• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 17-04-2018
  • المؤلف: ستيفن آر كوفي
  • الناشر: جرير
  • عدد الصفحات:407
  • عدد الاستماع للحلقة: 361
  • إن الغاية من هذا الكتاب هي منحك خريطة طريق سوف تقودك للخرج من ذلك الألم والإحباط إلى الإشباع والأهمية والقيمة والمساهمة الحقيقية في ساحة العالم الجديد. ليس في عملك ومؤسستك فحسب، بل في حياتك كلها أيضاً. باختصار سيقودك الكتاب إلى إيجاد صوتك.
    20
    فبراير
  • 112: وجهة العالم الإسلامي
  • كتب في: 20-02-2018
  • المؤلف: مالك بن نبي
  • الناشر: دار الفكر
  • عدد الصفحات:186
  •   إنسان ما بعد الموحدين:عندما نقوم بتحليل نشاط الأفراد وأذواقهم في بيئة معينة، نجد عوائد سائدة، تنتقل فيما بينهم كابراً عن كابر، فهناك وراثة اجتماعية، كما أن هناك وراثة جسمية. إن ألوان نشاط الفرد وأفكاره في كل مجتمع تُنسج دائماً على منوال الوراثة، ويكفينا أن ننظر إلى طفلٍ يلعب لكي ندرك أهمية الوراثة الاجتماعية وقوتها الموجهة، فتقاليد المجتمع تتمثل في لعب الطفل، الذي يُعدّ صورة أولية فطرية من النشاط الإنساني. ويمكننا أن نرى هذه الصفات أينما توجهنا، حيث تأخذ الحياة الاجتماعية خلال القرون الأشكال الجمالية والأخلاقية والفنية نفسها. فإذا ما درسنا أوجه النشاط في بلد معين، وجب علينا لكي نفهمها أن نردها إلى إطار حضارة، تستمد منها الحياة أشكالها، ويُشكل فيها الفرد دائماً أفكاره وضر

     

    إنسان ما بعد الموحدين:عندما نقوم بتحليل نشاط الأفراد وأذواقهم في بيئة معينة، نجد عوائد سائدة، تنتقل فيما بينهم كابراً عن كابر، فهناك وراثة اجتماعية، كما أن هناك وراثة جسمية.

    إن ألوان نشاط الفرد وأفكاره في كل مجتمع تُنسج دائماً على منوال الوراثة، ويكفينا أن ننظر إلى طفلٍ يلعب لكي ندرك أهمية الوراثة الاجتماعية وقوتها الموجهة، فتقاليد المجتمع تتمثل في لعب الطفل، الذي يُعدّ صورة أولية فطرية من النشاط الإنساني.

    ويمكننا أن نرى هذه الصفات أينما توجهنا، حيث تأخذ الحياة الاجتماعية خلال القرون الأشكال الجمالية والأخلاقية والفنية نفسها.

    فإذا ما درسنا أوجه النشاط في بلد معين، وجب علينا لكي نفهمها أن نردها إلى إطار حضارة، تستمد منها الحياة أشكالها، ويُشكل فيها الفرد دائماً أفكاره وضروب نشاطه، عل المنوال الذي صنعته القرون والأجيال.

    وليس من قبيل المصادفة أن نرى (الحاوي) يجمعُ حوله الأطفال في سمرقند وفي مراكش، وهو يلوح لهم بثعابينه، إن معنى هذا أن مشكلة العالم الإسلامي واحدة، لا أقول في أشكالها السياسية أو العنصرية، وإنما في جوهرها الاجتماعي، هذا الرأي يُتيح لنا، بل يفرض علينا وضع المشكلة في نطاق التاريخ؛ وعليه فليس من باب اللعب بالألفاظ، بل من الضرورة المنطقية، أن نقرر هنا أن العالم الإسلامي لا يعيش الآن في عام 1949م، بل في عام 1369هـ.

    وإنا لمضطرون إلى أن نؤكد هذا التاريخ، لأنه يُسجل نقطة انطلاق في (تطور تاريخي) ترجع إليه مشكلات العالم الإسلامي كافة، وأشكالها المختلفة التي تُسمى هنا (مشكلة جزائرية)، وهناك (مشكلة جاوية)، فالقاسم المشترك في هذه المشكلات جميعاً هو – في الواقع – المشكلة الإسلامية، وتسلسلها التاريخي منذ الهجرة. ولو أننا ترجمنا حركة هذا التسلسل إلى منحنى بياني، فربما رأيناه في بعض مراحله – عصر ابن خلدون مثلاً – يتجه إلى أسفل، وهذه النقطة هي التي تسجل انقلاب القيم الإسلامية الحقة إلى أشياء لا قيمة لها.

    لم يكن الانقلاب فجائياً، إذ هو النهاية البعيدة للانفصال الذي حدث في (صِفيّن)، فأحل السُلطة العصبية محل الحكومة الديموقراطية الخليفية، فخلق بذلك هوة بين الدولة وبين الضمير الشعبي.

    هذه اللحظة هي نقطة الانكسار في منحنى التطور التاريخي، وهي لحظة انقلاب القيم داخل حضارة معينة.

    وهنا لا نواجه تغيراً في النظام السياسي، بل أن التغير يُصيب الإنسان ذاته، الإنسان المتحضر الذي فقد همته المحضرة، فأعجزه فقدها عن التمثل والإبداع.

    ويؤرخ لتلك الظاهرة في التاريخ الإسلامي بسقوط دولة الموحدين، الذي كان في حقيقته سقوط حضارة لفظت آخر أنفاسها.

    ثم يبدأ تاريخ الانحطاط بإنسان ما بعد الموحدين، ففي عهد ابن خلدون استحالت القيروان قرية مغمورة، بعد أن كانت في عهد الأغالبة قبة المُلك، وقمة الأُبهة، والعاصمة الكُبرى التي يقطنها مليون من السكان، ولم يكن حظ بغداد وسمرقند خيراً من ذلك؛ لقد كانت أعراض الانهيار العام تشير إلى نقطة الانكسار في المنحى البياني.

    فإذا نظرنا إلى هذا الوضع نظرة اجتماعية، وجدنا أن جميع الأعراض التي ظهرت في السياسة أو في صورة العمران، لم تكن إلا تعبيراً عن حالة مرضية يُعانيها الإنسان الجديد – إنسان ما بعد الموحدين – الذي خَلَف إنسان الحضارة الإسلامية، والذي كان يحمل في كيانه جميع الجراثيم التي سينتج عنها في فترات متفرقة جميع المشاكل التي تعرّض لها العالم الإسلامي منذ لك الحين.

    وما دام مجتمعنا عاجزاً عن تصفية هذه الوراثة السلبية التي أسقطته منذ ستة قرون، وما دام متقاعساً عن تجديد كيان الإنسان طبقاً للتعاليم الإسلامية الحقة، ومناهج العلم الحديثة، فإن سعيه إلى توازن جديد لحياته وتركيب جديد لتاريخه سيكون باطلاً عديم الجدوى.

    إن العلوم الأخلاقية والاجتماعية والنفسية تُعدّ اليوم أكثر ضرورة من العلوم المادية، فهذه تُعد خطراً في مجتمع ما زال الناس يجهلون فيه حقيقة أنفسهم، ومعرفة إنسان الحضارة وإعداده أشق كثيراً من صُنع مُحرك، أو ترويض قرد على استخدام رباط عنق.

    حركة الإصلاح: (إن الله لا يُغيّرُ ما بقومٍ حتى يُغيّروا ما بأنفسهم).

    لم يصطحب الأوروبي، عندما حل بالعالم الإسلامي في مطلع القرن الأخير، من العالم المسيحي سوى بعض استعدادات نفسه، تلك النفس الطيبة التي تكشف النظرة الفاحصة داخلها عن مجمع للفضائل الجذبية، تميزت بها نفس مغلقة كثيفة تجاه المسلمين.

    والواقع أن النفس المسيحية في خارج إطارها، أعني في صِلاتها الواقعية بالعالم الإسلامي، تنقلب إلى نفس مستعمِرة، غذت طموحها قبل إبحارها إلى شواطئ البربر أو سواحل الهند أو جزر السند، بأحاديث السمر عن كنوز خيالية، والقوم جلوس حول المدفأة، فهي تبحث بدورها لاكتشاف كنوز (بيرو)، إذ لم تشهد الإنسانية تعطشاً إلى الذهب، كما كان ذلك بعد اكتشاف المستعمرات.

    ومع ذلك فنحن لا نريد هنا أن نُصدر حكماً أخلاقياً، بل أن ننظر إلى المسألة نظرة اجتماعية، فإن الأوروبي قد قام منذ قرنين بدور نافع في تاريخ العالم، ومهما كان في موقفه من انفصال عن بقية الإنسانية المحتقرة في نظره، التي لا يرى فيها سوى سُلّم إلى مجده، فإنه قد أنقذ العالم الإسلامي من فوضى القوى الخفية، التي يغرق فيها كل مجتمع يستبدل الخيال الساذج بالروح.

    لقد منح نشاط الأوروبي إنسان ما بعد الموحدين إلهاماً جديداً لقيمته الاجتماعية، حين نسف وضعه الاجتماعي الذي كان يعيش فيه راضياً بالدون، وحين سلبه وسائله التي كان يتبطل بها هادئ البال حالماً.

    لقد وجد المسلم أن عليه أن يبحث عن أسلوب في المعيشة يتفق وشرائط الحياة الجديدة، في المجالين: الخلقي والاجتماعي.

    ولسوف نجد أن الحركات التاريخية، ستتولد عما قريب من ذلك البحث الغامض الذي امتزج بقلق قديم خلّفته في الضمير الإسلامي منذ قرون كُتب ابن تيمية، وهي الحركات التي ستخلع على العالم الإسلامي صبغته الراهنة.

    هذه الحركات قد صدرت عن تيارين: تيار الإصلاح الذي ارتبط بالضمير المسلم، وتيار التجديد وهو أقل عمقاً، ويمثل مطامح طائفة اجتماعية جديدة تخرجت في المدرسة الغربية.

    أما التيار الأول: فيبدو أنه قد خط طريقه في الضمير المسلم منذ عصر ابن تيمية، وابن تيمية كان مجاهداً يدعو إلى التجديد الروحي والاجتماعي في العالم الإسلامي. هذا التيار هو الذي أدى إلى تكوين إمبراطورية الموحدين القوية في إفريقيا الشمالية، وهو الذي أدى إلى إنشاء دولة الوهابيين في الشرق، ثم اكتسحها محمد عليّ بإيعاز من الباب العالي، وتأييد من الدول الغربية عام 1820، ومع ذلك فقد بقي روح الوهابية حياً، حتى تمكن القائمون بها من الظهور مرة أخرى عام 1925 في صورة المملكة الوهابية الحديثة.

    بيد أننا نلاحظ هنا أن هذه الحركة قد وجدت الضمير الذي يعكسها لدى العالم الإسلامي الحديث، ضمير (جمال الدين الأفغاني). لقد كان جمال الدين – إلى جانب أنه رجل فطرة – رجلاً ذا ثقافة فريدة عُدّت فاتحة عهد (رجل الثقافة والعلم) في العالم الإسلامي الحديث، ولعل هذه الثقافة هي التي دفعت الشبيبة المثقفة على إثره في إسطنبول وفي القاهرة وطهران، وهي الشبيبة التي سيكون من بينها قادة حركة الإصلاح.

    إن دور جمال الدين لم يكن دور مفكر يتعمق المشكلات لينضج حلولها، فإن مزاجه الحاد لم يكن ليسمح له بذلك، لقد كان قبل كل شيء مجاهداً، ولم تكن ثقافته النادرة سوى وسيلة جدلية، مهما هبطت أحياناً إلى مستوى الجماهير، فأصبحت وسيلة نشاط ثوريّ.

    لقد كان لهذا النشاط أهمية نفسية وأدبية أكثر من أن تكون له أهمية سياسية في العصر الذي كان يعيش فيه، حين كان العالم الإسلامي غارقاً في خمود شامل، وكان من فائدة هذا النشاط أنه فجرّ المأساة الإسلامية في الضمير المسلم ذاته.

    لقد أدرك جمال الدين بصادق فطنته، ما أصاب مجتمعه من عفونة وفساد، فاعتقد أنه بدلاً من أن ينصرف إلى دراسة العوامل الداخلية التي أدت إلى هذا الوضع، يستطيع أن يقضي عليه بالقضاء على ما يُحيط به من نُظم وقوانين.

    وربما كان هذا الرأي صادقاً، لو أنه أدى إلى الثورة الضرورية، فإن الثورات تخلق قيماً اجتماعية جديدة صالحة لتغيير الإنسان، بيد أن جمال الدين لم يُحسن تشخيص الدافع إلى تلك الثورة، وما كان لثورة إسلامية أن تكون ذات أثرٍ خلاّق، إلا إذا قامت على أساس "المؤاخاة" بين المسلمين، لا على أساس (الأخوة) الإسلامية. وفرق ما بين (المؤاخاة) وبين (الأخوة): فإن الأولى تقوم على فعل ديناميكي، بينما الثانية عنوان على معنى مجرد، أو شعور تحجر في نطاق الأدبيات.

    و(المؤاخاة) الفعلية: هي الأساس الذي قام عليه المجتمع الإسلامي، مجتمع المهاجرين والأنصار. فإذا كان جمال الدين باعث الحركة الإصلاحية ورائدها، فإنه لم يكن في ذاته (مصلحاً) بمعنى الكلمة.

    وبذلك كان على الشيخ (محمد عبده) أن يواجه مشكلة الإصلاح في شتى نواحيه. ويبدو أن غريزة الأرض، التي هي جوهر النزعة الاجتماعية، إلى جانب الروح الأزهري قد أوحيا بحلول للمشكلات التي واجهت الشيخ. فلقد كان يعلم علم اليقين، أنه لكي يتحقق الإصلاح، يجب أن يبدأ خطوته الأولى من (الفرد)، ولقد وجد أساس هذه الفكرة في كتاب الله تعالى :(إن الله لا يُغيّرُ ما بقومٍ حتى يُغيّروا ما بأنفسهم) في هذه الآية التي أصبحت شعار تلك المدرسة، نجد أن نفس الفرد هي العنصر الجوهري في كل مشكلة اجتماعية، فكيف نُغيّر هذه النفس؟

    هنا يتدخل عقل الشيخ عبده الأصولي، فلقد ظن أن من الضروري إصلاح (علم الكلام) بوضع فلسفة جديدة، حتى يمكن تغيير النفس.

    بيد أن كلمة (علم الكلام) ستصبح قدراً مسلطاً على حركة الإصلاح، القدر الذي حاد بها جزئياً عن الطريق، حين حطّ من قيمة بعض مبادئها الرئيسية كمبادئ (السلفية)، أي العودة إلى الفكرة الأصلية في الإسلام؛ فكرة (السلف).

    وعلم الكلام لا يتصل في الواقع بمشكلة النفس، إلا في ميدان العقيدة أو المبدأ، والمسلم حتى مسلم ما بعد الموحدين، لم يتخلَّ مطلقاً عن عقيدته، ولكن عقيدته تجردت من فاعليتها، وصار الإيمان إيمان فرد متحلل من صِلاته بوسطه الاجتماعي. وعليه؛ فليست المشكلة أن نُعلّم المسلم عقيدة هو يملكها، وإنما المهم أن نرد إلى هذه العقيدة فاعليتها وقوتها الإيجابية، وتأثيرها الاجتماعي، وفي كلمة واحدة: إن مشكلتنا ليست في أن (نبرهن) للمسلم على وجود الله، بقدر ما هي في أن نُشعره بوجوده، ونملأ به نفسه باعتباره مصدراً للطاقة.

    الحركة الحديثة: حين اكتشفت أوروبا العالم الإسلامي لم تؤته حضارتها كلها، وإنما اقتصرت فيما اصطحبت من الأدوات على ما يُسهّل للمستعمر الحصول على رفاهيته العاجلة.

    ومع ذلك فلقد جلبت إلى أبناء المستعمرات (مدرسة) تتفق ونظرتها إليهم، وعن هذه المدرسة صدرت الحركة الحديثة في العالم الإسلامي.

    وتُناظر المدرسة في هذا التيار الحديث (المدرسة) الأخرى الناتجة عن تيار الإصلاح، فهذه تنشر بحكم مشربها فكرة إسلامية فتيّة، بينما تحاول تلك أن تُدخل إلى الحياة الإسلامية عناصر ثقافة جديدة.

    لقد قال الدكتور (إقبال) حين رأى هذا الواقع الجديد: "إن أجدر ظاهرة بالملاحظة في التاريخ الحديث هي السرعة الهائلة التي يتحرك بها عالم الإسلام في جانبه الروحي نحو الغرب"، فهل الأمر هو ذلك حقاً؟

    لقد كان ينبغي ليكون الحق مع إقبال، أن تكون أوروبا قد آتت عالم الإسلام روحها وحضارتها، أو أن يكون هو قد سعى فعلاً ليكتشفهما في مواطنهما.

    إن الأوروبي لم يفد إلى الشرق بوصفه ممدناً، بل بوصفه مُستعمِراً؛ والشاب المسلم، لم يذهب إلى أوروبا إلا لكي يحصل على لقب جامعي. ومما يلقي الضوء على هذا الرأي أن أحد طلبة جامعة الزيتونة قدم طلباً يلتمس فيه السماح باستكمال دراسته في فرنسا، فاعترضت الإدارة طلبه، وكان السبب هو: "أنه لا حاجة مطلقاً إلى السفر إلى فرنسا لدراسة اللغة الفرنسية".

    هذه الملاحظة تُبيّن بجلاء، كيف يتصور المجتمع الإسلامي دور الطالب الذي يسافر إلى أوروبا، فالهدف الوحيد أن يدرس لغة أو يتعلم حرفة، لا أن يكتشف ثقافة. لكنا لا ينبغي أن نعزو هذا الاتجاه إلى عدم اكتراث المسلم بحضارة الغرب فحسب، بل إن المدرسة الاستعمارية قد أسهمت في خلق هذا الوضع، إذ لم تكن تهتم بنشر عناصر الثقافة الأوروبية، بقدر ما تحرص على توزيع نفاياتها، التي تُحيل (المُستعمَر) عبداً للاقتصاد الأوروبي، فهي لا تسعى لاكتشاف ذكاء تلاميذها، وإنما تسعى إلى خلق آلات ذات كفاءة محدودة.

    ولا شك أن الطفل المسلم الذي يذهب إلى المدارس الاستعمارية، أخ لذلك الذي يذهب إلى مدارس التعليم الحر، وبذلك يمكن القول: إن العادات العقلية والمواريث الاجتماعية التي كانت تسم حركة الإصلاح، لا بد أن تسم الحركة الحديثة، مضافاً إليها بعض العناصر الجديدة المقتبسة من الكُتب، أو المأخوذة عن تجارب الحياة الأوروبية.

    فمنذ قرون مضت، كان الفكر الإسلامي عاجزاً عن إدراك حقيقة الظواهر، فلم يكن يرى منها سوى قشرتها؛ وأصبح عاجزاً عن فهم القرآن، فاكتفى باستظهاره، حتى إذا انهالت منتجات الحضارة الأوروبية على بلاده اكتفى بمعرفة فائدتها إجمالاً، دون أن يُفكر في نقدها. وهكذا كانت المرحلة الأولى من مراحل تجديد العالم الإسلامي، مرحلة تقتني أشكالاً دون أن تُلم بروحها. هذا الاستعداد في العالم الإسلامي لجمع منتجات مستعارة، يدلنا على ما تتم به الحركة الحديثة من طابع بدائي، إذ ليست الحضارة تكديساً للمنتجات، بل هي بناء وهندسة.

    الطرق الجديدة: (وأن هذا صراطي مُستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السُبُل فتفرق بكم عن سبيله).

    لقد قالوا: إن الحاجة هي أول عمل تاريخي شعر به الإنسان في علاقاته الاجتماعية. وهذا تعريفٌ نفعيّ يُفسر التاريخ بعملية استهلاك، إلى جانب أنه لا يتفق ومرحلة التطور التي يمثلها مجتمع ما بعد الموحدين، فلا شك أن هذا المجتمع كان يشعر ببعض الحاجات البدائية، كالحاجة إلى الأكل والشرب مثلاً، لكنه منذ سبعة قرون لم يخترع حتى يد المكنسة!

    ليس يكفي مجتمعاً لكي يصنع تاريخه أن تكون له حاجات، بل ينبغي أن تكو له مبادئ ووسائل تساعده على الخلق والإبداع، ومن هذا الوجه نرى أنه من المفيد أن نصف التطور بلغة الطاقة، فإن قانون التبادل الذي يتحكم في الحياة الاجتماعية، غير مقتصر في الواقع على مجرد التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، فإن توازناً كهذا يكون قاتلاً، لأنه يقتصر على استخدام المنتجات دون أن يعمل على زيادة القوى الإنتاجية.

    وينبغي أن نعلم أن علم الاجتماع يرى أن (الحاجة) في صورتها البدائية العاجلة ليست هي العمل التاريخي الأول، ولكنه يخلع هذا الوصف على روح المبادرة التي تخلقها وتنميها وتشبعها، وبعبارة أخرى نحن بحاجة إلى تعريف مزدوج (للحاجة)، تعريف لها في صلتها بالطاقة، وآخر صلتها بالمنفعة، فلو أننا حاولنا أن نترجم هذه الاعتبارات إلى حقل السياسة، وجب أن يكون ذلك طبقاً لوسائلنا، لا تبعاً لحاجاتنا، فلسنا إذن بحاجة إلى نظرية تهتم (بالحق) على حدة، أو (بالواجب) على حدة، فإن الواقع الاجتماعي لا يفصلهما، بل يقرنهما، ويربط بينهما، في صورة منطقية أساسية، هي التي تُسيّر ركب التاريخ.

    ومع ذلك فينبغي ألا يغيب عن نظرنا أن (الواجب) يجب أن يتفوق على (الحق) في كل تطور صاعد، إذ يتحتم أن يكون لدينا دائماً محصولٌ وافر، أو بلغة الاقتصاد السياسي (فائض قيمة). هذا (الواجب الفائض) هو أمارة التقدم الخلقي والمادي في كل مجتمع يشق طريقه إلى المجد.

    والحق أن العلاقة بين الحق والواجب هي علاقة تكوينية تُفسر لنا نشأة الحق ذاته، تلك التي لا يمكن أن نتصورها منفصلة عن الواجب، وهو يعد في الواقع "أول عمل قام به الإنسان في التاريخ". فالسياسة التي لا تُحدث الشعب عن واجباته، وتكتفي بأن تضرب له على نغمة حقوقه، ليست سياسة، وإنما هي (خرافة)، ليس من مهمتنا أن نُعلّم الشعب كلمات وأشعاراً، بل أن نُعلّمه مناهج وفنوناً.

    سيكون على مجتمع ما بعد الموحدين إذن، أن يُخفف من نزوعه إلى المطالبة بالحقوق، لكي يفرغ لاستخدام الإنسان والتراب والوقت استخداماً فنياً لاستحداث تشكيل اجتماعي، ينتج من تلقاء ذاته (الحق)، وذلك بمقتضى الاقتران الوثيق بينه وبين الواجب، فرسم سياسة معينة معناه إعداد الإنسان لصنع التاريخ.

    ويبدو لنا أن هذا الشرط قد بدأ يتحقق في واقع العالم الإسلامي، منذ قضية فلسطين، فهي بلا ريب أعظم الأحداث بركة في تاريخ العالم الإسلامي الحديث.

    لقد حللت قضية فلسطين الفوضى، التي أقام فيها هذا العالم حيناً بسبب بعض الاتجاهات الفوضوية في نهضته، فكشفت جميع القيم الباطلة، والأوهام السائدة التي كانت تُزيّف له توقعات مستقبله.

    لقد استهلت هزيمة فلسطين عهداً جديداً في النهضة الإسلامية، فلم تعد الخرافات قائمة أمام واقع انبلج، وقد كان مستوراً بهالة من الفلسفات العاطفية، وبذلك تلقى الذُّهان الرهيب (ذهان السهولة)، ضربة قاتلة، فخلا الضمير المسلم إلى نفسه، يُفكر في أسباب ضعفه.

    وكانت من نتائج قضية فلسطين أيضاً أن تطرقت هذه الفكرة إلى مجال الاهتمام الرسمي، يشهد بذلك تجربة الإصلاح الزراعي في سورية، فللمرة الأولى في العالم الإسلامي الحديث تواجه مشكلة الإنسان والتراب والوقت، ويُنص عليها في دستور قومي، وقد كان في حسبان هذه التجربة أن تعمل على تحضير البدوي المترحل، وأن تجهد في تكييف التراب في ضوء الحالة العامة للشعب.

    هذا الإصلاح الذي تطبقه سورية اليوم، لا بد أن يؤدي إلى تغيير شامل في بناء المجتمع الإسلامي، وذلك واضح من الوجهة الاقتصادية.

    أما الأثر الذي ينشأ من دخول الإنسان البدوي ميدان الحياة الاجتماعية، فهو أنه سيزيد – دون شك – من مقدار الطاقة الإنسانية للدولة، ويُغيّر شروط الحياة النفسية بما يُضيف إليها من خمائر بدوية، بل إنه سيؤدي إلى إخصاب فطرة الطبقة البورجوازية في دمشق – وهي فطرة واهنة – بما تحمله البداوة من فطرة عذراء.

    والنهضة الإسلامية تبدو، وكأنما تريد أن تتخلص من فوضاها، وهي تتطلع منذ عهد قريب إلى النظام والتنظيم، فإذا ما بلغت غايتها تلك، فإن معنى هذا أن الفرد المتحلل القابل للاستعمار، قد دخل نطاق الحياة المُنتجة، وتفسير ذلك في الإطار الجماعي: أن مجتمع ما بعد الموحدين يسعى نحو مرحلة من الحضارة تتسم بتركيب أصيل لعبقريته الإسلامية الخالصة مع العبقرية (الحديثة).

    لكن هذا يقتضي معرفة متعمقة للإنسان وإمكاناته ونقائصه، وتقصياً واعياً للقيم الاجتماعية في الإسلام، فعلم النفس وعلم الاجتماع ضروريان إذن للكشف عن القيم الجديدة في النهضة الإسلامية، وعن الطرق الجديدة التي تزري بها بعض خرافات متخلفة عن عصر ما بعد الموحدين.

    وعليه، فلكي نعرف الإنسان، ينبغي أن نعرف أنفسنا، وذلك أمر لا يتيسر لقادة العالم الإسلامي، إلا إذا قاموا بعملية استبطان دقيق لذواتهم، واختبار قاس لضمائرهم.

     

     

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:337
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:220
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك