• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 17-04-2018
  • المؤلف: ستيفن آر كوفي
  • الناشر: جرير
  • عدد الصفحات:407
  • عدد الاستماع للحلقة: 77
  • إن الغاية من هذا الكتاب هي منحك خريطة طريق سوف تقودك للخرج من ذلك الألم والإحباط إلى الإشباع والأهمية والقيمة والمساهمة الحقيقية في ساحة العالم الجديد. ليس في عملك ومؤسستك فحسب، بل في حياتك كلها أيضاً. باختصار سيقودك الكتاب إلى إيجاد صوتك.
    10
    يناير
  • 108: مهزلة العقل البشري
  • كتب في: 10-01-2018
  • المؤلف: عليّ الوردي
  • الناشر: الورّاق
  • عدد الصفحات:359
  • طبيعة المدنية: كان المفكرون والطوبائيون، ولا يزالون، يمدحون التعاون والتآخي واتفاق الكلمة. وامتلأت مواعظهم بذلك امتلاءً عجيباً وهم قد أجمعوا على هذا الرأي بحيث لم يشذّ فيه منهم أحداً إلا في النادر. ونحنُ لا نُنكر صحة هذا الرأي الذي يقولون به، فاتفاق الكلمة قوّة للجماعة بلا ريب، ولكننا مع ذلك لا نستطيع أن نُنكر ما للاتفاق من أضرار بالمجتمع البشري في الوقت ذاته. إن المجتمع البشري لا يستطيع أن يعيش بالاتفاق وحده، فلا بد أن يكون فيه شيء من التنازع أيضاً لكي يتحرك إلى الأمام. إن الاتفاق يبعث التماسك في المجتمع، ولكنه يبعث فيه الجمود أيضاً. فاتحاد الأفراد يخلق منهم قوة لا يُستهان بها تجاه الجماعات الأخرى، وهو في عين الوقت يجعلهم عاجزين عن التطور أو التكيّف مع الظروف المُستجدة. إن

    طبيعة المدنية:

    كان المفكرون والطوبائيون، ولا يزالون، يمدحون التعاون والتآخي واتفاق الكلمة. وامتلأت مواعظهم بذلك امتلاءً عجيباً وهم قد أجمعوا على هذا الرأي بحيث لم يشذّ فيه منهم أحداً إلا في النادر.

    ونحنُ لا نُنكر صحة هذا الرأي الذي يقولون به، فاتفاق الكلمة قوّة للجماعة بلا ريب، ولكننا مع ذلك لا نستطيع أن نُنكر ما للاتفاق من أضرار بالمجتمع البشري في الوقت ذاته.

    إن المجتمع البشري لا يستطيع أن يعيش بالاتفاق وحده، فلا بد أن يكون فيه شيء من التنازع أيضاً لكي يتحرك إلى الأمام.

    إن الاتفاق يبعث التماسك في المجتمع، ولكنه يبعث فيه الجمود أيضاً. فاتحاد الأفراد يخلق منهم قوة لا يُستهان بها تجاه الجماعات الأخرى، وهو في عين الوقت يجعلهم عاجزين عن التطور أو التكيّف مع الظروف المُستجدة.

    إن التماسك والجمود توأمان يولدان معاً. ومن النادر أن نجد مجتمعاً متماسكاً ومتطوراً في آنٍ واحد.

    وقد أثبتت الأبحاث الاجتماعية أن المجتمعات البدائية التي تؤمن بتقاليد الآباء والأجداد إيماناً قاطعاً فلا تتحول عنها تبقى في ركود وهدوء ولا تستطيع أن تخطو إلى الأمام إلا قليلاً.

    وقد نجد في هذه المجتمعات الراكدة تنازعاً عنيفاً، هذا ولكن تنازعها على أساس شخصي لا يمس التقاليد بشيء. وكثيراً ما يكون تنازعها ناشئاً عن تنافسهم في القيام بتلك التقاليد ومحاولة كل منهم أن يتفوق على أقرانه فيها.

    ومن الجدير بالذكر أن الحركة الاجتماعية لا تخلو من مساوئ رغم محاسنها الظاهرة. فليس هنالك في الكون شيء خيرٌ كله أو شرٌ كله. فالحركة الاجتماعية تُساعد الإنسان على التكيّف من غير شك. ولكنها في عين الوقت تُكلّف المجتمع ثمناً باهظاً. إذ هي مجازفة وتقدم نحو المجهول. إنها تؤدي إلى القلق والتدافع والإسراف في أمورٌ كثيرة.

    يقول توينبي، المؤرخ المعروف، إن الصفة الرئيسية التي تميز المدنية عن الحياة البدائية هي الإبداع، فالحياة البدائية يسودها التقليد بينما الإبداع يسود الحياة المدنية.

    يقول الآثاريون إن المدنية لم تبدأ في التاريخ إلا بعدما اكتشف الإنسان الزراعة. فقد كان الإنسان قبل ذلك يلتقط القوت من الشجر أو يقتنصه على الأرض.

    ومما يجدر ذكره هنا: أن الزراعة تحتاج إلى تدبير خطة وانتظار وادخار. فالزارع يعمل في يومه لغده. وهو مضطر أن يُصلح الأرض ويشق الترع ثم يحرث ويبذر ويحصد... وهذه أمور تحتاج إلى التفكير في الغد والاستعداد له.

    والزارع مضطر كذلك إلى بناء المساكن ودراسة الفلك واختراع الكتابة فالزراعة تدعو إلى الاستقرار في الأرض والاستقرار يؤدي إلى بناء بيت دائم وهي تدعو صاحبها أيضاً إلى مراقبة النجوم والشمس والقمر لكي يضبط مواسم البذر والحصاد، وكل أولئك أمور تدفع به نحو إتقان العلوم والفنون بشتى أنواعها.

    إن الهندسة والحساب والفلك تؤدي آخر الأمر إلى التفلسف، والتفلسف يؤدي بدوره إلى الشك والتساؤل والقلق، ولذا يمكن القول: بأن الإنسان حين ابتكر المدنية دخل في ورطة لا يدري كيف يخرج منها.

    عيب المدينة الفاضلة:

    ألّف أحد الأفاضل من رجال الدين في النجف كتاباً عن "عقائد الشيعة". وقد أرسل لي الناشر نسخة من الكتاب. طالعت الكتاب فاستوقفتني فيه فقرة أود أن أنقلها للقارئ لما فيها من صلة بموضوعنا. يقول المؤلف: "بلى إن المسلمين لو وقفوا لإدراك أيسر خصال الأخوة فيما بينهم وعملوا بها لارتفع الظلم والعدوان من الأرض، ولرأيت البشر إخواناً قد كملت لهم السعادة الاجتماعية، ولتحقق حلم الفلاسفة الأقدمين في المدينة الفاضلة...."

    ذلك كلام رائع جميل، لكن فيه عيبٌ واحد: هو أنه مستحيل لا يمكن تحقيقه بين هؤلاء البشر الذين هم من أبناء آدم وحواء.

    يقول علماء الاجتماع: إن المجتمع البشري لا يمكن أن يخلو من مشكلات. وهذه المشكلات هي رمز حياته وشعار حركته الدائبة. فالمشكلة تُحفزّ الناس على معالجتها. وبهذا ينقسمون ويتصارعون، كل منهم يأخذ في الرأي جانباً يختلف عن الآخرين.

    فيشعرُ الإنسان عند ذلك أنه حيّ وأنه ينمو مع الزمن.

    أما أحلام الطوبائيين في تكوين مجتمع لا مشكلة فيه ولا خِصام، فهي أحلامٌ تصلح لعالم الملائكة ولا تصلح لهذا العالم الذي نعيشُ فيه.

    لقد أدرك أهلُ هذا العصر أن التنازع بين البشر أمرٌ طبيعي لا يمكن إزالته بواسطة الموعظة او الكلام الرنان، ولذا وجدناهم يدعون في نظمهم السياسية والاجتماعية إلى الاعتراف به ويفسحون له مجالاً يفصح عن نفسه ضمن حدود مشروعة.

    ويتضح هذا كل الوضوح في النظام الديموقراطي الذي يسود البلاد الراقية في عصرنا هذا. والديموقراطية في الواقع ما هي إلا نظام يقوم في أساسه على التنازع. فهي تفسح المجال للناس أن ينضموا إلى الأحزاب المتنازعة. ولكنها تضع لهم في عين الوقت قواعد واضحة يتنازعون تبعاً لها. ثم تنتظر لترى أي حزب منهم يفوز بأكثر الأصوات فتقلّده زمام الحكم.

    وإذا فاز أحد الأحزاب بالحكم، جاز للأحزاب الفاشلة أن تُعارض الحكومة وأن تُفنّد سياستها وتشوّه سمعتها كما تشاء.

    والأحزاب المعارضة تسعى وراء الفوز بالأصوات المؤيدة لكي تصل بها إلى الحكم. فالسياسة في المفهوم الديموقراطي الحديث ليست إلا تنافساً على أصوات الناخبين. ولهذا نجد أن كل حزب يحاول أن يفضح خصومه من الأحزاب الأخرى ويظهر معايبها لكي يحصل على رضا الرأي العام بدلاً منها.

    كان القدماء يعتقدون بأن الأكثرية ليست دليلاً على الصواب. وقد دأب بعض الفلاسفة في الماضي إلى احتقار العامة واستهجان رأيهم في الأمور. فهم يعتبرون العامة كالأطفال أولي عقول سخيفة ونفوس مريضة.

    وقد دعى ابن رشد إخوانه إلى اعتزال الناس وتكوين جماعة خاصة بهم بعيدة عن سخافة الغوغاء ودناءاتهم. ويظن ابن رشد أن الفلاسفة حين يُكوِنون مجتمعاً خاصاً بهم يستطيعون به أن يسعدوا وأن يتعاونوا تعاوناً تاماً في سبيل الفكر الخالص، فترتقي البشرية بهم رُقيّاً هائلاً على زعمه.

    نسي ابن رشد أن الفلاسفة لا يختلفون عن غيرهم من الناس في طبيعتهم البشرية. فهم لو اجتمعوا لتنازعوا وتناحروا ولعن بعضهم بعضاً كما يفعل العوام والسوقة تماماً.

    شهد أحد شيوخ العشائر العراقية جلسة من جلسات البرلمان الإنكليزي، فرأى فيها خصاماً شديداً بين نائب من صفوف المعارضة وآخر من صفوف الحكومة. وبعد انتهاء الجلسة ذهب الشيخ المحترم إلى مطعم قريب فوجد النائبين اللذين تخاصما قبل ساعة يأكلان على مائدة واحدة وهما يتضاحكان.

    فهال الشيخ ذلك وقال لدليله الإنكليزي ما معناه: "ويلك. إنها قشمرة وأظن ان نوابكم يتنازعون فيما بينهم ليخدعوكم. إنهما يتعاركون كما تتعارك اللصوص فيما بينهم لكي يسرقوا لحاف الملا نصر الدين".

    فابتسم الإنكليزي ابتسامة ذات مغزى ولم يرد عليه. ولو شاء لرد عليه قائلاً: "هذه هي الديموقراطية".

    فالديموقراطية عادة اجتماعية قبل أن تكون فكرة طوبائية. ونحن نحتاج إلى ممارسة هاتيك التجارب القاسية جيلاً بعد جيل، فنقوم بها ونقع عدة مرات، حتى يتغلغل منطق الديموقراطية في صميم مفاهيمنا وتقاليدنا، وعندئذ نخرج من قوقعتنا الفكرية القديمة إلى عالم واسع يكون فيه التنازع والتعاون صنوين لا يفترقان.

    أنواع التنازع وأسبابه:

    يرى البروفسور كارفر أن التنازع البشري له أنواع أربعة:

    النوع الأول: وهو أوطأ أنواع التنازع وأقربها إلى الطبيعة الحيوانية الأولى. ففيه تكون للقوة البدنية المكان الأول حيث يعتمد الفرد على قوته لتحطيم خصمه أو إيذائه.

    ويأتي من بعد ذلك النوع الثاني الذي يدخل فيه شيء من الرّوية واستخدام الذكاء.

    أما النوع الثالث من التنازع البشري فهو الذي يكاد اليوم يسود العالم المتحضر، ويتخذ أشكالاً متنوعة. فهو بين الأحزاب السياسية يتخذ شكل الحملات الانتخابية والمهرجانات الحزبية. وهو بين الشركات التجارية يتخذ شكل الإعلانات الصارخة والأغلفة الملوّنة. وهو بين أصحاب الدعاوى يتخذ شكل المحاكمات التي يتجادل فيها المحامون. وهو بين الطوائف السياسية والدينية يتخذ شكل المحسوبية والوساطة والمحاباة وما أشبه.

    أما النوع الرابع. فيتمثل في المنافسة العلمية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية على أساس هادئ لا تحاقد فيه ولا تباغض.

    وهناك نوع خامس من أنواع التنازع البشري قد لا يصح أن يُسمى نزاعاً. وهو هذا الذي نرتاح إلى رؤيته ونحن مطمئنون في مقاعدنا. فنحن نشهد المباراة الرياضية ونتحمس لها، ونشعر بأننا داخلون فيها. أو نشهد فيلماً سينمائياً فيه مطاردة ومصارعة أو حرب مريرة فنفرح به. إنه على أي حال نزاع مصطنع يجري ضمن حدود معينة. وفيه يشعر الإنسان من التنفيس والترويح عن النفس.

    والظاهر أن الإنسان مجبول على التنازع في صميم تكوينه فإذا قلّ التنازع الفعلي في محيطه لجأ إلى اصطناع تنازع وهمي ليروّح به عن نفسه.

    إن الحياة الاجتماعية ليست إلا صراعاً متواصلاً بين المصالح الخاصة كما يتصارع التجار والمتنافسون. كل يسعى وراء ذاته. ولكن المجتمع ينتفع من هذا الصراع الجاري وراء المصالح الذاتية، إذ هو يحصل على النتيجة الأخيرة، حيث تنمو بها ثروته العلمية والاقتصادية والسياسية.

    وهذه الثروة التي يحصل عليها المجتمع من جرّاء التنازع بين أفراده وجماعاته تُكلّفه ثمناً باهظاً. ففي سبيلها تزهق الأنفس وتسيل الدماء وتحترق الأفئدة. ومشكلة الحياة أنها لا تعطي شيئاً من غير ثمن، ولا بد دون الشهد من إبرِ النحل كما قال الشاعر القديم.

    قول البروفسور كارفر إن التنازع صفة أساسية في الطبيعة البشرية. حتى التعاون في رأيه ما هو إلا صورة من صور التنازع. فالإنسان يتعاون مع بعض الناس لكي يكون أقدر على التنازع ضد البعض الآخر.

    وكارفر يرجع التنازع البشري إلى سببين ويقول عنهما إنهما طبيعيان في الإنسان، وهما:

    1. استحالة إشباع الحاجات البشرية كلها.

    2. حب الإنسان نفسه وتقديره إياها أكثر مما تستحق في حقيقة أمرها.

    يُخيّلُ لأحدنا أنه سوف يكتفي اكتفاءً تاماً إذا توافرت لديه بضع حاجات معينة. فهو يتصور مثلاً القصر الزاهي والحديقة الغنّاء والزوجة الجميلة والسيارة الفارهة والرزق الموفور فيعتقد أنه سيكون سعيداً بذلك فلا يحتاج إلى شيء آخر وراءه.

    إنه مخطئ، وهو يتوهم ذلك عندما يكون محروماً من تلك الحاجات، ولكنه لا يكاد يفوز بها حتى يسأم منها ويأخذ بالتطلع إلى غيرها.

    ليس في هذه الدنيا شيء يمكن أن يتلذذ به الإنسان تلذذاً مستمراً. فكل لذة مهما كانت عظيمة تتناقص تدريجياً عند تعاطيها. وهذا هو ما يُعرف في علم الاقتصاد الحديث بقانون "المنفعة المتناقصة".

    القوقعة البشرية:

    من طبائع الإنسان المجبول عليها هو أنه يرى في نفسه الفضل والجدارة والأحقية بالنسبة إلى رفاقه وأقرانه، وهذا هو الذي يدعو الإنسان إلى مواصلة الصراخ والاحتجاج أو الطموح إلى ما لا حق له به.

    الإنسان، كما نلاحظه اليوم وكما نلاحظه قبل اليوم على توالي الدهور الماضية، أناني يعيش داخل قوقعته الذاتية، وهو لا يرى الحقيقة إلا من خلال هذه القوقعة المُحصنة.

    إنه يرى نفسه أفضل من أقرانه. فإذا رأى قريناً له ينال بين الناس منزلة أرفع من منزلته، حنق وتألم ونسب إلى الناس الظلم أو العاطفة الخبيثة.

    قد يعترض معترض هنا فيقول: هل تستطيع الثقافة الصحيحة أن تفتح عين الإنسان ليُقدر نفسه حق قدرها فلا يُغالي بها ولا يُباهي بمحاسنها الموهومة؟ لا شك ان الثقافة الصحيحة قد تنفع من هذه الناحية، ولكننا مع ذلك نتساءل ونريد أن نعرف ما هي حدود الثقافة الصحيحة؟ فكثير من الناس يدعون أنهم هم المثقفون وحدهم من بين الناس.

    ويجب أن لا ننسى أن كل طائفة من الناس تعتقد أن ثقافتها هي الصحيحة وان قيمها الاجتماعية هي المعيار الثابت الذي يمتاز به الحق عن الباطل، والإنسان الذي ينشأ في مجتمع معين لا بد أن يتأثر بمقاييس ذلك المجتمع من حيث يشعر أو لا يشعر.

    إن القوقعة البشرية تكون في أوج قوتها أثناء سنوات الطفولة الأولى، فالطفل يرى الدنيا بمنظار عواطفه وملذاته. وهو لا يستطيع أن يُفرّق بين الحقيقة الموضوعية وبين عاطفته نحوها.

    والطفل يرى نفسه محور الدنيا. فإذا ترك المدرسة ظن أن الأطفال كلهم يتركونها وهي ستقفل أبوابها. فإذا رآهم واظبوا فيها رغم ذلك تأمل وظن بأنهم أطفال غير صالحين.

    يكبر الطفل وينضج عقله وقد يصبح من المحنكين أو الحكماء ولكن بقية من هذه النظرة "القوقعية" تبقى في قرارة نفسه قليلاً أو كثيراً.

    وكلما ازدادت حنكة الإنسان وتجاربه ضعفت فيه تلك النظرة ولكنها لن تموتَ أبداً. فهي باقية في الإنسان ما بقي الإنسان، ولهذا نجد الإنسان إذا فرِح يريد من الناس كلهم أن يفرحوا معه، وهو عند ذلك يقول: "ليس هناك من داعٍ للحزن. اضحك يضحك لك العالم".

    وهذا الإنسان ذاته إذا حزن في وقت آخر كَرِهَ أن يرى أحداً ضاحكاً فرحاً. فهو يقول: "الضحك بلا سبب من قلة الأدب".

    وإذا نال الإنسان منفعة من شخص ما ارتفعت قيمة ذلك الشخص لديه وأصبح من العادلين الصالحين. فإذا رأى أحدٌ يذّمه أنحى عليه باللائمة وقال له: "أنتَ لا تعرف أقدار الناس على حقيقتها".

    أما إذا أصابه ضرر من شخص صار ذلك الشخص من ألعن خلق الله في نظره. ويسوءه حينئذ أن يرى الناس يمدحونه ويشيدون بفضله على أي حال.

    والإنسان مجبول أن ينسى مساوئه ويتذكر محاسنه تذكراً لا يخلو من مبالغة.

    ونجد هذا واضحاً في المؤلفين الذين اُبتليت الأمة بكوارث كتبهم من أمثالي. فأحدهم يُخرج الكِتاب فتنهال عليه التهاني من كل جانب وهو ينسى أن تلك عادة اعتاد عليها الناس في مجاملاتهم الاجتماعية، والمشكلة أن الناقدين الذين ينقدون الكِتاب بحرقة ومرارة لا يُعلنون نقدهم هذا أمام المؤلف، إذ هم يحرصون أن لا يعلم المؤلف عنها إلا قليلاً ومن طريق غير مباشر.

    أما إذا نشر أحد النقاد نقده اللاذع في إحدى المجلات والجرائد تألم صاحبنا منه وعدّه ناتجاً عن غرض سيئ أو مبدأ هدّام أو حسدٍ قاتل.

    وحب الإنسان نفسه قد يدفعه أحياناً إلى الاعتقاد بأنه يجب أن يستلم زمام الأمور بيده. فهو وحده الذي يستطيع أن يُصلح المجتمع. وهو يُدلي برأيه في الإصلاح ويظن أنه جاء بخير الآراء الممكنة وأدعاها للنجاح.

    كنت أجلس ذات مرة في سيارة بجانب السائق. ولم أكد أتبسط معه في الحديث حتى أخذ يلتهبُ حماساً وقال إنه يعرف كيف يُصلح العراق وإذ هو لا يحتاج إلا لبضع مشانق ينصبها على رؤوس الجسور فيُعلّق عليها المجرمين والخونة والمرتشين وعند ذلك يرتاح الناس ويسودهم الإخاء والوئام.

    عند ذلك صرخ أحد ركاب السيارة وقد بلغ الحماس منه مبلغه: "ويحك ماذا تقول؟ إن المشانق لا تكفي. فلو أُعطيت السلطة بيدي لعرفت كيف أُصلحها..." وهنا وصلت السيارة إلى نهاية مطافها لسوء الحظ فلم أتبين كيف يستطيع هذا الراكب العبقريّ أن يُصلح الناس إصلاحاً تاماً.

    يجب أن لا ننسى أن هذه الرقاعات موجودة في كل مجتمع من هذه الدنيا فهي قد تتخفى بأغطية شتى، وهي قد تضعف في مكان وتقوى في مكان آخر، ولكنها على أي حال موجودة حيث يوجد الإنسان.

    إنها طبيعة لازمة للإنسان لا مناص منها. وقد يندهش القارئ حين أقول له بأن هذه الطبيعة الرقيعة، أو النظرة القوقعية، هي من أهم الدوافع التي تدفع الإنسان نحو خدمة مجتمعه.

    مهزلة العقل البشري:

    ظن القدماء بأن التعصب أمرٌ طارئ على العقل البشري حيث اعتقدوا بأن العقل ميّال بطبيعته إلى الحياد في النظر والنزاهة في الحكم. فإذا رأوا إنساناً يتعصب لرأيه غضبوا عليه. وما دروا بأنهم مثله متعصبون.

    تُشير الأبحاث الحديثة إلى أن التعصب صفة أصيلة في العقل البشري، وأن الحياد أمرٌ طارئ عليه. وهنا قد يصح أن نتمثل بقول الشاعر:

    تعجبين من سقمي .............. صحتي هي العجب

    فنحنُ لا يجوز لنا أن نعجب إذن من مثل هذا التعصب في عقل الإنسان. الأولى بنا أن نعجب من وجود الحياد فيه.

    إن العقل يُفكر استناداً على بعض المقاييس والمعلومات السابقة. ومن الصعب أن يُفكر العقل على أساس غير مألوف.

    فأنت إذا أردت أن تشرح لغيرك أمراً يجهله كان لزاماً عليك قبل كل شيء أن تأتي له بأمثلة من الأمور التي خبرها من قبل واعتاد عليها، ثم تبني عليها مفهوم الأمر الجديد.

    وليس هذا سبيل التفكير لدى السوقة والعوام وحدهم. فكل مُفكر، مهما علت منزلته الفلسفية، لا يستطيع أن يفهم شيئاً جديداً إلا على أساس ما فهم سابقاً.

    ولهذا السبب كان العقل البشري عاجزاً عن إدراك حقائق الكون الكبرى، فهو محدود في تفكيره بحدود الأشياء المألوفة لديه في عالمه الضيق هذا. ومن الصعب، أو المستحيل، أن يفهم العقل عالماً آخر مؤلفاً من مفاهيم تختلف عن مفاهيمنا الراهنة اختلافاً أساسياً.

    يقول أينشتاين: إن مشكلة العقل البشري هي أنه يريد أن يخضع الكون كله للمقاييس التي اعتاد عليها في دنياه هذه. والمصيبة أن الإنسان مؤمن بأن هذه المقاييس النسبية مطلقة وخالدة وبعدها من البديهيات التي لا يجوز الشك فيها. فهو قد اعتاد على رؤيتها تتكرر يوماً بعد يوم فدفعه ذلك الاعتقاد بأنها قوانين عامة تنطبق على كل جزء من أجزاء الكون. جاء هذا الاعتقاد من العادة التي اعتادها وهو يظن أنه جاء من الحقيقة ذاتها.

    يقول أينشتاين: أن ليس هناك بديهيات ثابتة. إنها في الواقع عادات فكرية. ومما يجدر ذكره في هذا الصدد أن الغزالي قد جاء بما يشبه هذا الرأي قبل عدة قرون. فلم يفهمه عصره.

    وإلى القارئ مثلاً واحداً من هذه "البديهيات" التي أخذت تتحطم على أيدي الباحثين المحدثين – هو مفهوم الزمان.

    فالناس قد اعتادوا أن يفكروا في مفهوم الزمان على أساس الثواني والدقائق التي تمر بهم. فهو عندهم مجموعة اللحظات العابرة.

    وقد سألت أحد العوام ذات يوم على سبيل التفكُّه: ما هو الزمان؟ فقال: يا أخي... إن زماننا زفت! ولو سمع برجسون هذا الجواب للطم رأسه. فمهوم الزمان عنده مشكلة فلسفية عويصة جداً، بينما صاحبنا يقول: الزمان زفت. كلٌّ ينظر في الزمان حسب مفهومه الذي اعتاد عليه.

    والواقع أن الفلاسفة القدماء قد حاروا كثيراً في حل مشكلة "الزمان"، وذهبوا فيه كل مذهب فلم يخرجوا منه بنتيجة مجدية.

    جاء أينشتاين أخيراً فقال: إن "الزمان" ليس فيه مشكلة إنما المشكلة كامنة في عقول الفلاسفة. فهم قد اعتادوا على اعتبار الزمان مجموعة اللحظات التي تمر بهم، وصار هذا عندهم من البديهيات الملزمة. فلم يستطيعوا إذن أن يفهموا كيف بدأ الزمان وكيف ينتهي.

    والخلاصة أننا ندخل اليوم عصراً جديداً بكل معنى الكلمة. فلم يبقَ فيه إذن مكان للبديهيات المطلقة أو المقاييس العامة.

    وليس من الممكن أن نقول عن شيء إنه غير معقول بمجرد أن نراه مخالفاً لمألوفاتنا السابقة.

    إن ما نقول عنه اليوم إنه غير معقول، قد يُصبح معقولاً غداً. ولعل هذه الأفكار التي يتحذلق بها كاتب هذه السطور هنا ستكون عند أبنائنا وأحفادنا خرافات وأباطيل.

    فقد علّمتنا التجارب أن كل شيء مهما بدا في نظرنا سخيفاً قد يكون صحيحاً في يوم من الأيام عندما تتبدل المقاييس الفكرية التي اعتاد الناس عليها في تفكيرهم.

     

    لقد آن الأوان لكي نُحدث انقلاباً في أسلوب تفكيرنا. فليس من الجدير بنا، ونحن نعيش في القرن العشرين، أن نُفكر على نمط ما كان يُفكر به أسلافنا في القرون المظلمة.

    إن الجيل الجديد مقبل على دراسة الأفكار الحديثة. وقد أصبح ذهنه مُشبعاً بما فيها من منطق واقعي. وهو لذلك لا يستسيغ هاتيك الأفكار التي أكل الدهر عليها وشرب. إنه يطلب من رجال الدين أن يأتوا له بآراء تماشي الزمان لكي يحترمهم ويُصغي لأقوالهم، وإلا فهو لا بد أن يسخر بهم ويتركهم وراءه.

    الأفكار كالأسلحة تتبدل بتبدل الأيام. والذي يريد أن يبقى على آرائه العتيقة هو كمن يريد أن يحارب الرشاش بسلاح عنترة بن شداد.

     

     

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:440
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:220
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك