• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 04-12-2017
  • المؤلف: صفي الرحمن المباركفوري
  • الناشر: الوفاء
  • عدد الصفحات:425
  • عدد الاستماع للحلقة: 53
  • هجرة النبي صلى الله عليه وسلم: نزل جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بوحيّ من ربه فأخبره بمؤامرة قريش، وأن الله قد أذن له في الخروج، وحدد له وقت الهجرة، وبيّن له خطة الرد على قريش: فقال لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه. وكان ..
    04
    ديسمبر
  • 107: الرحيق المختوم - الجزء الثاني
  • كتب في: 04-12-2017
  • المؤلف: صفي الرحمن المباركفوري
  • الناشر: الوفاء
  • عدد الصفحات:425
  • هجرة النبي صلى الله عليه وسلم: نزل جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بوحيّ من ربه فأخبره بمؤامرة قريش، وأن الله قد أذن له في الخروج، وحدد له وقت الهجرة، وبيّن له خطة الرد على قريش: فقال لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه. وكان من عادة رسول الله أن ينام في أوائل الليل بعد صلاة العشاء، ويخرج بعد نصف الليل إلى المسجد الحرام، يُصلي فيه قيام الليل، فأمر عليّاً رضي الله عنه تلك الليلة أن يضطجع على فراشه، ويتسجى ببرده الحضرمي الأخضر، وأخبره أنه لا يُصيبه مكروه. وقد فشلت قريش في خطتهم فشلاً ذريعاً مع غاية التيقظ والتنبه؛ إذ خرج رسول الله من البيت، واخترق صفوفهم، وأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذره على رؤوسهم، وقد أخذ الله أبصارهم عنه فلا يرونه، وهو يتلو: (وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن

    هجرة النبي صلى الله عليه وسلم: نزل جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بوحيّ من ربه فأخبره بمؤامرة قريش، وأن الله قد أذن له في الخروج، وحدد له وقت الهجرة، وبيّن له خطة الرد على قريش: فقال لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه.

    وكان من عادة رسول الله أن ينام في أوائل الليل بعد صلاة العشاء، ويخرج بعد نصف الليل إلى المسجد الحرام، يُصلي فيه قيام الليل، فأمر عليّاً رضي الله عنه تلك الليلة أن يضطجع على فراشه، ويتسجى ببرده الحضرمي الأخضر، وأخبره أنه لا يُصيبه مكروه.

    وقد فشلت قريش في خطتهم فشلاً ذريعاً مع غاية التيقظ والتنبه؛ إذ خرج رسول الله من البيت، واخترق صفوفهم، وأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذره على رؤوسهم، وقد أخذ الله أبصارهم عنه فلا يرونه، وهو يتلو: (وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يُبصرون)، ومضى إلى بيت أبي بكر فخرجا ليلاً حتى لحقا بغار ثور في اتجاه اليمن.

    إذ هما في الغار: ولما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: والله لا تدخله حتى أدخله قبلك، فإن كان فيه شيء أصابني دونك، فدخل فكسحه، ووجد في جانبه ثقباً فشق إزاره وسدها به، وبقي منها اثنان فألقمهما رجليه، ثم قال لرسول الله: ادخل، فدخل رسول الله، ووضع رأسه في حجره ونام، فَلُدِغَ أبو بكر في رجله من الجحر، ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسقطت دموعه على وجه رسول الله، فقال: "ما لك يا أبا بكر؟" قال: لُدغت، فِداك أبي وأمي، فتفل رسول الله، فذهب ما يجده. وكمنا في الغار ثلاث ليال، وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت عندهما. فيدلج من عندهما بِسَحَر فيُصبح مع قريش بمكة، فلا يسمع أمراً يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبره حين يختلط الظلام.

    في الطريق إلى المدينة: وحين خمدت نار الطلب، وتوقفت أعمال دوريات التفتيش، تهيأ رسول الله وصاحبه للخروج إلى المدينة.

    وهناك بعض ما وقع في الطريق:

    1. كان من دأب أبي بكر رضي الله عنه أنه كان ردفاً للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان شيخاً يعرف، ونبي الله شاب لا يعرف، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني الطريق، فيحسب الحاسب أنه يعني به الطريق، وإنما يعني سبيل الخير.

    2. وفي اليوم الثاني أو الثالث مر بخيمتي أم معبد الخزاعية، وكانت أم معبد امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء الخيمة، ثم تُطعم وتسقي من مرّ بها، فسألاها: هل عندها من شيء؟ فقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم، القِرى والشاء عازب، وكانت سنة شهباء.

    فنظر رسول الله إلى شاة في كسر الخيمة، فقال: "ما هذه الشاة يا أم معبد؟" قالت: شاة خلّفها الجهد عن الغنم، فقال: "هل بها من لبن؟" قالت: هي أجهدُ من ذلك. فقال: "أتأذنين لي أن أحلبها؟" فقالت: نعم بأبي وأمي إن رأيت بها حلباً فاحلبها. فمسح رسول الله بيده ضرعها، وسمى الله ودعا، فتفاجّت عليه ودرّت، فدعا بإناء لها يربض الرهط، فحلب فيه حتى علته الرغوة، فسقاها، فشربت حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شَرِب، وحلب ثانياً، حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها فارتحلوا.

    3. وفي الطريق لقي النبي صلى الله عليه وسلم الزبير، وهو في ركب من المسلمين، كانوا تُجاراً قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله وأبا بكر ثياباً بيضاً.

    وفي يوم الاثنين 8 ربيع الأول سنة 14 من النبوة وهي السنة الأولى من الهجرة نزل رسول الله بقباء. وأقام بها أربعة أيام أسس فيها مسجد قباء وصلّى فيه، فلما كان اليوم الخامس ركب بأمر الله له وأبو بكر ردفه، وأرسل إلى بني النجار أخواله فجاءوا متقلدين سيوفهم، فسار نحو المدينة وهم حوله.

    وبعد أيام وصلت زوجته سودة، وبنتاه فاطمة وأم كلثوم، وأسامة ابن زيد، وأم أيمن، وخرج معهم عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر ومنهم عائشة، وبقيت زينب عند أبي العاص، لم يُمكّنها من الخروج حتى هاجرت بعد بدر.

    بناء مجتمع جديد:أول خطوة خطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي بناء المسجد النبوي، واختار له المكان الذي بركت فيه ناقته، فاشتراه من غلامين يتيمين كانا يملكانه، وأسهم في بنائه بنفسه، فكان ينقل اللبِن والحجارة.

    ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بجانب قيامه ببناء المسجد مركز التجمّع والتآلف، قام بعمل آخر من أروع ما يأثره التاريخ، وهو عمل المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار. ومعنى هذا الإخاء أن تذوب عصبيات الجاهلية، وتسقط فوارق النسب واللون والوطن، فلا يكون أساس الولاء والبراء إلا الإسلام.

    وقد امتزجت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة وإسداء الخير في هذه الأخوة، وملأت المجتمع الجديد بأروع الأمثلة.

    معاهدة مع اليهود: بعد أن أرسى رسول الله قواعد مجتمع جديد وأمة إسلامية جديدة، بدأ بتنظيم علاقاته مع غير المسلمين، وكان قصده بذلك توفير الأمن والسلام والخير للبشرية جمعاء. وأقرب من كان يُجاور المدينة من غير المسلمين هم اليهود، وهم وإن كانوا يُبطنون العداوة للمسلمين، لكن لم يكونوا أظهروا أية مقاومة أو خصومة بعد، فعقد معهم رسول الله معاهدة قرر لهم فيها النصح والخير، وترك لهم فيها مطلق الحرية في الدين والمال. ولم يتجه إلى سياسة الإبعاد أو المصادرة والخصام.

    غزوة بد الكبرى، أول معركة من معارك الإسلام الفاصلة:

    سبب الغزوة: أن عيراً لقريش أفلتت من النبي صلى لله عليه وسلم في ذهابها من مكة إلى الشام، فلما قَرُبَ رجوعها من الشام إلى مكة بعث عليه الصلاة والسلام طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد إلى الشمال ليقوما باكتشاف خبرها، فوصلا إلى الحوراء ومكثا حتى مر بهما أبو سفيان بالعير، وكانت العير تحمل ثروات طائلة لكبار أهل مكة ورؤسائها، ولم يكن معها من الحرس إلا نحو أربعين رجلاً. لذلك أعلن رسول الله في المسلمين قائلاً: "هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها".

    مبلغ قوة الجيش الإسلامي وتوزيع القيادات:استعد رسول الله للخروج ومعه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً. ولم يحتفلوا لهذا الخروج احتفالاً بليغاً، ولا اتخذوا أهبتهم كاملة، فلم يكن معهم إلا فرس أو فرسان، وسبعون بعيراً.

    سار رسول الله في هذا الجيش غير المتأهب، فخرج من نقب المدينة، ومضى على الطريق الرئيسي المؤدي إلى مكة، حتى بلغ بئر الروحاء، فلما ارتحل منها ترك طريق مكة إلى اليسار، وانحرف ذات اليمين يريد بدراً.

    وأما خبر العير فإن أبا سفيان كان على غاية من الحيطة والحذر، فقد كان يعلم أن طريق مكة محفوف بالأخطار، وكان يتحسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان، ولم يلبث أن نقلت إليه استخباراته بأن محمداً قد استنفر أصحابه ليوقع بالعير، وحينئذ استأجر أبو سفيان ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة مُستصرخاً لقريش بالنفير إلى عيرهم؛ ليمنعوه من محمدٍ وأصحابه.

    فتحفز الناس سراعاً، فلم يتخلف من أشرافهم أحد سوى أبي لهب، فإنه عوض عنه رجلاً كان له عليه دين، وحشدوا من حولهم من قبائل العرب. فكان قوام هذا الجيش نحو ألف وثلاثمائة مقاتل في بداية سيره، وكان معه مائة فرس وستمائة درع وجِمَالٌ كثيرة وكان قائده العام أبا جهل ابن هشام.

    موقف الجيش الإسلامي في ضيقٍ وحرج: أما استخبارات المدينة فقد نقلت إلى رسول الله – وهو لا يزال في الطريق بوادي ذفران – خبر العير والنفير، وتأكد له بعد التدبر في تلك الأخبار أنه لم يبق مجال لاجتناب اللقاء الدامي، وأنه لا بد من إقدام يُبنى على الشجاعة والجسارة.

    ونظراً إلى هذا التطور الخطير المفاجئ عقد رسول الله مجلساً عسكرياً استشارياً، أشار فيه إلى الوضع الراهن، تبادل فيه الرأي مع عامة جيشه وقادته. وحينئذ تزعزع قلوب فريق من الناس، وخافوا اللقاء الدامي، وهم الذين قال الله فيهم: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون "5" يُجادلونك في الحقِ بعد ما تبيّن كأنما يُساقون إلى الموت وهم ينظرون). وأما قادة الجيش فقام أبو بكر فقال وأحسن، ثم قام عمر فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال يا رسول الله، امض لما أراك الله، فنحنُ معك. فقال عليه الصلاة والسلام بعد سماع كلام هؤلاء القادة الثلاثة: "أشيروا عليّ أيها الناس" وإنما يريد الأنصار، وفطن إلى ذلك قائد الأنصار، سعد بن معاذ.

    فقال: والله، ولكأنك تريدنا يا رسول الله؟

    قال: "أجل".

    قال: فقد آمنا بك، فصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منّا رجلٌ واحد... ولعل الله يريك منا ما تُقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله.

    عبأ رسول الله جيشه ومشى في موضع المعركة وجعل يُشير بيده: "هذا مصرع فلان غداً إن شاء الله، وهذا مصرع فلان غداً إن شاء الله".

    ولما تراءى الجمعان قال رسول الله: "اللهم هذه قريش قد أقبلت بِخُيلائها وفخرها تُحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني...".

    انتهت المعركة بهزيمة ساحقة للمشركين، وبفتحٍ مبين للمسلمين، ولما انقضت الحرب أقبل رسول الله حتى وقف على القتلى فقال: "بئس العشيرة كنتم لنبيكم؛ كذبتموني وصدقني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس". ثم أمر بهم فسحبوا إلى قليب بدر.

    غزوة أحد: كانت مكة تحترق غيظاً على المسلمين مما أصابها في معركة بدر من مأساة الهزيمة، وقتل الصناديد الأشراف.

    وعلى أثر غزوة بدر اتفقت قريش على أن تقوم بحربٍ شاملة ضد المسلمين تشفي غيظها، وأخذت في الاستعداد للخوض في مثل هذه المعركة. ولما استدارت السنة كانت مكة قد استكملت عدتها، واجتمع إليها من المشركين ثلاثة آلاف مقاتل من قريش والحلفاء والأحابيش.

    الاستخبارات النبوية تكشف حركة العدو: كان العباس بن عبد المطلب يرقب حركات قريش واستعداداتها العسكرية، فلما تحرك هذا الجيش بعث العباس رسالة مستعجلة إلى النبي عليه الصلاة والسلام ضمنها جميع تفاصيل الجيش.

    ونقلت استخبارات المدينة أخبار جيش مكة خبراً بعد خبر حتى الخبر الأخير عن معسكره، وحينئذ عقد رسول الله مجلساً استشارياً عسكرياً، تبادل فيه الرأي لاختيار الموقف، وأخبرهم عن رؤيا رآها، قال: "إني قد رأيت والله خيراً، رأيتُ بقراً يُذبح، ورأيت في ذُباب سيفي ثُلماً، ورأيتُ أني أدخلتُ يدي في درع حصينة". وتأول البقر بنفرٍ من أصحابه يُقتلون، وتأول الثلمة في سيفه برجلٍ يُصاب من أهل بيته، وتأول الدرع بالمدينة.

    الحكم والغايات المحمودة في هذه الغزوة: قال ابن حجر: قال العلماء: وكان في قصة أحد وما أُصيب به المسلمون فيها من الفوائد والحكم الربانية أشياء عظيمة، منها تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية، وشؤم ارتكاب النهي؛ لما وقع من ترك الرماة موقفهم الذي أمرهم الرسول ألا يبرحوا منه.

    ومنها أن عادة الرسل أن تُبتلى وتكون لها العاقبة، والحكمة في ذلك أنهم لو انتصروا دائماً دخل في المؤمنين من ليس منهم، ولم يتميز الصادق من غيره. ولو انكسروا دائماً لم يحصل المقصود من البعثة، فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين لتمييز الصادق من الكاذب.

    وذلك أن نفاق المنافقين كان مخفياً عن المسلمين، فلما جرت هذه القصة، وأظهر أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول عاد التلويح تصريحاً، وعرف المسلمون أن لهم عدواً في دورهم، فاستعدوا لهم وتحرروا منهم.

    عُمرة الحُديبية في ذي القعدة سنة 6هـ: أُريّ رسول الله في المنام، أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام، وأخذ مفتاح الكعبة، وطافوا واعتمروا، وحلّق بعضهم وقصّرَ بعضهم، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا، وحسبوا أنهم داخلوا مكة عامهم ذلك، وأخبر أصحابه أنه معتمر فتجهزوا للسفر.

    تحرّك عليه الصلاة والسلام في اتجاه مكة، فلما كان بذي الحُليفة قلّد الهدي وأشعره، وأحرم بالعمرة، ليأمن الناس حربه، وبعث بين يديه عيناً له من خزاعة يخبره عن قريش، حتى إذا كان قريباً من عُسفان أتاه عينه، فقال: إني تركت كعب بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش، وجمعوا لك جموعا. وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت

    وكانت قريش لما سمعت بخروج النبي صلى الله عليه وسلم عقدت مجلساً استشارياً قررت فيه صد المسلمين عن البيت.

    عثمان بن عفان سفيراً إلى قريش:أراد رسول الله أن يبعث سفيراً يؤكد لقريش موقفه وهدفه من هذا السفر، فأرسل عثمان بن عفان، فانطلق حتى مر على قريش ببلدح، فقالوا: أين تريد؟ فقال: بعثني رسول الله بكذا وكذا، قالوا: قد سمعنا ما تقول، فانفذ لحاجتك، وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص، فرحب به ثم أسرج فرسه، وأجاره وأردفه حتى جاء مكة، وبلغ الرسالة إلى زعماء قريش، فلما فرغ عرضوا عليه أن يطوف بالبيت، فرفض وأبى أن يطوف حتى يطوف رسول الله.

    إشاعة مقتل عثمان وبيعة الرضوان: احتبست قريش عثمان بن عفان عندها حتى يتشاوروا فيما بينهم في الوضع الراهن، ثم يردوه بجواب – وطال الاحتباس، فشاع بين المسلمين أن عثمان قُتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغته لإشاعة: "لا نبرح حتى نناجز القوم"، ثم دعا أصحابه إلى البيعة، وأخذ رسول الله بيد نفسه وقال "هذه عن عثمان" ولما تمت البيعة، ولم يتخلف عن هذه البيعة إلا رجل من المنافقين يقال له: جَدُّ بن قيس. وهذه هي بيعة الرضوان التي أنزل الله فيها: (لقد رضيَّ اللهُ عنِ المؤمنينَ إذ يُبايعونكَ تحت الشجرة).

    إبرام الصلح وبنوده: عرفت قريش ضيق الموقف، فأسرعت إلى بعث سُهيل بن عمرو لعقد الصلح، وأكدت له ألا يكون في الصلح إلا أن يرجع عنا عامه هذا، لا تتحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبداً. ثم اتفقا على قواعد الصلح، وهي:

    1. يرجع الرسول من عامه، فلا يدخل مكة، وإذا كان العام القادم دخلها.

    2. وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين.

    3. من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.

    4. من أتى محمداً من قريش من غير إذن وليه – أي هارباً منه – رده عليهم، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد – أي هارباً منه – لم يرد عليه.

    عُمرة القضاء: لما هلّ ذو القعدة أمر عليه الصلاة والسلام أصحابه أن يعتمروا قضاء عمرتهم، وألا يتخلف منهم أحد شهد الحديبية، فخرجوا إلا من اُستشهد، وخرج معه آخرون معتمرين، فكانت عدتهم ألفين سوى النساء والصبيان.

    وكان رسول الله عند الدخول راكباً على ناقته القصواء، والمسلمون متوشحون السيوف، محدقون برسول الله يلبون.

    وأقام رسول الله بمكة ثلاثاً، فلما أصبح من اليوم الرابع أتوا عليّاً فقالوا: قل لصاحبك: اخرج عنا فقد مضى الأجل، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونزل بِسرِف فأقام بها.

    غزوة فتح مكة:

    سبب الغزوة: قدمنا في وقعة الحديبية أن بنداً من بنود المعاهدة يفيد أن من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.

    وحسب هذا البند دخلت خزاعة في عهد رسول الله، ودخلت بنو بكر في عهد قريش، وصارت كل من القبيلتين في أمن من الأخرى، وقد كانت بين القبيلتين عداوة وتوترات في الجاهلية، فلما جاء الإسلام، ووقعت هذه الهدنة، وأمن كل فريق من الآخر – اغتنمها بنو بكر، وأرادوا أن يُصيبوا من خزاعة الثأر القديم، فخرج نوفل بن معاوية في جماعة من بني بكر في شهر شعبان سنة 8هـ، فأغاروا على خزاعة ليلاً، وهم على ماء يُقال له الوتير، فأصابوا منهم رجالاً، وتناوشوا واقتتلوا، وأعانت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل معهم رجال من قريش مستغلين ظلمة الليل..

    فخرج بُديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأخبروه بمن أصيب منهم، وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم، ثم رجعوا إلى مكة.

    وسرعان ما أحست قريش بغدرها، وشعرت بعواقبه الوخيمة، فعقدت مجلساً استشارياً، وقررت أن تبعث أبا سفيان ممثلاً لها ليقوم بتجديد الصلح.

    وقد أخبر رسول الله أصحابه بما ستفعله قريش إزاء غدرتهم. قال: "كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم ليشد العقد، ويزيد في المدة".

    ولعشر خلون من شهر رمضان سنة 8هـ، غادر رسول الله المدينة متجهاً إلى مكة في عشرة آلاف من الصحابة. ولما كان بالجحفة لقيه عمه العباس بن عبد المطلب، وكان قد خرج بأهله وعياله مسلماً مهاجراً.

    دخل عليه الصلاة والسلام مكة والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله، فأقبل إلى الحجر الأسود، فاستلمه ثم طاف بالبيت، وفي يده قوس، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل يطعنها بالقوس، ويقول: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا).

    وحانت الصلاة فأمر عليه الصلاة والسلام بلالاً أن يصعد فيؤذن على الكعبة.

    ولما كان الغد من يوم الفتح قام رسول الله في الناس خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ومجدّه بما هو أهله، ثم قال: "أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، فلا يحل لأمرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دماً، أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بها لقتال رسول الله فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما حلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب".

    إلى الرفيق الأعلى: ولما تكاملت الدعوة، وسيطر الإسلام على الموقف، أخذت طلائع التوديع للحياة والأحياء تطلعُ من مشاعره صلى الله عليه وسلم، وتتضح بعباراته وأفعاله.

    إنه اعتكف في رمضان من السنة العاشرة عشرين يوماً، بينما كان لا يعتكف إلا عشرة أيام فحسب، وتدارسه جبريل القرآن مرتين، وقال في حجة الوداع: "إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً"، وقال وهو عند جمرة العقبة: "خذوا عني مناسككم، فلعلي لا أحج بعد عامي هذا.

    وفي أوائل صفر سنة 11هـ خرج عليه الصلاة والسلام إلى أُحد، فصلى على الشهداء كالمودع.

    الاحتضار: بدأ الاحتضار فأسندته عائشة رضي الله عنها إليها، وكانت تقول: إن من نِعَم الله عليّ أن رسول الله توفيّ في بيتي وفي يومي وبين سَحْرِي ونَحْرِي، وأن الله قد جمع بين ريقي وريقه عند موته. دخل عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده السواك، وأنا مسندة رسول الله، فرأيته ينظر إليه، وعرفتُ أنه يُحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فتناولته فاشتد عليه، وقلت أُلينهُ لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فليّنته. وفي رواية أنه استنّ به كأحسن ما كان مستناً.

    وما فرغ من السواك حتى رفع يده أو أصبعه، وشخص بصره نحو السقف، وتحركت شفتاه، فأصغت إليه عائشة وهو يقول: "مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى. اللهم الرفيق الأعلى".

    كرر الكلمة الأخيرة ثلاثاً ومالت يده ولحق الرفيق الأعلى. إنا لله وإنا إليه راجعون.

    وقع هذا الحادث حين اشتد الضحى يوم الاثنين 12 ربيع الأول سنة 11هـ، وقد تم له صلى الله عليه وسلم ثلاث وستون سنة وزادت أربعة أيام.

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:54
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:26
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك