمشي إلى الوراء وأنا أتقدمُ إلى الأمام، وأن أصعدَ نازلاً وانزِلُ صاعداً.

    وممّا ركب اللهُ في طبعي أنني طريٌ باللطف أبيٌّ على العنف، فمن جاءني من باب اللين والمسايرة والرفق غلبني ومن جاءني من طريق التحديّ والمُكاسرة نازلته فكسرني أو كسرته.

    ولما كنتُ أُدرِّسُ في الثانوية المركزية أول عهدي ببغداد دخل عليّ الصف (الفصل) يماً شابٌ في مثل سني أو يكبرني قليلاً، وكان من عادتي في دروسي أن أدع البابَ مفتوحاً، فمن شاء أن يدخل دخل، ومن أراد من طلابي أن يخرجَ خرج، ولو فتح الطالب كتاب الكيمياء في درس الأدب، بل لو قرأ فيه قصة من القصص لما قلتُ له شيئاً، ما كنتُ أمنع إلا شيئاً واحداً هو أن يُحدِثَ الطالبُ صوتاً يُعكِرُ عليّ صفاء درسي.

    حسبت هذا الشاب أحد الذين يدخلون ليستمعوا، ولم يكن ذا سن ولا هيبة ولا شيء فيه يدل عليه، فقعد آخر الصف، ومضيت في درسي، ورأيته قد أخرج دفتراً صغيراً فجعل يكتب فيه فقلت: حريصٌ على الفوائد يدونها لئلا ينساها.

    فلما انتهى الدرس وخرجنا لحقني الطلاب على عادتهم يمشون معي، ومشي هو معهم، فلما انتهينا إلى غرفة الأساتذة رجعوا ودخلت فدخل هو معي، وافتتح القول بالثناء على درسي الذي سمعه، وعلى مقالاتي التي قال: إنه كان يقرؤها في الرسالة، وأنا لا أجد في مثل هذا الحال ما أقوله. لأن من سألني عمّا أعرفه أجبته، ومن حيّاني حييته، ومن شتمني شتمته، أما الذي لا ينطق إلا بمدحي فماذا أقول له؟ اللهم إلا كلمات الشكر أُعيدا وأُكررها، ولا أتمنى إلا أن يُخلصني الله من هذا الموقف الذي أراهُ (إلى الآن) أشق المواقف عليّ.

    فلما ظن أنه خدرني بمدحه، وأنه تمكن مني، وأنه عقل لساني بالحياء عن جوابه قال: أُعرفك بنفسي أنا الدكتور فلان من مصر المفتش الاختصاصي للغة العربية.

    وأحسستُ أنه مدّ باللقب صوته، ونصب عنده قامته، ودانى ما بين حاجبيه، ووقف وقفة القائد الذي يريد أن يُلقي أوامره فَتُطاع.

    وأنا مهما حاولتُ أن أُرّوض نفسي على طاعة المفتشين والرؤساء لا أستطيع، وأجدني مدفوعاً دفعاً لا يقاوم إلى المنازلة وإلى مجابهة من يأمرني وينهاني مُستعلياً، بما يكره، الا ثانين من المفتشين والرؤساء.

    الأول: من كنت أرى له الفضل عليّ، بعلم أو سن أو تجربة، كالمفتش مصطفى تمر.

    الثاني: من يجيء باللطف والأدب واللين، لا يشعرك بأنه فوقك وأن له عليك سلطاناً، ولم يكن هذا المفتش الذي دخل عليّ واحداً من الصنفين.

    وبدا يلقي عليّ ملاحظاته فاستمعت إليه ظاهر الضيق، مستعداً للنزول وللصدام، وإذا هي ملاحظات شكلية لا يزيدني اتباعها، ولا ينقص مني الإعراض عنها، أي أنها لا تضر ولا تنفع. فلما أطال لم أعد أحتمل، وقلبت له ظهر المجن، وسخنت له القول، وافترقنا على خلاف وإن حاول أن يعود قبل الفراق إلى الملاطفة وإلى إصلاح الأمر بيني وبينه فما نجح في محاولته. وتناسيته، وعدت إلى دروسي، وإذا أنا كلما لقيت أخاً من إخواننا المدرسين في بغداد، السوريين منهم والعراقيين، حدثني عن خلاف بينه وبين هذا المفتش، ومرت أسابيع فإذا نحن نتلقى كتاباً صغيراً، طبعته وزارة المعارف وبعثت توزعه علينا معشر مدرسي العربية فيه أوامر ونصائح وتوجيهات، بعث بها هذا الرجل وأنزلها علينا من فوق، فغضبنا واجتمعنا عند الأستاذ محمد مهدي الجواهري الشاعر، وكان من المدرسين الذين نالهم أذى المفتش، اجتمعنا في جريدته التي سماها (الانقلاب)، فقلت للجواهري: أنا أكتب قصة آتيك بها غداً، وأعدك أنها سَتُطيره من العراق، فهل تنشرها كما هي؟ قال: نعم أنشرها، فكتبتها وحملتها إليه ونُشرت كما هي في عدد 19 من ذي الحجة سنة 1355هـ، وأنا أقُرّ الآن بعد 49 سنة أني ظلمته فيها، وأني أسأت إليه وأن القصة التي كتبتها كانت هجاءً لا نقداً وكانت للتشفي والانتقام لا للإصلاح.

    وغضب وطار إلى مصر وغضب معه كثيرٌ من إخواننا المصريين، وإن لم امسهم بشيء فيما قلت، وما كان كلامي إلا عليه وحده، وبقي نفرٌ منهم على مودتي.

    وأنا من القديم مبتلى بالأرق وطول السهر، لذلك أنام شطر نومي بعد صلاة الفجر، ولذلك أجعل حصصي ومواعيد عملي ما استطعت بعد العاشرة.

    فجئت المدرسة في موعدي ولم أعلم بما كان قبل وصولي، والذي كان أن الوزارة إرضاءً للإخوة المصريين، ولأنها وجدت في القصة التي كتبتها جملة فيها مسٌ بالعراق، حين قلت: إنه عرض شهادته على جامعات الشرق والغرب فأبتها، ولم تقبلها إلا العراق. فأصدرت الوزارة قراراً بإنهاء عقدي وتسفيري. وبعثت به إلى المدرسة وأنا لا أدري.

    من ذكريات البصرة:

    وصلتُ المدرسة فوجدت باباً كبيراً، عليه حارسٌ نبيه، فلم يفتح لي حتى عرف من أنا، وماذا أُريد، ولكني عرفت لما دخلت المدرسة أن ساحتهاليس لها جدارٌ من الخلف، أي أنها كقبر جحا التركي في قونية، الذي زعم من رآه أن عليه من الأقفال الثقال، ولكن ليس له جدران، فمن شاء دار من حوله فدخل، كما دار الألمان في الحرب الثانية حول خط ماجينو، الذي قالوا: إنه مستحيل الاختراق، فجاؤوا من بلجيكا، فدخلوا فرنسا من الشمال.

    وكنت أعرف الفصل الذي كُلِفتُ بالتدريس فيه، فلم أدخل على المدير كما هو المطلوب من مثلي، بل دخلت الصف رأساً، وكنت من الحر قد نزعت ردائي (جاكيتي) وحملته، وشمرتُ عن كمي عن طرف ساعدي، كأنني طالبٌ كبير، ولا ينبغي للمدرس أن يصنع مثل هذا، لا سيما في دروسه الأولى، قبل أن يعرفه الطلاب، ويثقوا من علمه وفضله، ويثق هو من أدبهم معه واحترامهم له، ولكني أذكرُ ما كان.

    ولقد وقعت لي هنا حادثة. سألوني مرة في مقابلة صحفية عن أطراف ما وقع لي في حياتي في التعليم، فتحدثت بها:

    هي بإيجاز أنني دخلت في وسط المحاضرة، وكان هذا خطأ مني، فسمعت المدرس يودّع الطلاب ويوصيهم بخَلَفْه؛ (الذي هو أنا) ويُسميه لهم، ويُثني عليه ويمدحه، فأعجبني ذلك منه وتقدمتُ خطوتين فصاح بي:

    "يا زمّال (أي يا حمار، ولعلها محرفة عن الزاملة) فين داخل؟ تأتي وسط المحاضرة وتدخل على هذه الحال من قلة الأدب!" وأشهدُ الآن أن الحق كان معه.

    وأظن أنك لم تُحضّر درسك، هل تستطيع أن تُلخص ما قلتهُ أمس عن البحتري؟ هيّا تكلم هن البحتري يا زمّال.

    وأخذتُ أتكلم عن البحتري، بلغة سليمة، ولهجة موزونة، وإحاطةٌ بالموضوع، أستشهد في كل موضوع بما قاله هو، وما قاله الناسُ فيه، وأشرحُ ما أُجيء به من الشواهد.

    وشُدِه وتركني أتكلم عشر دقائق أو ربعَ ساعة، كانت عيناه فيها مفتوحتين، وشفتاه متباعدتين، وحاجباه مرتفعين – هيئة المدهوش – الذي فاجأه ما لم يكن متوقع، حتى إذا وقفتُ وقفة، تنبه فيها مما كان فيه، وقال: من أنتَ؟ وما أسمك؟ قلت: عليّ الطنطاوي.

    وأنا أدعُ القُرّاء أن يتصوروا أثر ذلك في نفسه، بعد الذي قاله عني والذي سمعه مني.

    رأيتُ البصرة لما جئتها مُدناً ثلاثاً صغاراً، بينها كما يقول علماء المعاني من البلاغيين: شبه كمال الاتصال أو شبه كمال الانفصال، فلا هي مدن مستقلة، ولا هي أحياء مدينة واحدة.

    وهي: ماركيل والعشار والبصرة.

    أما ماركيل الذي سمي باسمه حي المحطة فهو معقل بن يسار، رضي الله عنه، مسخ اسمه الإنكليز بلسانهم المعوج، فصار معقل "ماركيل". وأما العشار فلا أعرف من أين جاءت هذه التسمية. وكنت أسمع أن البصرة القديمة التي قرأنا أخبارها، وروينا تاريخها، هي الزبير. ولست أذكر الآن كم تبعد الزبير عن البصرة: عشرين أم خمسة وعشرين كيلاً. وكنتُ أمشي مثل هذه المسافة ذهاباً وإياباً بسهولة، فأخذت بضعة طلاب وذهبنا إليها مشياً على الأقدام.

    ولستُ أذكر منها إلا قبر الزبير، رضي الله عنه، وأكثر أهل الزبير من نجد، وهم سلفيون حملوا إليها هذه السلفية التي دعا فيها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، مجدداً الإسلام في القرن الثاني عشر بلا نزاع إلى العودة إلى التوحيد الخالص.

    أنا ما زرت البندقية ولكن قرأت عنها وسمعت قصيدة "المهندس" فيها، التي غناها محمد عبد الوهاب، طُرق البندقية ماء وسياراتها الزوارق، وكذلك البصرة، بين الشعار والبصرة شارع إلى جنبه ممر مائي، فمن شاء ركِب السيارة في البر ومن شاء ركِب الزورق في الماء.

    وبساتين النخيل في مدينة أبي الخصيب التي لا يُحصى عددها، لكلٍ منها نهرٌ صغير، أي مجرى ماء، يأتي من شط العرب، لا يجري ماؤها كالأنهار، بل يتحرك بالمد والجزر كمياه البحار. وكنتُ أعجبُ عندما أقرأ في الكتب أنه كان في البصرة عشرون ألف نهر. وأقول: ما هذه الأنهار؟ وأين تجري؟ فعرفت لمّا رأيتُ هذه الأقنية ماذا كانت الأنهار.

    رفضتُ الدعوة إلى القوميّة فنقلوني إلى "كركوك":

    كانت سنة 1939 في بغداد سنة نهضة عجيبة، روحٌ جديدة صبّت في قلوب الشباب، إقبالٌ على الجندية وأن ينتظمهم سلك الجيش. وأعانهم على ذلك أن وزارة المعارف بدأت بتحويل المدارس إلى شبه ثكنات، والطلاب إلى جنود، حتى أنها وضعت نظاماً سمّته نظام الفتوة، ألبست فيه الطلاب لباس الجنود، ودرّبتهم على ما يتدرب عليه الجنود، حتى يكونوا مستعدين للنزال إذا أذّن مؤذن القتال، وحانت ساعة النضال.

    بدأ ذلك بتدريب مجموعات صغيرة، ثم عمّ المدارس كلها، حتى إذا كان يوم الجمعة السابع والعشرون من الشهر الأول من سنة 1939، كان التدريب على الجندية باسم الفتوة قد عمّ مدارس بغداد كلها. وفي هذا اليوم خرج موكب الطلاب، الموكبُ العظيم الذي كان حديث الناس، وكان عجباً من العجب.

    انتقلت فيه بغداد كلها فاستقرت في شارع الرشيد، الذي لم يكن في بغداد شارعٌ غيره، وشارع غازي الذي اُفتتح يومئذ حديثاً، لترى موكب الفتوة الذي يصل بين غازي والرشيد، فيُنشئ المجد الجديد، وعلى أساس المجد التليد.

    ولما جاوز جيش الفتوة شارع الرشيد واتجه إلى شارع غازي، ماج البحر واضطرب، وتدفقت وراءه الدموع، أسرعت لأدرك صلاة الجمعة. كان هذا الموكب مظهر قوة، وكان علامة فتوة، وكان شيئاً بهياً، ولكنهم أفسدوا جماله، وشوهوا صورته. أفما كان بالإمكان أن يُقدم الموكب ساعة أو يؤخر ساعة حتى لا تضيع صلاة الجمعة على هؤلاء الفتيان كلهم؟

    فيا ليت الوزارة لم تنس ربها ودينها حين ذكرت وطنها وفتوة أبنائها. يا ليتها ساقت هؤلاء الجنود كلهم إلى المساجد ليقيموا فيها الصلاة، أو لو أقاموها في الساحات وفي الشوارع، فإن أجدادنا ما غلبوا عدوهم إلا بالصلاة، والالتجاء إلى الله.

    أفنحسبُ أننا نستعيض بالحديد والنار عن الإيمان؟

    هيهات والله هيهات...

    ما النصر بالسلاح ولا بالذخائر وحدها. ما النصر إلا من عند الله.

    الكلام الذي سردته هنا نشرته يومئذ في "الرسالة". وكان القائمون على وزارة المعارف قد جاهروا شيئاً بعد شيء بما كانوا يضمرون. ثم بيّنوا حقيقتهم وهي أنهم يعملون للقوميّة المجردة عن الدين، وأنهم يدعون إلى الوحدة العربية على حساب الوحدة الإسلامية. ووقع الضغط على الإسلاميين من المدرسين فمنهم من ساير وجارى، ولجأ إلى المعاريض، وعالج الأمر باللين من غير أن يخرج على دينه، وبعضهم أبى إلا الإعلان عن إسلاميته، والتمسك بها، ومحاربة كل ما يخالفها.

    وكان أظهر هؤلاء الإسلاميين الذين لبثوا يعلنون إسلاميتهم، ويحاربون القومية المنافية للدين، والذين أعلنوا وجهروا وما جمجموا ولا لانوا ثلاثة: أخونا الأستاذ عبد المنعم خلاّف، من مصر، وأخونا الأستاذ أحمد مظهر العظمة، والثالث هو كاتبُ هذه السطور، فكانت العاقبة أننا نُقلنا إلى الشمال.

    قالوا لنا: ما دمتم لا تفرقون بين المسلم العربي، والمسلم غير العربي، فإن في شمال العراق أكراداً مسلمين فاذهبوا فعلّموهم، نُقل الأستاذ عبد المنعم خلاّف إلى السليمانية فاستقال وأنهى عقده ورجع إلى مصر، ونقل الأستاذ أحمد مظهر العظمة إلى أربيل، ونقلت أنا إلى كركوك.

    وقعت لي حوادث لما جئت إلى كركوك تتصلُ بموضوع القوميّة. ذلك أن مدير الثانوية في كركوك وكان رجلاً طيباً، وزع الدروس على المدرسين، وباشروا أعمالهم، وأنا قاعد عنده في غرفة الإدارة، لا يكلفني بعمل. وكلما سألته لماذا لا أقوم بعملي كان يستمهلني. ثم علمت السبب. عرفت أن كل المدرسين الذين جاؤوا قبلي لتدريس اللغة العربية، كان الطلاب الأكراد يقومون عليهم فلا يسلمون من ضربهم وإيذائهم، والطلاب هناك ذو بسطة في الأجسام، وذو قوة. علمت أنه إنما يحول بيني وبين التدريس خوفاً عليّ مما يتصور أنه يمكن أن يقع لي، فاغتنمت غفلة منه، ودخلتُ أكبر الفصول واخترقت مقاعد الطلاب حتى صعدت منبر التدريس، نظرتُ في وجوههم فإذا عيونهم محمرة، وإذا الغضب يبدو على سماتهم، وإذا هم يضمرون نية لا يستطيعون أن يُخفوا مظاهرها، فقلتُ لهم: اسمعوا الذي أقوله لكم يا أبنائي.

    كان العرب في جاهلية فبعث الله لهم محمداً عليه الصلاة والسلام ليدعوهم إلى الله، ليدلهم على طريق الجنة، ليأخذ بأيديهم إلى صعود مدارج الفلاح والنجاح. وأنزل الله عليه قرآناً يقول فيه: (إنما المؤمنون إخوة)، فأنا ما جئت من بغداد إليكم لأعلمكم العربية، من أجل أهل بغداد، ولا خدمة لهذه البدعة التي سموها قوميّة، لا. ولكن جئت أُعلمكم العربية، لأنها لغة نبيكم محمد، ولغة الكتاب الذي أُنزل على نبيكم محمد، ولتجتمعوا به فتعود الأخوة الإسلامية فتمحو هذه الدعوة الجاهلية. ألا تحبون محمداً؟، قالوا: نعم، نحبه. عليه الصلاة والسلام. قلت: ألا تُريدون أن تقرؤوا كتاب الله؟ قالوا: نعن، وإننا لنقرؤه، قلت: الله أمر بتدبر القرآن، فكيف تتدبرون القرآن إن لم تعرفوا العربية التي أنزل الله بها القرآن؟ فيا أبنائي، أنا ما جئت إليكم باختياري ولكنهم نقلوني عقوبة لي كما زعموا، لماذا نقلوني؟ لأنني أبيت أن أدعو بدعوة الجاهلية، وهذه الدعوة التي تُفرّق المسلمين، وتجعل الأمة الواحدة أُمماً، دعوة جاهلية. هذه التي قال عنها الرسول عليه الصلاة والسلام "دعوها فإنها منتنة" فهل تريدون أن تتعلموا العربية لتفهموا كتاب ربكم، وأحاديث نبيكم؟ أو أنكم تمشون مع هوى نفوسكم، وتقابلون ضلالتهم بضلالة منكم مثلها أو أشد منها؟

    أُقسم لكم أن الطلاب تأثروا حتى كادوا يبكون، ثم حملوني على أعناقهم وبدأوا يهتفون لي.

    وقعت لي حوادث أُخرى مشابهة لهذه دلّتني على أن المسلم يبقى مُسلماً، وأن هذه الدعوات وهذه المذاهب طلاءٌ خارجي، لا يلبثُ أن يُمحى، ولا يمكن أن يثبت وأن يُقاوم العقيدة. فالعقائد لا تُقاومُ أبداً.

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:134
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:77
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك