• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 07-11-2017
  • المؤلف: جبرا إبراهيم جبرا
  • الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر
  • عدد الصفحات:296
  • عدد الاستماع للحلقة: 284
  • متعة القراءة ... متعة الكتابة: قد لا يُدرك المرء قيمة الشيء اللصيق بحياته، إلا إذا حُرِم منه. ولا يعرف المرء عمق المتعة بالقراءة، إلا إذا حُرِم منها لمدة طويلة، بحيث يجدُ نفسهُ يتحرّق إلى كتاب يُعاقره، ولو لساعة، أو بعضَ ساعة. ولكن من الظلم ..
    07
    نوفمبر
  • 105: معايشة النَمِرة وأوراق أُخرى
  • كتب في: 07-11-2017
  • المؤلف: جبرا إبراهيم جبرا
  • الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر
  • عدد الصفحات:296
  • متعة القراءة ... متعة الكتابة: قد لا يُدرك المرء قيمة الشيء اللصيق بحياته، إلا إذا حُرِم منه. ولا يعرف المرء عمق المتعة بالقراءة، إلا إذا حُرِم منها لمدة طويلة، بحيث يجدُ نفسهُ يتحرّق إلى كتاب يُعاقره، ولو لساعة، أو بعضَ ساعة. ولكن من الظلم أن نُعمّم أمر القراءة هذا. هناك الكثيرون ممن ليس للكتاب دورٌ في حياتهم، فلا يخشون الحرمان منه، لأن القراءة لا تُعطيهم تلك المتعة التي تُشفي الغليل وتُثيره معاً، أشبه بمتعة إدمان هو حقاً إدمانٌ حلال. هؤلاء أُناس قد يكونون راضين عن أنفسهم وعن غفلتهم الفكرية، غير أنني أعجبُ لأمرهم، وأحزن لهم: أعجبُ لأمرهم حين أجد أن سنوات الدراسة الطويلة لم تفلح في زرع هذه الشهوة النبيلة في أنفسهم، وأحزن لهم لأنهم يعيشون وهم في عَوّزٍ ذهني وعاطفي قد لا يعونه، و

    متعة القراءة ... متعة الكتابة:

    قد لا يُدرك المرء قيمة الشيء اللصيق بحياته، إلا إذا حُرِم منه.

    ولا يعرف المرء عمق المتعة بالقراءة، إلا إذا حُرِم منها لمدة طويلة، بحيث يجدُ نفسهُ يتحرّق إلى كتاب يُعاقره، ولو لساعة، أو بعضَ ساعة.

    ولكن من الظلم أن نُعمّم أمر القراءة هذا. هناك الكثيرون ممن ليس للكتاب دورٌ في حياتهم، فلا يخشون الحرمان منه، لأن القراءة لا تُعطيهم تلك المتعة التي تُشفي الغليل وتُثيره معاً، أشبه بمتعة إدمان هو حقاً إدمانٌ حلال.

    هؤلاء أُناس قد يكونون راضين عن أنفسهم وعن غفلتهم الفكرية، غير أنني أعجبُ لأمرهم، وأحزن لهم: أعجبُ لأمرهم حين أجد أن سنوات الدراسة الطويلة لم تفلح في زرع هذه الشهوة النبيلة في أنفسهم، وأحزن لهم لأنهم يعيشون وهم في عَوّزٍ ذهني وعاطفي قد لا يعونه، ولكنه يُفقر حياتهم ويجردهم من لذة أساسية من لذات البقاء.

    فإذا كنت أعجب وأحزن لمن لا يعرف متعة القراءة، فإنني أشعر أن الكتابة شأنها شأنٌ آخر، لا يُشبه القراءة ولكنه يصبُّ في النهاية فيها فالمبتلى بعشق الكتابة كمن اُبتلي بجوعٍ جحيميّ، ولكنها إذا ما تحققت، فهي الوليمة التي دونها كل الولائم – وليمة الخلق والخيال، وليمة الحس والعقل، وليمة الوحي والنشوة، ولا يخرجُ المرءُ منها إلا مضطراً، وكأنه يخرج من عوالم الوهج والإثارة والمستحيل، ليعود إلى عالمٍ عاديٌ جداً، باهت اللون، يبحث عن السحر الذي لن يلقاه على أشده إلا حين تعاوده حمى الكتابة، وتستبدُ به بعذابها، وعذوبتها، من جديد.

    وقد اختار الروائي والشاعر اليوناني نيكوس كازانتزاكيس، في كتابه "ترحال"، أن يُسميّ الكتابة "النَمِرة، رفيقتي أينما ذهبت"، وصوّر صراعه معها، غالباً أو مغلوباً، وكأنه صراع العشق، وهي تتحداه "وتحتضن جمجمته، وتنشب مخالبها في دماغه". فيقول: "يا له من فرح عظيم يا إلهي، أن أحيا وأرى هذه النَمِرة الرائعة وألاعبها وأجد أنني ما عدت خائفاً منها!".

    الكلمة والقلق المستمر!:

    بعد كل كتابة أُنجزها، يتجدد شعوري بالهمّ الذي أحمله لكتابات أُخرى تنتظرني، بل تلحّ عليّ.

    ما أحسستُ يوماً، وأنا أنفِضُ يدي من عملٍ إبداعيّ، بذلك الرضا النهائي الذي يوحي إليّ بأنني والحمد لله فرغت، وارتحت! فكل عملٍ انتهي منه يبدو وكأنه منطلق لعمل لاحق، أو أنه ينزاح ليفسح الطريق لعملٍ قادم.

    لا أُنكر أنني أُسائل نفسي أحياناً، بعد هذه المسيرة الطويلة، ألم أقل ما فيه الكفاية؟ ألم أُعبّر عن وجهات (ولا أقول وجهة) نظري في الحياة، في الفن، في الرواية، في الشعر؟

    وأراني أُراوغ في الإجابة، عن ضرورة فكريّة، وضرورة نفسيّةٍ معاً لعلّني "اقتربت" من التعبير عن بعض وجهات النظر عندي، غير أن الاقتراب لا يكفي فالاقتراب ليس هو الوصول، وإن يكن يعني السير نحو تلك النقطة التي قد يشعر المرء بأنها تُعيّن المكان الذي يحق له فيه أن يضع عصا الترحال. والضرورة النفسية، إذا كان للجسد أن يبقى مُستجيباً، وإذا كان للفكر أن يبقى متوقداً، تقتضي عدم الوصول. لأن الأفق النهائي لن يكون إلا العدم. هل قلت إذن (من وجهة نظري بالطبع) كل ما أردت يوماً، منذ صباي، أن أقوله عبر الكلمات؟ قطعاً، لا.

    عشقٌ، ولكن من نوعٍ آخر:

    إذا كانت طفرة الإنسان النوعيّة الأولى في اتجاه الحضارة هي اختراع الكتابة، على الطين أو على ورق البردي، فإن طفرته النوعيّة الثانية كانت اختراع الكتاب المطبوع بشكله الحالي. فقد قضى الكتاب على احتكار القلّة للمعرفة، ويسرها لكل فرد من أفراد المجتمع، وفتح آفاق الدنيا أمام كل ذهن. حتى بات في مقدور الإنسان أن يرقى بعلمه عن طريق الكتاب إلى مصاف من كان يعتبرهم، في عصوره البدائية، القوى التي تتحكم بمصيره.

    ولكننا، وقد غدا الكتاب في حياتنا اليومية بأهمية الماء والهواء والغذاء، جعلنا نأخذه كأمر مُسلّم به، فننسى خطورته، وكثيراً ما نغفل عنه، كما لو أننا نغفل عن الهواء الذي نتنفس.

    كثيراً ما يُبادرني زائر في داري مُحاطاً بالكتب، فيسألني بشيء من الدهشة: "هل قرأت هذه الكتب كلها؟!" وقد تعلمت مع الزمن أن أُجيب:"لقد اطلعتُ عليها كلها". فالكتاب ضرب من العشق، والعشق الواحد هنا يُنافس العشق الآخر، مطالباً بوقتك وعنايتك. ولكن رد فعل العاشق مع الكتاب يتخذ أشكالاً متفاوتة، والمرء يتذكر مقولة فرنسيس بيكون المشهورة: بعضُ الكتب وُجد لكيما يُذاق، وبعضهما لكيما يُبتلع، والبعض القليل لكيما يُمضغ ويُهضم – ليتمثله المرء في كيانه إلى الأبد.

    وأذكر ما قاله تي. إي. لورنس عن أيام تلمذته وهو طالب في أكسفورد، من أن مكتبة كليته كانت تحوي قرابة مئة ألف كتاب، وفي ثلاث سنوات من الدراسة "تعرّف عليها جميعاً". هذا "التعرّف" على الكتاب هو أساس الكثير من المعرفة، وهو الذي يدلّنا على الاتجاه الذي علينا أن نسير فيه كلما طلبنا المزيد من أي علم أو فكر أو أدب. لنا أن نذوق الكتاب؛ أو نبتلع بعضه، أو نمضغه ونهضمه على رِسلنا – وفي كل الأحوال نحن إنما نعيش عشقاً لعله وحده، من دون ضروب العشق، لا تكتفي منه النفس، ولا يملّه العقل أو الحس.

    لربما كان من حُسن حظي أنني نشأت في بيت ليس فيه إلا بضعة كتب حصلنا عليها ونحن صغار بشق النفس والادخار الصعب. فلما دخلت الحياة الجامعية في إنكلترا، وأنا مُبتلى بعشق الكتاب، كان عليّ أن اشتري الكتب بالجملة، بالعشرات، فأقع من أجلها في مآزق مالية. وفي بحر سنوات قلائل، وجدتني محاطاً بكتب اخترتها جميعاً بنفسي واحداً واحداً، أنقلها قبل ثيابي أينما ذهبت برضا وحماس، مع أنها أثقلُ متاع ينقله الإنسان في ترحاله. ولها الحق في أن تكون كذلك: أليست هي التي تحمل خلاصة حكمة الإنسان، تاريخه، تطلعاته، تباريحه، وجوهر كينونته؟

    كلّما أُقيم معرض للكتاب، تمنيت لو أن هناك معارض دائمة للكتب، وليس معارض تُقام لمجرد أسبوعين أو ثلاثة، وأنا أعلم أن المعرض من طبيعته أن يكون مناسبة حولية، ومحددة بزمن قصير، كي تبقى الإثارة في أقصاها، والإقبال على أحرّه. غير أن الرغبة في التنقيب والتقليب بين الكتب وهي في أكداس وتنويع، وقد اختلط حديثها في قديمها، زاهيها في قاتمها، نادرها في مألوفها، رغبة لا يسهل إرضاؤها في أيام، وهي الرغبة التي كانت تجد متنفساً لها على امتداد السنة حين كانت هناك أسواق تُكدّس فيها الكتب المستعملة والمخزونة منذ القدم على مصاطب تمتد مع دكاكين الورّاقين.

    كانت سوق السراي ببغداد "مرتعاً" جميلاً من هذا الطراز في يومٍ مضى، وكذلك كانت أسواقٌ مثلها في مدن العالم الكبرى.

    قد أُبالغ أحياناً، إذ أتحدث إلى صديق ونحن نتأمل كُتبيّ، فأقول إن الذي منها "خرج ولم يعد"، قد لا يقلّ عنها عدداً، كل من جمعّ كُتباً يعرِفُ القول الشهير: "غبيٌّ من يُعيرُ كتاباً، وأغبى منه من يُعيدُ الكتاب المُعار". وقد رأيتُ أُناساً وضعوا هذا القول شعاراً في مكتباتهم، لكي يؤكدوا رفضهم إعارة كتبهم. غير أنني منذ بداية حياتي الفكرية لم يُقنعني هذا القول. وكنتُ أُعير كُتبيّ لكل من يطلبها، عملاً بمبدأ شيوع المعرفة، على أن أُذكره بضرورة إعادتها، وكل مرة أفعلُ ذلك، وترى زوجتي الزائر يخرج متأبطاً كتاباً أو اثنين أو أكثر، تقول: "لن تتعلّم! أتظن أن هذه الكتب ستُعاد؟" وتهزُ رأسها يأساً من عدم قدرتي على التعلّم من التجربة المرة. فمقابل كل واحد أعاد الكتاب الذي استعاره، هناك عشرة لم يُعيدوا ما استعاروه، وتتكرر قصتيّ معهم.

    الترجمة والنهضة العربية الحديثة:

    قلت يوماً "إن الترجمة لغة قبل كل شيء. ولكنها قبل ذلك حُبّ، إذا كان للترجمة أن تكون أمراً إبداعياً. فإن المترجم يجب أن يستجيب لما يُترجم بعمق ويُعامله كأنه نص كتبه هو، وعليه الآن أن يسكبه في لغته. وإذا انعدم الحب في ذلك، فإنه لن يستدر من قدرته إلا الأقل الميكانيكي. إذا لم يُترجم المرء ليُفاخر بالنتيجة النهائية، فخيرٌ له أن ينصرف عن هذا العمل. ولكن مهما تكن معرفة المترجم باللغة المُترجم عنها عميقة، وهذا شرطٌ أساسي، فإن معرفته للغته يجب أن تكونَ أعمق...

    وهنا أذكر ما قاله لويس ماسنيون، وهو يحاول سنة بعد سنة من عمر طويل قضاه في دراسة الحلاّج، من أنه أراد أن يسمع صوت الحلاّج العربي من خلال ما كان يُترجم من قصائده إلى الفرنسية. فهو في عشقه للحلاّج، وتوحده معه، كان يهمه أن يأتيه صوت الحلاّج نفسه عبر ما يقول ماسينيون إنه لغة فرنسية "سوقية، استهلكتها أغراض البيع والشراء".

    وهل لي أن أقول إنني كذلك، في ما جهدت في ما نقلته عن شكسبير، كان يهمني دوماً أن أسمع شكسبير نفسه من خلال ترجمتي العربية لكلام هاملت والملك لير وعطيل وفيولا... وهذا ولا ريب شأنُ كل مُترجم يستحق التسميّة، مهما يكن النص الذي يتعامل معه، حيثُ يبقى الحب في الأساس من جهده اللغوي الإبداعي.

    ولكنني أعرف أيضاً أن كون الترجمة حباً لا يكفي بالنسبة لما نريد له أن يتحقق لدينا من حضارة وتقدم. علينا أن نجعل من الترجمة واجباً نجهد به لنقل شتى المعارف والعلوم، وليس الأدب فقط. علينا أن نُنسق هذه العملية الرائعة على نطاق فسيح يحتوي الفلسفة والطب والفيزياء والرياضيات والحاسوب، إلى آخر القائمة العلمية. وهذا كله وارد ومهم، ويجب أن نُقبل عليه بعقلانية وتنظيم، لأنه يتصل بكياننا كأمة تريد الحفاظ على استقلالها وحريتها وتمايزها.

    نقائض: رُعب الهاوية:

    مهما دعا الناقد الحديث إلى فصل النص عن كاتبه، كفصل الرقصِ عن الراقص. فإنه حين يُعيد النظر في شعر بدر شاكر السيّاب، يجد أن هذه القاعدة تتمرد عليه، إذ يصعُب عليه أن يفصل الشعر عن الشاعر، بل إنه يظلم كليهما إن فعل. فمهما يجد الناقد في شعر بدر من مجال موضوعيّ للتأمل في الوضع الإنسانيّ، والحالة البشرية، ومن رموز لمآسيّ العصر، فإن حياة هذا الشاعر تبقى في أصدائها تلّح على شعره بحضور عنيف ومُقلق قد لا نعرف مثله إلا في قلة من شعراء الحضارات جميعاً.

    حياة بدر شاكر السيّاب، بجزئياتها وتفصيلاتها، تبقى سراً كامناً في السحر الذي يشعّ من صوره ورموزه، لأن الشعر لديه هو اتحاد العرض والجوهر، هو الأنا والأنتَ معاً، هو الفرد والجمع دوماً.

    هناك نوعاً آخر من نقائض الفن الأساسية، انتبه إليها الإنسان منذ أقدم الأزمان، ووجد فيها قوة دفع للخيال أنّى كانت وجهته، وللمتعة والكشف الحاصلين تبعاً لذلك. قالت العرب: "أعذب الشعر أكذبه"، وقال شكسبير في أكثر من مسرحية ما يكاد يكون ترجمة لهذا القول بالذات، غير أن الكذب في الكتابة لم يقترن فقط بالعذوبة، بل رأى فيه البعض وسيلة من وسائل البحث عن الصدق بمعنى إنسانيٌّ عميق. نقيضتان أُخريان هما في الأساس من الفن الروائي، لولاهما لما استمعنا إلى حكايات ألف ليلة وليلة، ولما أدهشتنا مغامرات السندباد...

    كاتبٌ من أحب الكُتّاب إلى نفسي جابه هذا الموضوع قبل ألف وسبعمئة سنة، وبكثير من الدعابة والذكاء: لوقيان الشمشاطي. لعله أول من كتب قصد سندبادية بالصيغة التي حددتها نهائياً المُخيّلة العربية بعده بحوالي ألف سنة، في حكاية مغامرات بحرية سماها "القصة الحقيقية". وتناقضاً مع العنوان كتب لها مقدمة عن الكذب في الكتابة. وضّح فيها موقفه بصراحته اللاذعة، الضاحكة، متحدثاً عن أكثر من كاتب ورحّالة ممكن تكلموا عن عجائب ما رأوا وما خبروا في أقاليم الدنيا، ونحن نعلم أنهم، على غير ما يزعمون باستمرار، إنما يختلقون ويشطّون في مراكب الخيال، ونحن مع ذلك نستمتع بما نقرأ لهم.

    لوقيان يعرف أن للحقيقة ألف وجه، وثمة ألف طريق إليها. إحدى هذه الطرق هي بالضبط الطريق التي هي عكس ما نتوقع، طريق الكذب: ذلك الكذب الذي هو "من النوع المتماسك" الذي قد نُسميه "بالفن"، كأن الفن، بِطُعمٍ من الكذب يصيد سمكة من الحقيقة. وهذه المفارقة من مستلزمات الكثير من إبداعات البشرية، منذ أن أبدى أحدهم في أولى الحضارات فجعل الذئب يُخاطب الحَمَل، والفأر يُخاطب الأسد، والثعلب يضحك على الغراب، ليستخلص حكمة يهتدي بها الإنسان.

    أحفادنا... أكباد أكبادنا، وأكثر:

    من أجمل المصادفات في حياتي في الأسابيع القليلة الأخيرة، أن صدر كتابي "البئر الأولى" في الأيام التي رُزِقَ فيها ابني الأصغر بطفل سماه سرمد، فغدوتُ جداً للمرة الثانية – وكنت قد بلغت تلك المرتبة المتميزة للمرة الأولى قبل حوالي سبع سنوات، عندما رُزِقَ ابني الأكبر بطفلة سماها ديما. وأنا ما فكرتُ في كتابة "البئر الأولى" إلا بعد أن ملأت ديما علينا الحياة مجدداً، وشعرتُ أنني يجب أن أدون لها بعضاً من ذكريات طفولتي لتقرأها عندما تكبر، فتقيم لها صلة نفسية وذهنية مع فترة مضت ولن تعرفها إلا إذا وضعتُ لتلك الفترة صورة لن ينال من خطوطها وألوانها مرّ الزمن: وهي الصورة التي ترسمها الكلمة المكتوبة.

    وهكذا تداركت الأمر، ورحتُ أجمعُ شتات ذاكرتي، مُسترجعاً مذاق تلك المياه التي كنت أجمعها في بئري الأولى، فتروي ظمأي بين الحين والحين، وتُنعشني. فلما رُزِقتُ بحفيدي الثاني، كان لي ما أهديه إليه، بقدر ما أهديه إلى حفيدتي: نبعٌ سوف يُقارنه إذ يكبر بما يشربُ هو من ينابيع، ولعلّهُ يسترفدُ شيئاً من مياهه.

    وكان قد أهداني قبل مدة الصديق، الكاتب الروائي غازي العبادي، روايته الجديدة، وإذ عنوانها "ما يتركه الأحفاد للأجداد". ولم تغب عليّ المفارقة الذكية التي أرادها الكاتب، حين قلب الأمرُ على القارئ، ولم يقل ما يقوله الآخرون عادة: "ما يتركه الأجداد للأحفاد".

    وبعد قراءة الرواية الممتعة، أردتُ أن أرى ما الذي قد يتركه الأحفادُ ليّ، ووجدتُ أن الكثير مُتاحٌ وممكن، منذ هذه اللحظة. فما دمتُ في قيد الحياة، وقد رأيت امتدادها وروعتها في تكرار نفسها مجددة في كل حفيد، إن الحفيد يُعطيني المزيد من الحياة: إنه يجددها ويعمقها، ويكشف لي أيضاً عن بعض مما خفي من معانيها.

    رائع هو الحفيد منذ أيامه الأولى. فهو منذ أول صرخة يُطلقها يجعلك تنتبه إلى أنك لست الديناصور الذي تظن. فهذا الوافدُ البديع الصورة والتكوين، هذا الرقيق رقة الوردة الندية، يستخرج منك فجأة نضارة في الحس والعاطفة، وعزماً على متابعة الأيام. لكنت لولاهما فعلاً في عِداد الديناصور.

    أحفادنا ليسوا فقط أكباد أكبادنا: إنهم بروعتهم وحيويتهم الواهبون لنا تلك الحصانة العزيزة – الحصانة ضد الانقراض.

    كلمةُ أبٍ لولده: قابل الظلام بفيضٍ من نور:

    لا أُنكر عليك يا بني أنني كلما تأملت ما في هذا العالم الفسيح من تناقضات وصعابٍ متزايدة، قلقتُ على مصيرك، وأخذتُ أتساءل عمّا ينتظرك في مستقبلك من جهدٍ وصبر، من مقاومة وبراعة، ستحتاجُ إليها جميعاً لكي تعيش أيامك في شيء من الطمأنينة.

    كان آباؤنا فيما مضى لا يقلقون (أو هكذا كنا نراهم): يولد لهم الأطفال واحداً تلو الآخر، فيفرحون ويقولون "يأتي الطفل ويأتي رزقه معه"، أما نحن، فقد عرفنا الصعاب، وعرفنا العسر، وعرفنا القلق، وكلمّا منّ الله علينا بطفل فرحنا به، وجعلنا نتساءل تُرى هل تقسو عليه الأيام والشدائد، كما عهدناها، أم أنه سيتمكن بالدرس، بإعمال الفكر، بالتعاون مع الآخرين من التغلب على كل ما يقسو عليه، أو ينال من همته؟

    إنك ستجد أن في هذا العالم شراً كثيراً يجب أن نُقابله بحزمٍ بالغ – وكذلك بقلبٍ كبير قادرٌ على الحب. الحبُ مهما أظلمت سُبُل الحياة، هو السرُّ الوحيد في القدرة على الصمود والتخطي. أحب أهلك، أحب أمتك، أحب وطنك: فهذا الثلاثي من الحب هو أول ما يجب أن يملأ قلبك. وبغيره لن تجد قوة في مجابهة الدنيا.

    عليك أن تُقابل الكلام بفيضٍ من نور. لا يكفي أن تقول أن الجحيم هو الآخرون: فالجحيم قد يكون فينا نحنُ أيضاً، وعلينا أن نخلص منه ما استطعنا، لنكون إزاء الآخرين حامليّ وعدٍ بالخير والخلاص.

    لن تجد ذلك سهلاً، بالطبع. السهل هو أن يكون المرء سليماً، مستسلماً، والنتيجة هي الخذلان والخيبة. فلا تبحث دائماً عمّا هو سهل: عليك دائماً بمجابهة الصعب بإصرار، وأمل. ستجد أن التحديات في حياتك كثيرة، ولا بد أن تستجيب للتحديات بصلابة وثقة. على أن تحافظ دائماً على نقاوة جوهرك، على الإيمان بنفسك، بأهلك، بأمتك ووطنك، على الحب الذي تملأ به قلبك في مواجهة كل ما يتحداك.

    الحياة هبة هائلة، فاجعلها نشوة لك ولا تفسد جمالها على الآخرين. ولسوف يُفرحني أن تؤمن بإمكانية السعادة لجيلك كله، بما تُبديه من فكر، وتأتيه من عمل، وتساهم فيه من بناء. في ذلك وحده كرامة الإنسان: وكرامتك أنت هي من كرامة أخيك.

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:285
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:61
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك