• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 17-04-2018
  • المؤلف: ستيفن آر كوفي
  • الناشر: جرير
  • عدد الصفحات:407
  • عدد الاستماع للحلقة: 231
  • إن الغاية من هذا الكتاب هي منحك خريطة طريق سوف تقودك للخرج من ذلك الألم والإحباط إلى الإشباع والأهمية والقيمة والمساهمة الحقيقية في ساحة العالم الجديد. ليس في عملك ومؤسستك فحسب، بل في حياتك كلها أيضاً. باختصار سيقودك الكتاب إلى إيجاد صوتك.
    06
    مارس
  • 113: عليّ شريعتي،
  • كتب في: 06-03-2018
  • المؤلف: عليّ رَهنِما
  • الناشر: الانتشار العربي
  • عدد الصفحات:810
  • شريعتي: أما يزال مُلهِماً؟ تدفق إنتاج عليّ شريعتي المزيناني غزيراً ما بين كتابات ومحاضرات في الفترة من 1966 إلى 1976، ومثّلت لغته وأفكاره وتفسيراته طرحاً جديداً يختلف عمّا جاء به أولئك الذين تربعوا على المشهد الفكريّ الإيراني آنذاك، فقد كان شريعتي مُثقفاً شيعياً "مُبتدعاً"، يتكئ تارةً على الخطاب الديني فينفرُ منه المثقفون اليساريّون، وينهل تارةً من المفاهيم الغربية فتستاء منه المؤسسة الدينية. وما من شكٍ في أن الطريقة التي قرّب بها شريعتي المسافة بين الفكر الغربي الحديث (في شكله اليساريّ تحديداً) والقراءات الجديدة للإسلام، ما من شك في أنها لقيت قبولاً لدى طيفٍ واسع من الشباب الإيراني. تُوفي عام 1977م، بيد أن الثورة حين انطلقت ونجحت ثم عزّزت أركانها وُضِعت أفكارُ شريعتي في سياقها و

    شريعتي: أما يزال مُلهِماً؟

    تدفق إنتاج عليّ شريعتي المزيناني غزيراً ما بين كتابات ومحاضرات في الفترة من 1966 إلى 1976، ومثّلت لغته وأفكاره وتفسيراته طرحاً جديداً يختلف عمّا جاء به أولئك الذين تربعوا على المشهد الفكريّ الإيراني آنذاك، فقد كان شريعتي مُثقفاً شيعياً "مُبتدعاً"، يتكئ تارةً على الخطاب الديني فينفرُ منه المثقفون اليساريّون، وينهل تارةً من المفاهيم الغربية فتستاء منه المؤسسة الدينية. وما من شكٍ في أن الطريقة التي قرّب بها شريعتي المسافة بين الفكر الغربي الحديث (في شكله اليساريّ تحديداً) والقراءات الجديدة للإسلام، ما من شك في أنها لقيت قبولاً لدى طيفٍ واسع من الشباب الإيراني. تُوفي عام 1977م، بيد أن الثورة حين انطلقت ونجحت ثم عزّزت أركانها وُضِعت أفكارُ شريعتي في سياقها وخارجُ سياقِها، وقُولبت في شكل حقائقَ أبديّة، وعاملها البعضُ كما تُعامل النبوءات، في حين ظلّت لدى آخرين مُهانة ملعونةً وممنوعة.

    أُنجز القسمُ الأكبر من هذا الكتاب بين عاميّ 1992 و1997 أي بعد عشرين عاماً من وفاة عليّ شريعتي، واليوم وبعد عقود من وفاته واستقبال طبعة جديدة من سيرته، يُلحّ علينا ذلك السؤال المُعتاد: تُرى هل تجاوز الزمنُ أفكار شريعتي؟ هل ذبلت راهنية أعماله بالنسبة إلى ظروفنا ومشكلاتنا اليوم؟ وهل في كتاباته أفكارٌ أساسية تقاوم الزمن وتكشف شيئاً جديداً لكل جيل جديد يقرؤها؟ وبصرف النظر عن حياته المثيرة حقاً، هل ما في أفكار شريعتي، ذلك الأيقونة المتمرّدة، ما يستحق أن نوثقه ونتمسك به؟

    شريعتي من الطفولة إلى الرشد: كان ذلك في الرابع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1933 حين رُزق محمد تقي شريعتي وزوجته زهرة أميني ولدهما البكر عليّاً، في منزل جده لأمه بقرية كهك، نشأ عليّ بين أخواته الثلاث طاهرة وطيبة وبتول في كنف أسرة حضرية من أدنى الطبقة الوسطى.

    وإذ ولد شريعتي لأسرة متواضعة فقد أدرك باكراً في حياته أن الاستقامة والصلاح الأخلاقي هما اللذان يجلبان الاحترام والمكانة الاجتماعية، لا المال.

    التحق عليّ شريعتي بالصف الأول الابتدائي في خريف 1941، لم يكن في تلك المرحلة يُخالط الأطفال الآخرين، بل كان هادئاً حيياً يفرض على نفسه العُزلة عمّا يقوم به زملاؤه. يقول أحد زملائه إنه لم يكن يختلط كثيراً بالآخرين ولم يكن يلعب كرة القدم التي كانت الرياضة الجماعية السائدة بين الصبيان في تلك السن، وقد جاءت كتابات شريعتي نفسه تؤكد هذا الحس الانعزالي في طفولته. بل حتى بين ضيوف أسرته وأصدقائها كان دائماً ما ينسحب بهدوء، وحين كان يجلس بين الضيوف كان يغوص في أفكاره ويتحدث مع نفسه مبتسماً تارة وعابساً تارة أخرى. لذلك كان أصدقاؤه وأقاربه يتندرون عليه كلما ضبطوه مستغرقاً في أحلام اليقظة، فيجفل عنهم في صمت. في بعض الأحيان حين يسأله الناس عن شيء أو ينتظرون إجابة ما وهو منغمسٌ في أفكاره، كان يُعلق بكلام غير مترابط وغير مفهوم، بل قد يكون مضحكاً أحياناً.

    لم يكن علي مهتماً بدروسه أو متحمساً لها كي يجدّ في الدراسة، وكان يبغض المذاكرة ويحاول أن يفعل أي شيء ليتملص من فروضه المدرسية، بيد أن صرامة والده كانت تُجبره على إنجاز الفروض على عجل في الصباح قبيل الذهاب إلى المدرسة.

    غير أنه كان شغوفاً بالقراءة، يذكر والده لحظات القلق التي تُصيبه حيال صحة ابنه منذ أن كان في الصف الخامس والسادس الابتدائي؛ إذ كان عليٌّ يقرأ مع أبيه إلى وقتٍ مُتأخر من الليل وأحياناً إلى ساعات الصباح الأولى، حتى بعد أن يخلد والده إلى النوم. ويقول عليّ إن علاقته بمكتبة والده ذات الألفيّ كتاب بدأت في سنواته الأولى من المدرسة الابتدائية، ويتذكر كيف أنه منذ ذلك الوقت انكبّ على الكتب حتى أصبحت أعزّ أصدقائه. لذلك يبدو أن عليّاً استبدل بالتعلّم المدرسيّ التعلّم المنزلي حيث كان بإمكانه أن يقرأ ما يُثير اهتمامه وشغفه.

    المدرسة الثانوية: في عام 1947 التحق عليّ شريعتي بمدرسة "الفردوسي" الثانوية بعد أن أنهى المرحلة الابتدائية، وقد التحق عليّ بهذه المدرسة لأن والده كان معلماً منتظماً ومحترماً فيها، يُدرّس اللغة العربية والأدب.

    في هذه المرحلة كان عليّ محبوباً بين زملائه الذين اعتبروه تلميذاً كسولاً لكنه اجتماعيّ حُلو المعشر. وكان ومعروفاً بهدوئه وحكمته وسرعة بديهته وتعليقاته الذكية الطريفة التي تكسر الصمت وتشيع الضحك بين التلاميذ، ما يُغضب المعلمين منه.

    اجتاز عليّ الصف التاسع، لكنه بدلاً من مواصلة الدراسة إلى دبلوم الشهادة الثانوية اتخذ مساراً آخر، فنزولاً على رغبة والده دخل في عام 1950 امتحان القبول في كلية المعلمين.

    كانت في الكلية جماعة للمناظرات اشترك فيها شريعتي، ثم ترشح لرئاستها، لكنه لم ينجح، كما شارك في أنشطة ثقافية ومسرحية ينظمها الطلاب مرة أو مرتين في الشهر.

    كان عليّ "خفيف الدم"، يذكر صديقه دانش طلب أنه ذات يوم في ملعب الكرة بدأ عليّ يقذفه بأحجار، فسأله دانش طلب وهو يتفادى الأحجار بضحك لماذا يفعل ذلك، فأجاب: "إنما هي مساعدات اقتصادية من دول متقدمة إلى دولٍ متخلفة".

    تخرج عليّ في كلية المعلمين عام 1952، واستلم في خريف السنة نفسها وظيفة من وزارة التعليم في مدرسة "كتاب بور" الابتدائية يُدرّس جميع المواد لجميع الصفوف.

    عليٌّ الطفل الراشد: في حديثه عن فترة مراهقته وشبابه يُقدم لنا عليّ شريعتي صورة يسودها شيء من "اليأس" و"الوجد". أما اليأس فيعزوه شريعتي إلى الدراسات الفلسفيّة، وأما الوجد فجاءهُ نتيجة لانخراطه في التصوف. وكانت هذه العزلة الاجتماعية بالنسبة إليه نتيجة لدور "الناصح" الذي كان مُلزماً به لتقديم أجوبة وتفسيرات حين يُحار الآخرون في "المشكلات العلمية والفلسفية والدينية والسياسية والأدبية". يقول شريعتي: "دفعتني ظروفُ معيشتي، وتعليمي، وأفكاري، وبالأخص روحي، إلى أن أشيخَ باكراً في طفولتي".

    مع السنوات غدا الحسّ بالأسى والقلق والكآبة المفروضة ذاتياً ملمحاً مهماً في شخصيته، إذ يذكر شريعتي أنه منذ سنّ السابعة عشرة كان يشعرُ بأنه سجين. فاشتاق إلى أن يُنهيّ عذابات انفصاله عن الله بــ"تجاوز الجدار إلى الجانب الآخر". وبدا في بعض الأوقات أن كان يستمرئ حالته هذه ويُرحب بها لاقتناعه أن العذاب كان الثمرة الطبيعية لمعرفة جوانية ونور جوّاني لا يحصل عليهما إلا قلّة مختارة..."

    عليّ وكتبه: ما بين عام 1947 حين التحق بالمدرسة الثانوية ومغادرته إلى باريس عام 1959 انقسمت قراءاته إلى أربعة مجالات رئيسة: القراءات الفلسفية، وكتب التصوف التي تبعت فترة من الاكتئاب الناجم عن القراءات الفلسفية، والقراءات السياسية التي بدأت نحو عام 1950 مع حركة تأميم النفط، والأدب والشعر على نحوٍ خاص، وهو شغفه الحقيقي الذي خصص له ربما أكثر الوقت.

    وأما أول كاتب يبدو أنه ترك أثراً عميقاً في نفس شريعتي منذ السنة الأولى في الثانوية فهو الكاتب والشاعر البلجيكي موريس ماترلينك، يقول شريعتي إن ماترلينك هو الذي حثّه على التفكّر في الحقائق القابعة خلف الوقائع التي نُبصرها، ويرد له الفضل في تبصرته بعالم أبعد من المظاهر الواضحة.

    المثقف الشاب والناشط السياسي: بدأ نشاط عليّ شريعتي في السياسة فعليّاً حين كان طالباً في كلية المعلمين.

    بدا نشاطه الحزبي عام 1950، لكن وعيه الاجتماعي – السياسي كان قد تهيأ مسبقاً في "مركز نشر الحقائق الإسلامية". حين تأسس المركز كان عليّ في الحادية عشرة من عمره، وحين بلغ الخامسة عشرة كان المركز قد غدا مؤسسة دينية حداثية لها مكانتها. وكان محمد تقي شريعتي والمتحدثون الآخرون في المركز يطرحون قضايا تنويرية تستفز مدارك الطلاب الذين كان وعيهم بالقضايا الاجتماعية يزداد يوماً بعد يوم. وكان من المعتاد في الليالي التي يتوعك فيها محمد تقي أن يحلّ محلّه طاهر أحمد زاده، وحين توعك الاثنان عام 1953 أصبح عليّ شريعتي هو المتحدث الرئيس.

    شريعتي مُحرِّضاً سياسياً: كان عليّ شريعتي قد عُرف في دوائر مشهد السياسية والإسلامية إبّان حركة تأميم النفط وبعد الانقلاب بتمكنه في المفاهيم الأيديولوجية والسياسية والفلسفية. ورغم أنه كان يُنظر إليه بوصفه مُنظّراً أيديولوجياً أكثر منه مناضلاً، إلا أنه لم يكن محصناً ضد موجة الحِراك السياسي التي اجتاحت البلاد. فقد شارك شريعتي قبل الانقلاب وبعده في الدعاية السريّة لتنظيمه السياسي، وكان كثيراً ما يخرج في جنح الظلام مع رفيق النضال أكبر صفوية يكتب شعارات داعمة لمصدّق ومناهضة للشاه على جدران مشهد.

    كما يذكر فخر الدين حجازي أن شريعتي كان يستخدم منزله مقراً لبعض العمليات حين كان ناشطاً في "حركة المقاومة الوطنية"، إذ كان منزله خارج المدينة وأقل انكشافاً. ومن بين العمليات التي خُطط لها من منزل شريعتي حرق البوابة الرئيسة للقنصلية البريطانية، وتنظيم تظاهرة في بازار مشهد في اليوم التالي.

    على الرغم من أن شريعتي كان في هذه المرحلة عضواً حزبياً ناشطاً ومُحرِّضاً سياسياً، إلا أن اهتمامه وشغفه الرئيس كان بالكتابة. وفي الفترة 1951 – 1955 يمكن تقسيم أعماله إلى ثلاثة أصناف: الترجمات، والمقالات الاجتماعية – السياسية والنظرية والسِيَر في بعض الأحيان في صحيفة خراسان المرموقة، والشِعر.

    الترجمات: في عام 1948 كان محمد تقي شريعتي قد أشار بحماسة بالغة في "مركز نشر الحقائق الإسلامية" إلى كتاب ماتع شديد الفائدة عنوانه أبو ذر الغفاري م تأليف الكاتب المصري المعاصر (حينذاك) عبد الحميد جودة السحار. وقد أفضى مديح محمد تقي إلى أن يطلب منه أصدقاؤه ترجمة الكتاب، فوعدهم بذلك، بيد أن مسؤولياته الكثيرة حالت بينه وبين الترجمة، فلم يُنجز منها سوى المقدمة، في عام 1951 قرر عليّ شريعتي ترجمة الكتاب بعد أن قرأه في كلية المعلمين، وبدأ الترجمة بدعم من والده. بيد أن شريعتي لم يكتف بترجمة نصّ الكتاب كما هو، بل إنه وحسب اعترافه أضاف تأملاته الشخصية وبحثهُ المستقل وتعليقاته. وبالفعل كانت حاشية الكتاب كبيرة حتى غدا من المستحيل التمييز بين أفكار شريعتي وأفكار عبد الحميد السحار.

    نُشِرت الطبعة الأولى من الكتاب عام 1955 بعنوان (أبو ذر الغفاري: الاشتراكي المؤمن)

    ومن الواضح أن شريعتي اختار العنوان الفرعي للكتاب ليبرز أبا ذر الغفاري بوصفه النموذج الكامل للاشتراكيين المؤمنين، وإذ كان عضواً في "حزب الشعب الإيراني" الذي اُعتبر نفسه معتنقاً مبادئ الاشتراكيين المؤمنين ومرتكزاتهم فقد أراد شريعتي أن يكون أبو ذر الغفاري التشخيص الفعليّ لأيديولوجيتهم.

    سنوات الجامعة: اُفتتحت كلية الآداب في مشهد في عام 1955، وكان عليّ شريعتي من ضمن الدفعة الأولى فيها، ضمت تلك الدفعة أربعة وعشرون طالباً وطالبة، منهم رجل دين واحد، وكان ثُلثهم من الإناث.

    في المحاضرة الأولى من مادة الأدب قدّم أستاذ المادة أبو القاسم حبيب اللهي عليّ شريعتي إلى زملائه على أنهُ شخصية أدبية واعدة، إذ كان مُطلعاً على كتابات شريعتي. وما تزال زوجته بوران شريعت رضوي تتذكر ذلك اليوم حين أُعجبت بمديح أستاذها للشاب الخجول الذي منعه الإحراج من رفع عينيه عن الأرض.

    ورغم أن شريعتي درس العديد من المقررات في الجامعة على أيدي العديد من الأساتذة إلا أن السيد أحمد الخراساني هو الوحيد الذي ترك فيه تأثيراً دائماً من عدة جهات.

    كان الخراساني ثائراً على التقاليد، وكان دائم الخلاف مع المؤسسات القائمة ورجال الدين والشخصيات المعتبرة في المشهد الأدبي، وكان يعتبر نفسه مرجعاً في النحو الفارسي خبيراً بالنصوص الفارسية القديمة...

    كان الخراساني يحظى بتقدير وإكبار لدى بعض الطلاب وباستهجان البعض الآخر، بيد أن محاضراته كانت جذابة ممتعة.

    ولقد تأثر شريعتي بأسلوبه التدريسي لدرجة أن بقايا من هذا التأثير ظهرت في طريقة تدريس شريعتي نفسه بمجرد عودته إلى جامعة مشهد أستاذاً.

    السجن والزواج والتخرج: ما بين عاميّ 1957 و1959 كانت هناك ثلاث حداث جرفت حياة شريعتي خارج مجراها الطبيعي. وبالترتيب الزمني فقد اُعتقل وسُجن في السادس عشر من أيلول سبتمبر عام 1957، ثم تزوج بوران شريعت في الخامس عشر من تموز يوليو 1958 وأخيراً حصل على البكالوريوس وبعثة دراسية إلى فرنسا في كانون الأول ديسمبر 1958

    على الصعيد السياسي صادق البرلمان الإيراني على الاتفاقية بين شركة النفط الإيراني الوطنية وشركة "أكيب"، وهي شركة نفط إيطالية دعت إلى إنشاء شركة مشتركة باسم "سيريب". وكرد فعل على هذه التطورات نشرت "حركة المقاومة الوطنية" سراً منشوراً من 24 صفحة بعنوان "النفط" أشار إلى تنامي التبعية السياسية والاقتصادية للغرب وبأن حالة الخضوع تلك كانت نتيجة لاتفاقية إيران مع ائتلاف الشركات النفطية بعد سقوط محمد مصدّق. ولقد آثار هذا المنشور حفيظة الحكومة الإيرانية، فشرعت القوى الأمنية في عملية اعتقالات هائلة لأعضاء الحركة والمتعاطفين معها.

    كان لاعتقال هذه المجموعة تبعات كبيرة، ليس في مشهد فحسب بل حتى في طهران، إذ استجوب النائب البرلماني جعفر البهبهاني رئيس الوزراء إقبال حول أسباب حملة الاعتقالات تلك، فأجاب إقبال بأن هذه المجموعة متهمة باعتناق أفكار محمد مصدّق. ويبدو أن عليّ شريعتي كان قد أصبح شخصية معروفة في سجن "قزل قلعة" حتى قبل وصوله، ووفقاً لما كتبه من مذكرات فقد كان الجنرال تيمور بختيار (الذي كان رئيساً لجهاز السافاك الجديد آنذاك) يبحث عن شريعتي تحديداً بين المعتقلين. وحين قُدّم إليه في رواق السجن هزأ به قائلاً: "إذاً فأنتَ شريعتي الذي يتحدثون عنه. كنتُ أظن أننا اصطدنا فيلاً!".

    كان لتجربة الاعتقال والسجن أثرٌ بالغ في شريعتي، ولقد أتعبته رحلته الطويلة نسبياً في البحث عن الذات التي بدأها عام 1955. هكذا عاد شريعتي بعد إطلاقه إلى دراسته وحياته الطبيعية، بيد أن الاستياء الذي كان يحمله للنشاط السياسي قد استحال كراهية لما أصبح يعتبره فعلاً عقيماً.

    أما ثاني أهم حدث في حياة شريعتي فكان زواجه من بوران شريعت. ثمة روايات عن انجذاب شريعتي إلى بوران تؤكد أن لشخصيتها القوية دوراً كبيراً في جاذبيتها.

    أما الحدث الثالث الذي غيّر مسار حياته كلياً فهو حصوله غير المتوقع على بعثة دراسية إلى فرنسا.

    الملاحظة والتأمل الذاتي والتأقلم:لطالما مرّ شريعتي بشيء من الكآبة بسبب مزاجه وسعيه المستمر إلى أن يعرف ذاته الحقيقية ويفهمها ويجد معنى للحياة ويُفسر العلاقة بين الإنسان والطبيعة والله، أرسل إلى صديقه أكبر صفوية بطاقة بريدية يقول فيها إنه على ما يُرام من الخارج، ولكن "على المستوى النفسي ظلّت العلّة نفسها والمشكلات نفسها التي كانت موجودة، بل ساءت" واقتبس من جلال الدين الرومي فقال: "من كان عدوه ظِلّه فليس بمأمنٍ في الهند ولا في اليمن".

    على أن تطوراً لافتاً حدث في نفسية شريعتي يمكن رؤيته في رسائله المكتوبة بعد سبعة أو ثمانية أشهر من وصوله إلى باريس، وكان هو نفسه واعياً هذا التحول. يقول: "ليتني ما جئتُ إلى هنا ولم أذق طعم الحرية. كان عليّ أن أبقى هناك وأقرأ عنها في الكتب فقط". هذا التطور جاء من فهمه ومعرفته المتنامية بالمجتمع الذي أصبح يعيش فيه. ذوت قوميّة شريعتي وإسلامويّته وحلّت محلها نظرة متفتحة على العالم أكثر.

    في باريس قرأ شريعتي أعمال "ماسينيون" ومن كتابيه آلام الحلاّج شهيد التصوف الإسلامي وسلمان باك والبواكير الروحية للإسلام الإيراني، استخرج كوكبة من الرموز والثيمات والأفكار التي خدمته في تطوير خطابه الأيديولوجي.

    ورغم قول شريعتي أنه ترجم كتاب "ماسينيون" عن الحلاّج، إلا أنه لم ينشره قط ولا نملك أي دليل على أنه عمل على هذه الترجمة في مشهد. مع ذلك يبقى السؤال: لماذا في عام 1964 اختار شريعتي أن يُترجم وينشر بحث "ماسينيون" حول سلمان وليس الحلاّج؟ إن كان يريد أن يتيقن أكثر ويُصرّح بمعتقده العرفاني، ألم يكن الحلاّج سبيلاً أفضل ورمزاً أكثر شهرة؟ ألم يكن الحلاّج الذي اُستشهد من أجل التعبير الحُرّ عن أفكاره وتجاربه رمزاً دينياً – سياسياً أكثر أهميّة من سلمان؟

    لو أن شريعتي بدأ خطوته الأولى في هذا الطريق بمقال حول الحلاّج لأثار كثيراً من الجدل. فالحلاّج المعروف بمقولته "أنا الحق" كان البُعبع الصوفيّ، كما أن الصوفيّة نفسها كانت دوماً مثارُ شبهة وإتهام لدى التيار الإسلامي السائد. لذلك فكتابة مقال حول عرفان الحلاّج كان سيُجدد العداء القديم بين المحافظين المؤمنين بالشريعة والمبتدعين المناصرين للطريقة (الصوفية). كان يمكن لمقال "ماسينيون" عن الحلاّج أن يُثير استياء المؤسسة الشيعية الإيرانية لأن بها بعض المقولات التي يمكن أن تُفسَّر بأنها مُناصرة للسُنّة.

    خطابُ شريعتي وجمهوره في جامعة مشهد: في النصف الثاني من الستينيات كان الطلاب المتسيّسون في الجامعات الإيرانية مُتأثرين على درجات متفاوتة بالتيارات اللينيّة والماويّة والكاستروية (نسبة إلى فلاديمير لينين وماو تسي وفيدل كاسترو).

    والغالبية العظمى من جمهور شريعتي من الطلاب الإيرانيين كانوا يندرجون تحت ثلاثة أصناف: صِنف اعتبر الدين شأناً خاصاً، وصِنف لم يكن له اهتمام ديني، وصِنف أصبح يُعارض الدين. في هذا المناخ إذاً أطلق شريعتي أفكاره المرتكزة على الإسلام بوصفها قوة اجتماعية ذات توجه ثوريّ تغييري. وفي حين أن أعداداً كبيرة من غير الناشطين سياسياً كانت تستميلهم فصاحة شريعتي الشعرية، وجد الماركسيون في شريعتي شخصية غامضة لم يعرفوا كيف يقيّمون حُججها ودوافعها الحقيقية. كان محبوباً جداً بحيث لا يمكن إهماله، وذكياً جداً بحيث لا يمكن الإيقاعُ به. لقد استخدم شريعتي أدواتهم الفكرية، ووظف بعض تصنيفاتهم وتعابيرهم ومفاهيمهم التي كانت تناسب أهدافه، لكنه شرح هذه المفاهيم عبر قراءة جديدة وتفسير جديد للإسلام والقرآن. عرّف شريعتي في محاضراته المجتمع الإسلامي المثالي الذي يهدف إليه بوصفه مجتمعاً متحرراً من "الطغيان السياسي" "والرأسمالية والاستغلال" "والمؤسسة الدينية الفاسدة التي تُقدّم ديناً رجعيّاً".

    حسينية الإرشاد:في عام 1960 أقام أحمد عليّ بابائي مجموعة من اللقاءات في منزله، وذلك في شهر صفر شهر الحزن والبكاء (في الثقافة الشيعية)، غير أن هذه اللقاءات خلت من طقوس الحزن التقليدية التي كانت معهودة في ذكرى استشهاد الإمام الحسين. وحلّ محلها محاضرات تتناول الجوانب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من الدين. ولم يكن المتحدثون في هذه الاجتماعات من ذلك النوع الديني التقليدي، بل كانوا حداثيين إسلاميين يسعون إلى ربط الدين بالواقع. والجمهور نفسه كان مختلفاً أيضاً.

    وفي نيسان / أبريل 1963 سوّرت مساحة كبيرة ونُصبت خيمة فسيحة كانت نواة لمقر حسينية الإرشاد، التي اكتمل بناؤها في شتاء 1967، وسُجلت قانونياً كمؤسسة خيرية.

    استطاع عليّ شريعتي بمظهره وأدائه أن يترك انطباعاً قويّاً من أول محاضرة له في حسينية الإرشاد، وقد اجتذبت محاضرته جمهوراً كبيراً.

    ألقى شريعتي في الشهور الستة الأولى سبع محاضرات. من هذه المحاضرات واحدة عنوانها "إقبال مُصلح هذا القرن"، وهي جزء من سلسلة محاضرات احتفائية بالعلاّمة محمد إقبال.

    ولعلّ هذه المحاضرة هي النقطة الفاصلة في مسار شريعتي الفكري؛ فمنذ عودته إلى إيران تأثر تأثراً عميقاً بالعرفان، غير أن محاضرته هذه وفقت بين نزعتين تبدوان متعارضتين في نفسه وفي داخل الإسلام. كان شريعتي ومتذبذباً بين السياسة التي تتضمن حياة اجتماعية نشيطة، وبين العرفان الذي يتطلب اعتزال الناس، فبيّن في هذه المحاضرة أن الإسلام الحقيقي إنما يكمن في التوليف بين الأمرين. في هذه الفترة من حياته تحوّل من مفهوم إفناء الذات في الله (في الصوفية الكلاسيكية) إلى إفناء الذات في الناس. هكذا نجد شريعتي يعود إلى الطريق المُفضيّ من العرفان إلى النشاط السياسي، وهي طريق مرّ بها شريعتي غدواً ورواحاً غير مرة في حياته.

    كان شريعتي موقناً أن طلاب الثانوية والجامعات هم من سيتلقون أفكاره. قال لهم ذات يوم: "كيما يبدأ المرءُ نضالاً حقيقياً، عليه أن يعتمد على الناس، خصوصاً الجيل الشاب المثقف، فهم ما أن يؤمنوا برسالته حتى يُضحّوا بكل شيء في سبيل ما يؤمنون به". هكذا أخذ شريعتي يدفع أفكاره ومقولاته إلى حافة الثورية والهدم، على الصعيدين الديني والسياسي.

     

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:351
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:244
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك