• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 17-04-2018
  • المؤلف: ستيفن آر كوفي
  • الناشر: جرير
  • عدد الصفحات:407
  • عدد الاستماع للحلقة: 361
  • إن الغاية من هذا الكتاب هي منحك خريطة طريق سوف تقودك للخرج من ذلك الألم والإحباط إلى الإشباع والأهمية والقيمة والمساهمة الحقيقية في ساحة العالم الجديد. ليس في عملك ومؤسستك فحسب، بل في حياتك كلها أيضاً. باختصار سيقودك الكتاب إلى إيجاد صوتك.
    17
    أبريل
  • 114: ذكريات، الجزء السادس
  • كتب في: 17-04-2018
  • المؤلف: عليّ الطنطاوي
  • الناشر: دار المنارة
  • عدد الصفحات:285
  • تعليقٌ على مقالة وجوابٌ على رسالة: أنا أقرأ كل مجلة وكل كتاب يصلُ إليّ وأُطالعه وأمرُ عليه بنظرةٍ شاملة، إن لم تحط بتفاصيله فإنها تلمّ بمجمله، ولكني لا أجدُ فضل همة أمشي بها إلى حيثُ تُشترى المجلة أو الكتاب. وقد حمل إليّ وأنا أُعدّ هذه الحلقة جارنا السيد نادر البارودي مجلة "الوطن العربي" فوجدت فيها مقالة طويلة عنوانها "السلفيون خطفوا من الحركات السياسية شباب هذا الجيل" وبدأ الكاتب مقالته بكلمة للدكتور زكي نجيب محمود يقول إنه أوردها بكبرياء العَاِلم، وترفع المثقف. وضعت خطاً أحمر تحت كلمة "خطفوا" وخطاً تحت كلمة "كبرياء العَالِم"، ثم وجدت أنني إذا مشيت إلى آخر المقال امتلأ بالخطوط الحمراء كما يمتلئ بالدم الجسد، فرفعتُ القلم وقعدت أُفكر. أليس

    تعليقٌ على مقالة وجوابٌ على رسالة:

    أنا أقرأ كل مجلة وكل كتاب يصلُ إليّ وأُطالعه وأمرُ عليه بنظرةٍ شاملة، إن لم تحط بتفاصيله فإنها تلمّ بمجمله، ولكني لا أجدُ فضل همة أمشي بها إلى حيثُ تُشترى المجلة أو الكتاب.

    وقد حمل إليّ وأنا أُعدّ هذه الحلقة جارنا السيد نادر البارودي مجلة "الوطن العربي" فوجدت فيها مقالة طويلة عنوانها "السلفيون خطفوا من الحركات السياسية شباب هذا الجيل" وبدأ الكاتب مقالته بكلمة للدكتور زكي نجيب محمود يقول إنه أوردها بكبرياء العَاِلم، وترفع المثقف.

    وضعت خطاً أحمر تحت كلمة "خطفوا" وخطاً تحت كلمة "كبرياء العَالِم"، ثم وجدت أنني إذا مشيت إلى آخر المقال امتلأ بالخطوط الحمراء كما يمتلئ بالدم الجسد، فرفعتُ القلم وقعدت أُفكر.

    أليس في هذا العنوان هجاء ظالمٌ لشباب هذا الجيل، إذ يجعلهم متاعاً كبعض المتاع يُسرق أو يُخطف، فلا يملك منعاً ولا دفعاً، وينسى أن لهم عيوناً تُبصر الطرق المفتحة أمامهم، وآذاناً تسمع الدعوات المعروضة عليهم، وعقولاً تختار من الطرق أقومها، ومن الدعوات أحسنها. أليست هذه هي "الديموقراطية" التي توجعون بها آذاننا، وتصدعون بها رؤوسنا؟ أفئن اختار الشباب من بين الدعوات التي تصخب بكثرتها الآذان، بل أئذا نبذها الشباب كلها واختاروا منها الدعوة إلى الإسلام، تنسون ديموقراطيتكم، وتسلبونهم في الاختيار حريتهم، وتريدون أن تفرضوا رأيكم عليهم؟

    وإذا كان الله قد هدى الشباب إلى الحق، وأراهم طريقه فسلكوه، فلماذا تُناقضون أنفسكم وتنسون أن شريعة الديموقراطية التي تؤمنون بها تجعل حق الاختيار لهم؟

    وتحت هذا العنوان الكبير للمقالة عنوانٌ آخر هو "لماذا يُصبح التلفزيون العربي وقفاً على الشيخين الشعراوي والطنطاوي، والسلفيين؟".

    ويسأل لماذا لا يأتون إليه بمن سماهم الكاتب: المُفكرين والكُتاب القوميين والعلمانيين؟ هذا هو منطق الكاتب وأمثاله: يُعطون الناس حق الاختيار بحكم الديموقراطية، ثم يريدون أن يسلبوهم هذا الحق وأن يفرضوا عليهم غير ما يرون.

    إن الذي يُغيظ الكاتب وأمثاله هو هذه الرجعة إلى الدين، هذه الصحوة الإسلامية، وأن علماء المسلمين ودعاة الإسلام هم الذين صاروا قادة الشباب، وهذا كلامه بحروفه يقول: "فمعظم الذين يمسكون اليوم بزمام هذه الكتلة البشرية هم من المدرسة السلفية ذاتها، مدرسة حصار الإسلام في إطاره السلفي والتاريخي، مدرسة العودة إلى الممارسة التاريخية الأولى بكل بساطتها وعفويتها، ومحاولة فرضها على العصر".

    وهذه الممارسة التاريخية الأولى هي عهد الصحابة، كما يُدرك ذلك كل من يفهم الكلام، أفيسوء هذا الكاتب أن نعود إلى مثل أخلاق أهل الصدر الأول، ومثل عزتهم، ومثل سموهم وكرم نفوسهم؟

    لو قال هذا الكلام خوري أو حاخام، لما كان عليه فيه ملام، أما أن يقوله رجلٌ يسمي نفسه غسان إمام؟ إلا أن يكون من الأئمة الذين خبرنا الله عنهم أنهم يدعون إلى النار، ويوم القيامة لا يُنصرون.

    إنه يصف خطبة الجمعة "بأنها عاطفية ساخنة صاعقة لا حدود لتنديدها بالسلطة الكافرة أو المشركة؟ لا حدود لتحريكها عواطف المتدينين البسطاء". ثم يقول، وهذا نص كلامه: "التلفزيون أيضاً بات يُكمل دور المسجد، هنا أيضاً يصول ويجول علماء الدين والسلفيون، العمّة واللحية والعباءة تزيد هيبتهم هيبة ووقاراً، بعضهم زرع ليُصبح بحق نجماً تلفزيونياً ينتظره بمحبة وخشوع مئات الألوف، الشيخ الشعراوي والشيخ الطنطاوي الذي بلغ من الكِبَرِ عتياً، انتقل من الإذاعة السوريّة إلى التلفزيون السعوديّ منذ عشرين سنة، وهو لا يكتفي بالإطلالة على الشاشة الصغيرة، بل يكتب في الصحف، التي تنتقل بين أيدي العرب في مختلف أقطارهم، بلا رقيب ولا حسيب، ليزيد تطرفه وزلات لسانه وقلمه، في الفِرقة بين المذاهب والطوائف عبر ما يقوله عن المسيحيين والدروز".

    أنا ما أنشأت هذه الكلمة لأرد عليه، وليس بيني وبينه ما يُوجب الرد، ولكني مثلت بما يقول لطائفة من الناس، لتعرفوا كيف يُنظر إلى الإسلام ودعاة الإسلام. وإلا فما دامت الصحف موجودة، والمطبعة مفتوحة، والنشرُ سهلاً، فإن كل من شاء أن يقول قال، ولكن ما كل من قال أصغى إليه الناس، ولا كل من أصغوا إليه صدقوه. والوطن العربي أكبر من أن تدعي النطق باسمه مجلة، ما بيدها توكيلٌ عنه، وليس لها حق النُطق باسم أهله.

    لقد جعلني ما قرأته اليوم وما قرأته من قبل أوقن أن أصحاب هذه المجلة وكُتّابها (يحسدون الناس على ما آتاهمُ الله من فضله)، والحاسد لا يرضيه منك إلا أن تزول النعمة عنك، ولا يُغيظه إلا أن تزداد. لذلك اجعلوا أسدّ جوابٍ لهم وأكبر حجر تسدون به أفواههم، أن يستمر الشباب المؤمن في طريقه المستقيم، وأن يزداد إقباله على المساجد.

    أما الكتاب الذي جاءني فهو من "مصريّ" يعمل في المملكة، يحملُ عليّ. يقول بأنني أكتب عن عهد الوحدة وعن عبد الناصر كتابةً ليس فيها شيءٌ من الحقيقة، وليس فيها تسجيلٌ لتاريخ، ولكنها عداوة مستقرة في نفسي لمصر وللرئيس عبد الناصر، وكُرهٌ للوحدة وحُبٌ للانفصال.

    هذه هي خلاصة الرسالة. على أنها ليست شيئاً جديداً، فإن ما جاء فيها قد قيل عنيّ من ربع قرن، من يوم الانفصال، وأُعلن ونُشر في الصحف، وكُتبت فيه مقالات، واشتغل به الناسُ أمداً.

    إن الصداقة والعداوة إنما تكونان بين الأكفاء والنظراء، فهل تراني كفؤاً لعبد الناصر، أو نظيراً له، حتى أُصادقه أو أُعاديه؟ وأينَ أنا منه؟ أما قبل أن يفعل فعلته التي فعل فقد كان ضابطاً من آلاف الضباط، لا يدري به أحد خارج دائرته الصغيرة، وكنتُ أنا كاتباً معروفاً ومؤلفاً يقرأ له الناس، فلما صار الرئيس عبد الناصر، صار مالئ الدنيا وشاغل الناس، وغدا اسمه في كل صحيفة، وذكره على كل لسان، وغدوتُ أنا واحداً من غِمار الناس، فمن أين تدخل الصداقة والعداوة بيني وبينه.

    قابلته مرة مع وفدٍ عربيٍ مشترك من أجل الجزائر، وقعد معنا وحدثنا، ومشى معنا إلى باب داره لما خرجنا يودعنا، وكنت أمشي إلى جنبه، فلما فاجأتنا عدسة المصور تأخرت أُريد الابتعاد حتى لا أظهر في الصورة، ولكنني ظهرت فيها معه، ولستُ أكره الآن ذلك، ولا أفتخر به، ولكن أذكرُ ما كان.

    كان الوسيطُ بيني وبينه صديقي وأخي ورفيقي في حياتي كلها، القاضي الفاضل، الذي صار وزير العدل في الجمهورية العربية المتحدة، الأستاذ نهاد القاسم رحمة الله على روحه.

    لقد أحبهُ أخي نهاد واعتَقَدَهُ صادقاً، وبقيّ على حُبه واعتقاده حتى بعد موته. وكنا متفقين في كل شيء حتى إذا جاء ذكر عبد الناصر اختلفنا اختلافاً كان يؤدي بنا أحياناً إلى النزاع، فاتفقنا على أن نترك الحديث عنه جملة واحدة، ويحتفظ كلُ واحد منا برأيه فيه.

    قصة الوحدة والانفصال:

    وبعد فما قصة الانفصال؟ ولماذا كرهنا الوحدة بعدما أحببناها، وأعرضنا عنها وقد رحبنا بها، وفرحنا لذهابها وقد كنا فرحنا لقدومها؟ هل تغير نفوسنا، وتبدلت أفكارنا؟ أم أن الذي رأيناه غير الذي تصورناه؟ والذين وليناهم أمرنا أيام الوحدة، هم الذين جعلونا بسوء سياستهم أعداء هذه الوحدة؟

    إن أصدق كلمة قالها قائل بعد الانفصال، هي كلمة صديقنا الأستاذ نصوح بابيل: "إن عبد الناصر لم يفهم طبيعة الشعب السوري" إنه لم يفهم طبيعته، ولو فهمها لعَلِمَ أننا لا نؤخذ بالشدة، ولا نُساق بالعصا، وأننا فتحنا صدورنا كما فتحنا بلدنا للمصريين على أنهم أشقاء لنا، لا على أنهم مُسيطرون علينا، يسيرون فينا سيرة المستعمرين لنا.

    أوهموه أنه يستطيع أن يستميلنا ويُرضينا بشرعة الاشتراكية التي آمن بها، والإيمان بها يكاد يكون كفراً بإسلامنا، وأنه يقدر أن يستعين علينا بأولادنا وبناتنا، إذ يُزيّن لهم كشف العورات، ويُبيح اختلاط البنين بالبنات.

    وآذانا في أموالنا، ذلك أن الشعب السوري شعب تُجار، من أيام الفنيقيين إلى هذه الأيام، يصنع الأفراد منه ما تعجز عن صنع مثله الشعوب والدول. والذي عُمل بين يوم الجلاء ويوم الوحدة كان عجباً من العجب، ولو استمر ولم تأت عليه أيام الوحدة بالتأميم لصارت سوريا في الشرق الأدنى كاليابان في الشرق الأقصى:

    أُقيمت مصانع للغزل والنسيج يكفي ما ينتج عنها البلاد والبلدان التي حولها، خذوا ابن الدبس مثلاً: جاء بالمال من خارج البلاد، فلم يستثمره خارجها، بل افتتح به مصنعاً كبيراً قل أن يوجد مثله في أمثال بلادنا، وحضر افتتاحه عبد الناصر نفسه، وخطب فيه ثم انتزعه من صاحبه باسم "التأميم".

    وكانت الأرض عند بحيرة "العتيبة" و"الهيجانة" ما فيها نبتة خضراء، وتقول كتب الجغرافيا أن بردى يصب في البحيرة ولكنه لا يبلغها في الواقع، فجاء "الأبش" فأحياها، وجعلها بساتين متصلات وجنات عامرات، استنبط من بطنها الماء، وحرثها وبذرها وحصدها بالآلات الكبار، فأنتجب الكثير الطيب من الثمر حتى صار يُباع البطيخ ينادى عليه في دمشق مرغباً فيه: "يا مال الأبش يا بطيخ".

    فلما جاء "التأميم" قسّمها قطعاً صغاراً بين الفلاحين، فلم يقدر أحدٌ منهم أن يجيء بآلة حرث ولا بذرٍ ولا حصاد، وما كانوا ليحلوا باتحادهم محل الأبش بانفراده، فما مر ربع قرن حتى عادت صحراء كما كانت قبل الأبش صحراء.

    كان شعارنا تلك الأيام: "وحدة – حرية – اشتراكية" لقد فقدنا حريتنا وشعرنا الحرية، وصرنا محبوسين مقيدين ونحن منفردون في بيوتنا، صار الصديق جاسوساً على صديقه والأخ جاسوساً على أخيه. كان ينتظرني على باب الدار كل صباح أيام الوحدة واحدٌ منهم، صرتُ أعرفه وإن بدل شخصه، فإذا نزلت من داري في الجبل تبعني، فإن ركب الترام ركب معي، فإذا وصلت إلى المحكمة انتظرني على بابها حتى أخرج منها. ويوم الجمعة يلحقني إلى باب المسجد.

    وكنت أعقد في بيتي مجالس أسبوعية مع كثير من أساتذة الديانة في ثانويات دمشق، وكلهم معروف من أمثال الدكتور محمد سعيد البوطي، ومحمد القاسمي، وأديب صالح، نقرأ بعض الكتب في الأصول، فاستدعوهم واحداً واحداً وكانوا يتعمدون إزعاج من اُستدعي منهم، بتركه ساعتين أو ثلاثاً لا يفتحون له الباب ليخرج ولا يطلبونه ليدخل، ليحطموا بذلك أعصابه، ثم إذا دخل على المحقق سأله عن هذا الاجتماع وعما نصنعُ فيه، أما أنا فلم يتعرض لي أحد، ولم يسألني أحدٌ عن شيء.

    وهذا قليلٌ من كثير، مما رأينا أيام الوحدة وشاهدنا، فماذا نصنع والدواهي الثلاث نازلة علينا؟ واحدة في ديننا، وواحدة في أموالنا، وواحدة في حرياتنا، كأن ذلك هو التفسير العملي للشعار المعلن "وحدة – حرية – اشتراكية".

    صبرنا حتى ضج من صبرنا الصبر، وحملنا حتى ضاق بما حملنا الصدرُ، وكنت في مضايا، المصيف المشهور في الجبل، وجاء من يُخبرنا بخبر الانفصال.

    أُقسم أني لم أرَ في عمريّ فرحة عامة كالتي رأيت ذلك اليوم، كان الناس كأنهم خرجوا من سجن، كان يُهنئ بعضهم بعضاً.

    لما انقضت الوحدة وخلا الجو للقائلين، ذهب من شاء يدعي كما شاء بأنه نقد أساليب الحُكام أيام الوحدة، وتكلم عنها، وجُلّ ذلك غيرُ صحيح، والناس يعلمون من الذي جهر بذلك ولم يُخافت به، وألقاه من فوق المنابر في دمشق وحلب، كان الناس وكان الضباط القائمون بهذه الحركة يعرفونه، لذلك بعثوا إليّ من يطلب مني أن اُلقيّ خطبة الجمعة في جامع بني أميّة لتبلغها إذاعة دمشق الناس.

    ولم أكن قد عرفت حقيقة هذا الانفصال، ولا القائمين به، فتنصلت واعتذرت، فعادوا يطلبون مني أن ألقي كلمة في الإذاعة، وكنت قد عرفت أسماء القائمين بهذا الانفصال، وتيقنت أنهم ليسوا عفالقة بعثيين، ولا شيوعيين، وليسوا من الفاسقين المنحرفين. فقبلت أن أقول كلمة من الإذاعة أُعلق بها على الانفصال.

    وهذا هو نص كلمتي في الإذاعة:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    عدت إليكم، عدت بعدما ظننت وظن الذين منعوني أني لن أعود، لقد قرروا أن لا ألقاكم أبداً، لأنهم ظنوا أن السلطان يبقى لهم علينا أبداً.

    وما منعوني لأني أجرمت جرماً، ولا أني أسأت للبلاد ولا للعباد، بل لأن الذي كنت أقوله لهم لم يكن يعجبهم.

    لم يعجبهم أن أقول لهم عودوا إلى شرع الله، فهو أقوم وأقوى من شرع تيتو، لم يعجبهم أن أقول لهم: استروا العورات، وامنعوا المحرمات.

    لذلك أبعدوني وقالوا: لن تعود إلى الإذاعة أبدا، فأبعدهم الله وأعادني.

    وبعد، فلقد أردت أن أُعد لهذا المقام كلاماً غير هذا الكلام، ولكن زميلاً من إخواننا المصريين الكرام، لقيني فقال لي: إيه رأيك فيما حدث؟ فقلت: الحمد لله، اللهم أنعمت فزد.

    فقال: إيه؟ أتفرح بزوال الوحدة؟

    وفكرت، هل أفرحُ حقاً بزوال الوحدة؟

    هذه أقوى ما يحتجون به علينا، ولكن هل فرحنا بزوال الوحدة كُرهاً بالوحدة.

    إن الوحدة هي أمل كل واحد منا، وهي أقصى ما يتمناه الكبير فينا والصغير. ولو جاء من يقول لنا اكفروا بالوحدة لكفرنا به هو ولم نبال به، ولو أن هؤلاء الضباط الثائرين أنكروا الوحدة وحاربوها لأنكرناهم وحاربناهم. فلا تقولوا إننا خصوم الوحدة، فإن الدعوة إلى الوحدة من عندنا خرجت. نحن لقناكم إياها.

    أنا أعرف مصر من سنة 1928، فمتى كانت مصر تنادي بالعربية؟ متى؟ أيوم كان النقاش بيننا وبين الدكتور هيكل وجماعة "السياسة" الأسبوعية، الذين كانوا يدعون إلى الفرعونية؟ يوم كان سلامة موسى يُعلن جهراً في جرائد مصر أن الدعوة العربية ضلالة، وأن الرابطة الشرقية سخافة، وأن مصر قطعة من أوروبا؟ نحن علمناكم معنى الوحدة.

    أنا يا سيادة الرئيس لست من أهل السياسة ولا من رجال الحكم، ولكن إن لم أكن على مسرح السياسة، فإني في القاعة أسمع وأرى. إننا لما سمعنا نبأ إعلان الوحدة ما صدقنا من فرحنا ما نسمع، ولما جئتَ إلى الشام أول مرة يا سيادة الرئيس، خرجت الشام كلها لاستقبالك، ولما قلت سمعت لقولك، وصفقت لك، فما الذي جرى حتى تبدل الأمر؟ كيف أجمعت الأمة في الشام على الفرح بالوحدة، ثم أجمعت على الفرح بالخلاص من الوحدة؟

    إنك أنت الذي خيّبت أملها في الوحدة. كنا نتألم ولا نستطيع أن نتكلم. ولقد حاولنا معشر العلماء أن نقابلك وطلبنا المواعيد مراراً، فما استطعنا أن نظفر بلقائك، مع أننا كنا نراك في التلفزيون تمضي ليلة كاملة من ليالي رمضان، ليالي الطاعة والعبادة، ترى الراقصات وتسمع المغنيات في حفلات "أضواء المدينة" فهل اتسع وقتك لهذا وضاق وقتك عن لقاء العلماء؟ لا أقول هذا الكلام الآن، بل لقد علمت أنني قلته في جامع تكنز في الليلة التي كنت تحضر فيها هذه الحفلات، قلته علناً، ولم أخف أحداً في مقالتي لأنها مقالة ترضي الله.

    وكنا نرسل البرقية فلا تصل البرقية، ونبعث الكتاب فلا ينبعث الكتاب، فتعذر الوصول إليك وانسد الطريق.

    تمنّ علينا بهذه التقدمية الفاسقة، وبهذه القرارات الاشتراكية؟

    إنه ما اغضبنا إلا هذه التقدمية الفاسقة وهذه القرارات الاشتراكية.

    إننا في بلد مؤمن متمسك محافظ على عفاف بناته، أفنرضى أن يكون الرقصُ درساً في المدارس، وأن نأتي بمدرسيه من الحانات والخمّارات، ليعلموا بناتنا الرقص بدلاً من الأخلاق والآداب؟ وأن يوضع تمثال الراقصات أمام جامع الروضة ويبقى سنة كاملة؟

    أقامته وزارة الثقافة والإرشاد، وإنها لوزارة السخافة والإفساد.

    لقد أريته للوزير كمال الدين حسين من الشباك لما قابلنا مع العلماء، وأسمعناه ما لم يسمع مثله في عمره.

    قلت له: هل ترى يا مولانا؟ أمام الجامع بالذات؟ لا دين ولا ذوق؟!

    من ذكرياتي في تعليم التلاميذ:

    كان الطفل العربي قبل فساد اللغة يتلقاها بالتقليد والمُحاكاة، فينشأ بليغ القول، فصيح اللسان، لأن أبويه من أهل البلاغة والفصاحة، فصرنا نُعلّم أو صار أكثرنا يُعلّم قواعد اللغة العربية باللغة العاميّة، كما كان مُعلّمنا التركيّ على عهد العثمانيين، يوم كنتُ صغيراً في المدرسة الابتدائية أيام الحرب الأولى يسألنا: "فاعل نهدر؟" أي ما هو الفاعل؟

    لا أستطيع أن أُحصي الأمثلة، ولكن أعرضُ واحداً منها، لما كنت أُعلِّمُ في الابتدائية كان الكتاب المقرر يُعرِّفُ الاسم بأنه "اللفظُ الدال على معنى مُستقل بالذهن وليس الزمنُ جزءاً منه"، وكان عليّ أن أُفهم هذا التعريف تلاميذ السنة الرابعة الابتدائية، وكان عليهم ان يحفظوه.

    فناشدتكم الله أهذا مما يعقله عاقل، يُقدر مدى إدراك التلاميذ؟ ويعرف حدود ما يمكن أن يفهموه؟

    ولماذا أُفهمهم هذا التعريف، ولماذا أُلزمهم بحفظه؟

    إن البلاد العربية كلها تشكو من الضعف في العربية، ولعل من أسباب هذا الضعف طريقة تدريس النحو. ولعل من أسوأ ما في هذه الطريقة التعريفات. لماذا التعريفات من أصلها، إن العرب الأولين الذين أخذنا قواعد العربية عنهم ما كانوا يعرفونها.

    وأنا لا أذهب مذهب من يدعو إلى تسهيل النحو ليُفسد بذلك اللغة، لستُ كهذا العدو الذي يأتي بثياب صديق، ولا أدعو إلى إهمال القواعد، ولا إلى ترك الإعراب وتسكين أواخر الكلمات.

    في النحو أمور ينبغي أن نُصلحها، لا أُبدل لسان العرب، ولا آتي ببدع جديدة مُنكرة، تقطع ما بيننا وما بين كتاب الله، ولكن أقترح أموراً لا تجاوز المظهر ولا تصل إلى الجوهر.

    أُمثل لها بـــ "أن" الناصبة المضمرة بعد "أو " و"حتى" و"لام الجحود".

    إنها مضمرة وجوباً، أي أنه ما رآها أحد أبداً، وإنما قدّر النُحاة وجودها، والنحو إنما هو وسيلة لإقامة اللسان في الكلام، واجتناب اللحن فيه، فعلينا أن نُفهم التلميذ أن الفعل يُنصب إذا جاءت قبله "حتى" أو جاءت قبله "لام الجحود". فلماذا لا نقول إنها هي الناصبة، وندع هذه الأُحجية التي تزعم أن "أن" مضمرة بعدها، وأن هذا الإضمار مستتر دائماً، فلا تظهر "أن" أبداً ولا يراها أحد؟ لماذا لا نُعلّم الطالب أن ينصب الفعل كلما اقترن بـــ "لام الجحود" وكفى الله المؤمنين القتال، وكسْرَ أدمغة الأطفال بهذا الذي يُشبه المُحال؟

    ثم إنني لما اتخذت التعليم مهنة لي، وأحببتها وسرت بها، كان يعترض طريقي فيها منغصات منها ما أحيد عنه، ومنها ما فرضه عليّ من بيدهم أمرُ التعليم، وأشده هذه المختارات الأدبية التي نضعها أمام أنظار الطلاب، لتكون لهم نماذج في البلاغة، يحذون حذوها ويحاولون أن يأتوا بمثلها.

    ومن أشد الذكريات التي لا أزال كلما خطرت على بالي، أحس أنها تحز في قلبي، أنني اضطررت في آخر عهدي بالتدريس أن أشرح للطلاب بعض المختارات من الشعر العربي المعاصر، بل الذي يُسمونه شعراً وما هو بالشعر، وكنت أحس كأنني أحتقر نفسي حين أهبط إلى الحضيض، فأضطر إلى العناية به وشرحه، وأني أخدع الطلاب حين أوهمهم أن هذا من بليغ القول وفصيح الكلام، وأنه أدبٌ رفيع، وما هو إلا هذيان وضيع.

    وأود أن أقول بالمناسبة كلمة عن مناهج الدين وعن كتب الدين، إن في بعض البلاد الإسلامية خمس ساعات في الأسبوع لتدريس القرآن وعلوم الدين، ولكن هذه الساعات يذهب أكثرها هدراً فلا يُستفاد منه، ولا نصلُ إلى الثمرة المقصودة. ذلك أن التلميذ يأخذ كتاب التاريخ وكتاب الجغرافية، وكتاب العلوم، فيجد لغة سهلة واضحة مفهومة. ثم يأخذ كتاب الدين المقرر فيجد كلاماً بعيداً عمّا يألف وعمّا يعرف. ذلك أننا ننقل من كتبٍ مؤلفة قبل مئات السنين. وأنا أعلم أن حقائق الدين لا تتبدل، وأن تبديلها كفر بها، فلا يفهم أحدٌ أنني أدعو إلى تغيير أحكام الدين وحقائقه، عن الذ أدعو إليه هو تجديد الأسلوب، وأن تكون كتب الدين مكتوبة بلغة العصر، فإن لكل عصرٍ لغة يفهم بها أبناؤه.

    ومن مقتضى ما أطلبه من تبديل الأسلوب أن نُبدل المقاييس مثلاً، فلا نقيس بالقلتين، لأنه لم يعد يعرف أحدٌ ما هي "القلة". والناس يقيسون المسافات بالأكيال، لا بالفراسخ ولا بالبرد. ومن من الناس يعرف ما هو "الوسق"، ويعرف مقدار الخمسة "الأوسق"؟

    وبعد فهذه طائفة من ذكرياتي في التعليم، عندي منها الكثير ينتفعُ به بعض المدرسين إذا عدتُ يوماً إلى سرد بعضه.

     

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:138
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:53
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك