• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 25-09-2018
  • المؤلف: محمد الغزالي
  • الناشر: دار نهضة مصر
  • عدد الصفحات:359
  • عدد الاستماع للحلقة: 322
  • في هذا الكتاب أفكارٌ وعواطف شتى، صفا عرضها حيناً، وغام حيناً آخر، وإن اصطبغت في جملتها بحدة الشعور وحماسة العرض. والأحوال التي عانتها بلادنا، وذاق جمهور المسلمين نكدها، كانت هي المداد الفذ لهذه المقالات. والباعث على إرسالها هكذا؛ خواطرُ مُهتاجة. ..
    10
    يناير
  • 109: أهم خمسة أشياء يندم عليها المرء عند الموت
  • كتب في: 10-01-2018
  • المؤلف: بروني وير
  • الناشر: جرير
  • عدد الصفحات:294
  • بدأت فكرة موقع inspiration and chai في كوخٍ صغير بالجبال الأسترالية. ومن المقالات الأولى لي على هذا الموقع كان مقالاً عن الأشياء التي يندم عليها الأشخاص المشرفون على الموت الذين كنت أعتني بهم. فقد كانت آخر وظيفة أقوم بها قبل وظيفة السجن، لذا فقد كانت لا تزال ذات تأثير على حياتي. ومن خلال الأشهر التالية، لاقى المقال زخماً كبيراً لا يستطيع توضيحه سوى الإنترنت. وقد بدأت أتلقى رسائل إلكترونية من أشخاص لا أعرفهم يتواصلون معي بشأن المقال. ورسائل من كُتّاب يطلبون الاستشهاد بالمقال في مدوناتهم بالإضافة إلى طلبات لترجمته إلى العديد من اللغات. وقد أصبح الناس يقرأونه في القطارات في السويد، وفي محطات الحافلات في أمريكا، وفي المكاتب في الهند وهكذا أصبحت شعبيته تتضاعف. وقد أثار حالة كبيرة من النقاش ساعدت عل

    بدأت فكرة موقع inspiration and chai في كوخٍ صغير بالجبال الأسترالية. ومن المقالات الأولى لي على هذا الموقع كان مقالاً عن الأشياء التي يندم عليها الأشخاص المشرفون على الموت الذين كنت أعتني بهم. فقد كانت آخر وظيفة أقوم بها قبل وظيفة السجن، لذا فقد كانت لا تزال ذات تأثير على حياتي. ومن خلال الأشهر التالية، لاقى المقال زخماً كبيراً لا يستطيع توضيحه سوى الإنترنت. وقد بدأت أتلقى رسائل إلكترونية من أشخاص لا أعرفهم يتواصلون معي بشأن المقال. ورسائل من كُتّاب يطلبون الاستشهاد بالمقال في مدوناتهم بالإضافة إلى طلبات لترجمته إلى العديد من اللغات. وقد أصبح الناس يقرأونه في القطارات في السويد، وفي محطات الحافلات في أمريكا، وفي المكاتب في الهند وهكذا أصبحت شعبيته تتضاعف. وقد أثار حالة كبيرة من النقاش ساعدت على استمرار انتشاره عبر العالم. فقد قرأ أكثر من مليون شخص مقال "أهم خمسة أشياء يندم عليها المرء عند الموت" خلال عام واحد. بالإضافة إلى طلبات العديد من الناس الذين تواصلوا معي بعد ذلك، حتى أنني قررت توضيح الموضوع تفصيلياً في كتاب.

    الندم 1:(أتمنى لو أنني امتلكت الشجاعة لأحيا الحياة التي أُريدها لنفسي، لا الحياة التي يتوقعها الآخرون منّي)

    لم يستغرق الأمر كثيراً من الوقت حتى أصبحت "جريس" واحدة من عملاء الرعاية التلطيفية المفضلين بالنسبة لي. لقد كانت امرأة ضئيلة الجسم كبيرة القلب.

    وقد بدأت أيامي الأولى معها بشكل طبيعي مثلما يحدث مع العملاء نتبادل حكي القصص لنتعرف على بعضنا أكثر. وقد كنت أسمع تعليقات مألوفة في الحمام حول إهدار الكرامة الذي تشعر به "جريس" في ظل وجود شخصٌ آخر يُساعدها على قضاء حاجتها داخل الحمام. كنت قد اعتدت ذلك الجزء من عملي وحاولت إخبار "جريس" حول الموقف – وكذلك جميع عملائي – دون عمل الكثير من الجلبة حول الموضوع. إن الإصابة بالمرض تُفتت النرجسية للأبد.

    لقد عاشت "جريس" حياتها الزوجية وهي تحلم بأن تعيش بشكل مستقل عن زوجها، تحلم بالسفر، وألا تعيش في ظل ديكتاتوريته وأن تعيش فقط حياة بسيطة سعيدة. ورغم أنها كانت في الثمانينات من العمر، فإنها ما زالت في حالة صحية جيدة بالنسبة لعمرها، والصحة الجيدة تمنح الحرية في التنقل، وقد كان ذلك متاحاً لها عندما تم إيداع زوجها في دار الاستشفاء.

    وخلال فترة قصيرة من حصولها على حريتها المُنتظرة منذ زمنٍ طويل، بدأت "جريس" تشعر بالمرض الشديد. وخلال بضعة أيام من نقطة التحول تلك، تم تشخيص حالتها على أنها مصابة بمرضٍ عضال، وأنها وصلت إلى حالة متقدمة للغاية. وما جعل الوضع مؤلماً للقلب بشكل كبير هو أن السبب في هذا المرض يعود لقيام زوجها بالتدخين لزمنٍ طويل داخل المنزل. لقد كان المرضٌ شديداً للغاية وكان قد مرّ شهر على إصابتها به. وكانت "جريس" قد فقدت كل قواها وأصبحت طريحة الفراش، بالإضافة إلى أنها تضطر للوثب إلى الحمام داخل إطار حديدي للمشي في ظل مساعدتها بواسطة شخص آخر، والآن أصبح من الصعب تحقيق الأحلام التي انتظرتها طويلاً. لقد فات الآوان، فالمعاناة التي كانت تشعر بها كانت مستمرة، وقد أصبحت في حالة عذابٍ شديد.

    ولطالما كنت أسمعُ منها أسئلة مثل: "لماذا لم أفعل فقط ما أردته؟ لماذا سمحت له بالتحكم فيّ؟ لماذا لم أكن قويّة بما يكفي؟

    لقد كانت غاضبة جداً من نفسها لأنها لم تكن شجاعة من قبل. وقد أكد أطفالها على أنها حظيت بحياة صعبة للغاية، وكأن قلوبهم تقول: ونحن أيضاً كُنّا كذلك.

    قالت ليّ: "لا تجعلي أي شخصٍ في الحياة يوقفك عن فعل ما تُريدينه "بروني" عديني بذلك رجاءً". قدمتُ لها وعدي، ثم وضحت أنني كنت محظوظة لأنني حظيت بأم علمتني الاستقلال بالقدوة.

    تابعت "جريس" قائلة: "انظري إليّ الآن. أحتضر. أحتضر! كيف انتظرت كل تلك السنوات لكي أصبح حرة ومستقلة ثم يحدث ذلك بعد فوات الآوان؟"

    لا يمكن تجاهل أن هذا الموقف كان مأساوياً، وأنه سيذكرني دائماً بأن أحيا الحياة بالطريقة التي أُريدها.

    الندم2: (أتمنى لو أنني لم أعمل بجهدٍ شديد)

    بشكلٍ مفهوم، كانت عائلات أولئك الأشخاص المشرفين على الموت يعانون أيضاً بشكل هائل خلال الأسابيع الأخيرة من عمر العميل. وقد كانت أعمار معظم أفراد الأسر تتراوح ما بين أوائل الأربعينات وحتى أواخر الخمسينات، ويكون لدى معظمهم أطفال.

    إن الخوف من فقد والديهم، بجانب الخوف من ألمهم الخاص، يُحفز لديهم بعض السلوكيات العنيفة. وقد كان هذا من الأمور التي كانت تذكرني أحياناً بأنه المجحف أن يعيش المرء في مجتمع يحاول إخفاء عملية الموت. فالناس لا يكونون فقط غير مستعدين للتعامل مع بشاعة العواطف التي يحفزها الوضع، ولكنهم أيضاً يُصبحون خائفين وتزيد حساسيتهم للغاية، وغالباً ما تكون حالة أفراد الأسرة أكثر من ذلك.

    كان عميلي العزيز "تشارلي" يرقد أمام طفليه البالغين "جريج" و "ماريان"، بينما كان الاثنان يصرخان في وجه أحدهم الآخر عبر السرير، بشكلٍ خارج عن السيطرة. قلتُ لهما بحزمٍ ولكن أيضاً بلطف: "توقفا عن هذا رجاءً وإذا كان لا بد من الاستمرار في هذا. فمن فضلكما انتقلا إلى الغرفة الأخرى. انظرا إلى أبيكما، إنه راقدٌ هنا يحتضر بالله عليكم".

    انهمرت "ماريان" في البكاء، معتذرة لأبيها عمّا بدر منها. لقد كان "تشارلي" رجلاً مُسالماً، وكان من الواضح أنه كان كذلك دائماً.

    ودون توقف ثار "جريج" في غضب: "حسناً، لا أرى سبباً وجيهاً لرغبتك في الحصول على مثل ما أحصل عليه في الوصية. لقد انتقلت للإقامة في مكانٍ بعيد. وقد بذلتِ جهداً أقل. أما أنا، فقد ظللت هنا لأجل والدي منذ ماتت أمي". لقد توجع قلبي جرّاء سماع مبررات "جريج" هذه. لقد كان هناك طفل صغير مجروح هش يختبئ تحت هذه الكلمات.

    نظرت إلى "تشارلي" لأعلم موقفه، قام فقط بهز كتفيه لي وهناك نظرة من الحزن تملأ عينيه الزرقاوين الكبيرتين.

    أخبرني "تشارلي" بقوة العلاقة التي جمعتهما في طفولتهما، فقد كان "جريج" دائماً يبحث عن أخته، وهي كانت تعشقه. مع ذلك، فعندما أصبحت فتاة في سن المراهقة ذات تفكير مستقل، فقد بدأ الاثنان في التشاجر والتشاحن ولم يعودا قريبين من بعضهما مجدداً.

    تابع "تشارلي" متنهداً: "بروني إنني لستُ قلقاً على ماريان، فهي سعيدة نسبياً. إنني قلق على جريج. فهو لم يتوقف قط عن محاولة إثبات نفسه. فعندما قال إنه لطالما صنع لأجلي أكثر مما صنعته ماريان لأجلي، كان محقاً بشكلٍ ما، رغم أنها هي الأخرى ساعدتني كثيراً بطرق أقل وضوحاً منه؛ ولكنه لم يكن مضطراً لهذا. ففي معظم الوقت كان يفعل أشياء كنت لا أزال أستطيع فعلها بنفسي، بالإضافة إلى أنني كنت أحب فعلها بنفسي. إنه يعمل لساعات طويلة في وظيفة يكرهها، كما أنه يُنفق على أطفال لم يروه قط، وأنا لا أعرف السبب في فعله هذا".

    هناك صورة لــ "تشارلي" كشاب أنيق يقف بجوار عروسه، والتي تجلس في المنتصف أعلى قاعدة المدفأة في غرفته. فكرت فيه هو وزوجته وهما يربيان "ماريان وجريج" عندما كانا طفلين. لقد كان "تشارلي" صريح القول ولقد أحببت ذلك فيه. لقد كان هناك شيء قديم الطراز في صراحته. فقد كان يحكي أي شيء يدور في عقله وكأنه يُفكر بصوتٍ عالٍ. "أتعلمين، لا أعتقد أنه يعلم بالفعل أنني أُحبه، فأنا لم أقل له هذه الكلمة صراحة قط".

    قلت له: "كلنا نختلف عن أحدنا الآخر تشارلي. فبعض الناس يفهمون الأمور من خلال التصرفات، ولكن معظم الناس يحبون سماع تلك الأشياء صراحة. وربما يكون جريج واحداً من أولئك الأشخاص. وعلى كل حال، فما الضرر في إخبارك إياه بهذا الأمر؟".

    أومأ برأسه: "يجب بالفعل أن أُخبره بذلك. يا له من عالم فظيع نعيشُ فيه ليشعر رجل في الثامنة والسبعين من عمره بالتوتر حيال إخبار ابنه بأنه يُحبه! لم أقم بالتدرب على ذلك كما تعلمين". وضحك. تابع تشارلي: "هل تعتقدين أنني سأستطيع إقناعه بأن يعيش حياة أكثر بساطة إذا لم يكن بحاجة إلى محاولة السعي لينال استحساني بعد ذلك وإذا عَلِمَ أنني أحبه؟ وأنني أحبه بالفعل".

    لقد أصبح موضوع العيش ببساطة أكثر من مجرد موضوع مهم بالنسبة لـ "تشارلي" مع اقتراب نهاية أيامه في الدنيا. لقد قال إن الناس يعملون بجهدٍ للغاية للعديد من الأسباب. وغالباً ما يعتقدون أنه ليس لديهم خيار فيما يفعلونه، لأنهم لا يستطيعون الخروج من عجلة الروتين في ظل الفواتير وواجبهم تجاه دعم عائلاتهم. لقد تفهم "تشارلي" ذلك. لقد أدرك أن الحياة تعد تحدياً صعباً للغاية بالنسبة للعديد من الناس. ولكنه أصر على أنه لطالما كانت هناك خيارات. لقد قال: "إن الأمر يتعلق بتغييرك منظورك نفسه أحياناً". ثم طرح هذه الأسئلة: "هل نحن بحاجة بالفعل للعيش في منزل بهذا الحجم الكبير؟ هل نحن بحاجة بالفعل لهذه السيارة الفارهة؟

    ثم أضاف أحياناً يتعلق الأمر أكثر بتغيير الفكر والعثور على حلول جديدة. والتفكير بشدة حول ما يُحبونه والعمل كأسرة واحدة تجاه العثور على التوازن.

    لقد قام "تشارلي" بتنشئة أسرته الخاصة ورعايتها، وبالتالي فإنه يعيّ تماماً الضغط الذي يتعرض له المرء خلال عملية رعاية الأسرة وتنشئتها ودعمها؛ ولكنه أيضاً يحتضر ويرى الأشياء كلها الآن من منظور مختلف تماماً، متمنياً لو أنه أدرك كل تلك الأمور في فترة سابقة، حتى كان يمكنه توجيه "جريج" بشكلٍ مختلف. يكون الأطفال سعداء بقضاء وقت أطول مع آبائهم مما يقضونه مع ألعابهم. ربما يتذمرون في البداية، ولكن الأطفال الأكثر سعادة هم أولئك الأطفال الذين يقضون أوقاتاً أفضل مع آبائهم. كلا الوالدين إذا أمكن. فالصبيان الصغار يحتاجون إلى مزيد من التأثير الذكوري. كيف يمكن لأطفال "جريج" الحصول على ذلك إذا كان يعمل طوال الوقت محاولاً إثبات نفسه؟

    الندم 3: (تمنيت لو أنني كنت أمتلك الشجاعة للتعبير عن مشاعري)

    بالنسبة لرجل يحتضر في الرابعة والتسعين من عمره، كان "جوزيف" يبدو جيداً بشكل كبير عندما تقابلنا لأول مرة، لقد كان شخصاً لطيفاً ذا ضحكة جميلة كانت تجعله يبدو كأنه شابٌ صغير في أوقات معينة.

    قررت أسرة "جوزيف" ألا تُخبره بأنه يحتضر. وقد وجدت أن هذا أمرٌ صعب ولكنني حاولت احترام قرار الأسرة قدر الإمكان. ومع ذلك، فعلى مدار الأسابيع القليلة التالية، اتخذ مرضه مساراً متدنياً عنيفاً، والذي كان من المستحيل إنكاره. فقد أصبحت قدرته على الوقوف دون مساعدة أمراً عفا عليه الزمن. ومع كل يوم جديد، كان يعتمد على قوايّ أكثر وأكثر.

    على مدار الأسابيع القليلة التالية، حكى عميليّ الكثير من القصص لي، والتي غالباً ما كانت تدور حول عمله. لقد كان هو وزوجته "جيزيلا" من الناجين من الحرب العالمية، والذين خططوا لبدء حياة جديدة بأستراليا بعد انتهاء الحرب.

    لقد تكونت رفقة بين أنا و"جوزيف" بسهولة، وأصبح بيننا نقاش في شتى الموضوعات. لقد كان لدينا حسّ الدعابة نفسه. وكان لكلٍ منا بشاشة واضحة. لذا فقد أحبّ كلٌ منا الآخر. في الوقت نفسه كانت "جيزيلا" تأتي باستمرار وبصحبتها طعام وكانت تشجع "جوزيف". لقد كانت طاهية رائعة.

    لقد قامت الأسرة أيضاً بطريقة ما بإقناع طبيب "جوزيف" بعدم إخباره بأنه يحتضر. لقد كانت عملية تجاهل ضخمة. ولم يكن الأمر يتعلق فقط بعدم إخباره بحقيقة حالته الصحية ومصيره المحتم، ولكن كانت الأسرة تحاول إقناعه بأنه يتعافى.

    بحلول هذا الوقت كان "جوزيف" لا يتناول سوى علبة زبادي يومياً وقد أصبح ضعيفاً للغاية. حتى أنه لم يعد قادراً على المشي إلى غرفة المعيشة دون مساعدة. ولكنهم ما زالوا يخبرونه بأنه سيتعافى قريباً. لم أتحدث قط في هذا الموضوع حتى قام "جوزيف" بفتحه معي مباشرة.

    غادرت "جيزيلا" الغرفة للتو. كان "جوزيف" مستلقياً على السرير وكنت أقوم بتدليك قدميه. عندما أصبحت زوجته خارج الغرفة، قال لي: "أنا أحتضر يا بروني، أليس كذلك؟".

    نظرت إليه بكل عطف وأومأت له قائلة: "نعم جوزيف، أنتَ تحتضر". أومأ بشيء من الراحة كونه عَلِم الحقيقة.

    ثم أجاب بصوته الأجش: "شكراً لك، شكراً لك لأنك أخبرتني بالحقيقة". ابتسمت بلطف وأومأت برأسي. استمر الصمت لدقيقة أو اثنتين. ثم تحدث مجدداً في هذه المرة عن أسرته قائلاً: "إنهم فقط لا يستطيعون معالجة الأمر. فــ "جيزيلا" لا تستطيع تحمل الألم الذي سينتج عن تحدثها معي عن ذلك الأمر. إنها ستكون بخير، هي فقط لا تستطيع التحدث معي حول ذلك الأمر".

    تابع قائلاً: "لم يتبقَ لي الكثير، أليس كذلك؟".

    سألني: "أسابيع أم شهور؟".

    أخبرته بصدق: "أنا لا أعلم بالفعل، ولكنني من الممكن أن أُخمن بأنها أسابيع أو أيام. هذا ما أشعر به، ولكنني ليست لدي معلومة مؤكدة بالفعل". أومأ برأسه ثم نظر خارج النافذة مجدداً.

    بعد فترة من الوقت قام "جوزيف" بإنهاء حالة الصمت قائلاً: "أتمنى لو أنني لم أعمل بجد، لقد أحببت عملي. أحببته بالفعل. وهذا ما جعلني أعمل بجد، وأيضاً لأستطيع توفير دخل لأسرتي ولأسره".

    قلت له: "حسناً هذا شيء رائع، فَلِمَ الندم؟".

    لقد أوضح أن جزءاً من ندمه كان من أجل أسرته، والذين لم يروا منه سوى القليل للغاية خلال معظم حياتهم في استراليا؛ ولكن الجزء الأعظم منه كان لشعوره بأنه لم تتح لهم الفرصة قط لمعرفته. "لقد كنت خائفاً للغاية من إظهار مشاعري؛ لذا لقد كنت أعمل وأعمل وأبقيت العائلة بعيداً عني. لم يكونوا يستحقون المكوث وحدهم. الآن آمل أنهم تعرفوا عليّ على حقيقتي".

    لقد شعر بأنه أضاع الفرصة لخلق علاقة دافئة مع أطفاله. فقد كان كل ما يشغل تفكيره هو كيفية ربح المال. ثم تنهد قائلاً: "ولكن ما الفائدة من ذلك الآن؟".

    قلت له محاولة تبرير موقفه: "حسناً، لقد فعلت ما انتويت فعله. وقد تركتهم في حياة مريحة. وقمت بتوفير الاحتياجات اللازمة ليعيشوا الحياة التي تريده لهم".

    نزلت دمعة منفردة على خده، فنظرت إليه بحب وهو يقول: "لكنهم لم يعرفونني. لم يعرفونني. وقد أردتهم أن يعرفونني. ثم بدأت الدموع تتدافع على خدوده. وقد جلست صامتة في أثناء بكائه.

    الندم 4: (أتمنى لو أنني ظللت على اتصال بأصدقائي)

    قمت بالعمل على مناوبات عرضية في بيوت التمريض ما بين فترات عملي لدى عملائي المنتظمين في منازلهم الخاصة. لم تكن مناوبات اعتيادية، والتي أشعر بالامتنان تجاهها حيث إنني وجدت أن تلك الأماكن مُفزعة للغاية. وأيضاً أن العميل الذي يأتي لهذه الأماكن لم يكن دائماً عميلاً يسعى للحصول على رعاية تلطيفية. إنهم مجرد أناس في حاجة للحصول على بعض المساعدة. وأحياناً ما كان يتم تعييني ببساطة لأكون عضوة فريق زائدة في أي فريق موجود، بدلاً من تكليفي للعمل مع عميل معين.

    إذا أراد أي شخص العيش متجاهلاً للحالة الحقيقية للمجتمع الذي نعيش فيه، فعليه أن يتجنب الذهاب إلى بيوت التمريض. إذا شعرت في لحظة ما بأنك تمتلك القوة الكافية للنظر إلى الحياة بأمانة، فقم بقضاء بعض الوقت في إحدى تلك البيوت، فهناك الكثير من الأشخاص الذين يعيشون في وحدة تامة هناك – الكثير جداً منهم. وأيٌ منا من الممكن أن يُصبح مريضاً هناك في أي وقت.

    كان لكل مقين غرفة وحمام خاصان به. وفي أثناء قيامي بجولتي الليلية لمساعد الأشخاص على ارتداء دثار النوم، اكتشف أن لكل غرفة طابعاً خاصاً يعكس شخصية المقيم؛ صور لأسر مبتسمة ولوحات فنية وسجاد وأكواب شاي مفضلة تملأ كل غرفة.

    كانت "دوريس" قد قامت بالفعل بارتداء رداء النوم الزهري عندما انطلقتُ تجاهها مقدمة لها نفسي. لكنها قامت فقط بالابتسام ولم تقل أي شيء ثم وجهت نظرها بعيداً. وعند سؤالي عمّا إذا كانت بخير، وجدتُ أمامي فيضاناً من الدموع. قمت على الفور بالجلوس بجانبها على السرير واحتضنتها بين ذراعيّ. لم ننطق بأي كلمة في أثناء بكائها. وقد تمسكت بي بشدة

    عندما توقف الدموع، سألتها بلطف: "ماذا يحدث معك؟".

    تنهدت ثم تكلمت عن وجودها هناك منذ أربعة شهور وأنها نادراً ما ترى وجهاً بشوشاً منذ ذلك الحين. لقد قالت إن ابتسامتي ساعدت على توقف دموعها.

    ثم في وقتٍ لاحق، وقفت "دوريس" على السرير متحدثة، قالت بحزن: "إنني أموتمن الوحدة هنا عزيزتي. لقد سمعت أنه من الممكن حدوث ذلك، وذلك ما يحدث معي بالفعل. إن الوحدة يمكنها بالفعل أن تقتلك. لقد أصبحت أموتُ شوقاً للتواصل البشري في أوقاتٍ معينة". وقد كان احتضاني إياها هو أول تواصل بشري تحصل عليه خلال أربعة أشهر.

    تابعت قائلة: "إنني أفتقد أصدقائي أكثر من أي شيء آخر. بعضهم توفي، وبعضهم يعيشون في مثل هذا الموقف الذي أعيشه، وبعضهم فقدت التواصل معهم. تتخيلين أن أصدقاءك سيكونون هناك دوماً، ولكن الحياة تتحرك قُدماً وتجدين نفسك فجأة وحيدة دون أي شخص يفهمك أو يعرف أي شيء عن تاريخك".

    اقترحت عليها محاولة الوصول لبعض منهم، فهزت رأسها قائلة: " لا أعلم من أين أبدأ".

    لقد رغبت في مساعدة "دوريس" لبضعة أسباب؛ لقد أحببتها منذ اللحظة الأولى وكنت أستطيع مساعدتها. لقد كنت أمتلك المهارات التي تمكنني من محاولة العثور على أصدقائها. ولكنني رغبت أيضاً في المساعدة لأنني أعلم كيفية شعورها. كما أنني أعرف الألم الشديد الذي تسببه الوحدة لفترة طويلة والشوق للتفاهم.

    ذهبت إليها في الأسبوع التالي لأجد في انتظاري قائمة بالأسماء مكتوبة بخط اليد. أخبرتني بكل "دوريس" بكل ما تستطيع عن الأصدقاء الأربعة وعن أماكن إقامتهم في آخر مرة كانت على اتصال بهم. قمنا بشرب الشاي عندما كانت تحكي قصصهم لي.

    أخيراً ظهرت ثغرة في أثناء بحثي عن الصديقة الأخيرة. لقد تلقيت اتصالاً هاتفياً من رجل عجوز قال إنه كان ذات مرة جاراً لـ "لورين". وقد أخبرني بالحي الذي انتقلت الأسرة للإقامة فيه، وقد نجحت في تتبع آثارها. في الحقيقة أن "لورين" هي من أجابت الهاتف بصوتها العجوز الودود. وعند توضيح ماهيتي وغرضي من الاتصال، لهثت من الفرحة ووافق من كل قلبها على أن أمنح رقمها لــ"دوريس"

    بشكلٍ طبيعي، أخذت الرقم مباشرة إليها. وعند الإشارة لي لأجلب لها الهاتف، فعلت بأقصى سرعة في إمكاني. ولكن قبل أن تتصل بالرقم، قلت لها إنني سأتركها مع مكالمتها بدلاً من الجلوس بينهما. وفي أثناء التقاطها السماعة، اشتعل وجه "دوريس" من البهجة لسماعها صوت صديقتها. لقد كانتا تضحكان طوال الوقت وظلتا تتحدثان دون توقف. قمت بتنظيف الغرفة قليلاً، والتسكع في الجوار، غير قادرة على إبعاد نفسي عن هذه السعادة الرائعة.

    لقد كان يوماً رائعاً، وأصبح يغريني الذهاب للسباحة. لم تفارقني الحالة المعنوية العالية بينما كنت أستمتع بتدفق المياه من حولي. وفي المنزل، بالضبط بعد غروب الشمس تلقيت مكالمة هاتفية من "ريبيكا"، تلك الفتاة الودودة بفريق العمل التي قابلتها الليلة التي عملت فيها هناك وقابلت فيها "دوريس" لأول مرة.

    لقد توفيت "دوريس العزيزة خلال فترة الظهيرة في أثناء نومها. انهمرت دموع الحزن تلقائياً، ولكن كان هناك شيء سعيد أيضاً فعلى كل حال، لقد ماتت سعيدة، تلك السيدة العزيزة.

    إنه لأمر مدهش أن مقداراً ضئيلاً جداً من الوقت يمكنه أن يغير حياة شخص بشكلٍ كامل. عندما فكرت في المرأة الوحيد التي قابلتها تلك الليلة الأولى والمرأة التي احتضنتها مودعة آخر يومٍ لها؛ لا يمكن لأي قدر من المال أن يحل محل الراحة التي جلبها ذلك لي.

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:2403
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:561
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك