• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 17-04-2018
  • المؤلف: ستيفن آر كوفي
  • الناشر: جرير
  • عدد الصفحات:407
  • عدد الاستماع للحلقة: 361
  • إن الغاية من هذا الكتاب هي منحك خريطة طريق سوف تقودك للخرج من ذلك الألم والإحباط إلى الإشباع والأهمية والقيمة والمساهمة الحقيقية في ساحة العالم الجديد. ليس في عملك ومؤسستك فحسب، بل في حياتك كلها أيضاً. باختصار سيقودك الكتاب إلى إيجاد صوتك.
    17
    أبريل
  • 115: مذكرات من البيت الميت
  • كتب في: 17-04-2018
  • المؤلف: دستويفسكي
  • الناشر: المركز الثقافي العربي
  • عدد الصفحات:446
  •   في أنحاء سيبيريا، وسط البراري، والجبال أو الغابات الكثيفة غير السالكة، تلوح من وقت إلى آخر، مدنٍ صغيرة، ذات بيوت خشبية، في إحدى تلك المدن الصغيرة، التقيت بألكسندر غوريانتشيكوف، المستوطن، الذي كان نبيلاً وملاّكاً في روسيا، ثم حُكم عليه بالأشغال الشاقة من الدرجة الثانية، من أجل قتل زوجته، وبعد انقضاء مدة الحكم المحددة بعشر سنوات من الأشغال الشاقة، استقر في مدينة ك... الصغيرة تلك، مستوطناً، وديعاً، لا يُثير ضجة، ولا انتباه أحد. التقيت بألكسندر لأول مرة في منزل إيفان إيفانيتش وهو موظف قديم عظيم الاحترام ومضياف وله خمس بنات، كان ألكسندر يُعطيهن دروساً أربع مرات في الأسبوع. أثار اهتمامي مظهره. فهو رجل في غاية النحول والشحوب، لا يزال شاباً، في نحو الخامسة والثلاثين من العمر، قصير وضئي

     

    في أنحاء سيبيريا، وسط البراري، والجبال أو الغابات الكثيفة غير السالكة، تلوح من وقت إلى آخر، مدنٍ صغيرة، ذات بيوت خشبية، في إحدى تلك المدن الصغيرة، التقيت بألكسندر غوريانتشيكوف، المستوطن، الذي كان نبيلاً وملاّكاً في روسيا، ثم حُكم عليه بالأشغال الشاقة من الدرجة الثانية، من أجل قتل زوجته، وبعد انقضاء مدة الحكم المحددة بعشر سنوات من الأشغال الشاقة، استقر في مدينة ك... الصغيرة تلك، مستوطناً، وديعاً، لا يُثير ضجة، ولا انتباه أحد.

    التقيت بألكسندر لأول مرة في منزل إيفان إيفانيتش وهو موظف قديم عظيم الاحترام ومضياف وله خمس بنات، كان ألكسندر يُعطيهن دروساً أربع مرات في الأسبوع. أثار اهتمامي مظهره. فهو رجل في غاية النحول والشحوب، لا يزال شاباً، في نحو الخامسة والثلاثين من العمر، قصير وضئيل. لو دخلت معه في حديث لنظر إليك بإمعان نظرة ثاقبة، وأصغى بأدبٍ جم إلى كل كلمة تتفوه بها، كأنه يتأمل فيها، كما لو أنك تطرح عليه مشكلاً أو تريد أن تنتزع منه سراً، وأخيراً يُجيبك بوضوح وباختصار. 

    سألت عنه إيفان إيفانيتش وعلمت أن ألكسندر يعيش حياة لا غبار عليها، وإلا لما دعاه إيفان لتدريس بناته، ولكنه مُحبّ للعزلة إلى درجة مخيفة، ويهرب من الجميع، ومثقف للغاية، يقرأ كثيراً، ولكنه يتكلم قليلاً جداً، وعموماً يصعب نوعاً ما الدخول معه في حديث.

    أبعدتني الظروف عن مدينتنا ثلاثة أشهر تقريباً، وحين عدت إلى بيتي في الشتاء علمتُ أن ألكسندر قد مات في الخريف، وقد نُسيّ تقريباً في المدينة، وبقيت شقته فارغة. وعلى الفور تعرّفتُ بربة البيت التي كان يسكن الفقيد، قاصداً تنسّم الأخبار منها: ولا سيما بماذا كان يشتغل المستأجر الراحل، وهل كان يكتب شيئاً؟

    ولقاء قطعة نقدية من فئة عشرين كوبيكاً حملت لي سلّة مليئة بالأوراق، التي بقيت بعد الفقيد.

    مضيت بأوراقه وأمضيت اليوم كله في مراجعتها. وما لبثت أن عثرت على دفتر كبير الحجم إلى حدٍ ما مغطى بكتابة دقيقة الخط. إنه سرد، وإن كان غير مترابط، للسنوات العشر التي قضاها ألكسندر في سجن الأشغال الشاقة.

    أعدت قراءة هذه المقاطع عدة مرات وتيقنت تقريباً بأنها مكتوبة في لحظات جنون. ولكن مذكرات الأشغال الشاقة هذه – التي دونها وعنونها هو نفسه في مخطوطته بـــ "مشاهد من البيت الميت"، بدت لي غير خالية من المتعة والمنفعة.

    عالم جديد تماماً، غير معروف حتى الآن، بعض الملاحظات عن أُناس هلكى، شغفت بكل ذلك، فقرأت بنوع من الفضول. بطبيعة الحال، يمكن أن أُخطئ. وعلى سبيل التجربة أختار أولاً فصلين أو ثلاثة فصول، فليحكم الجمهور...

    البيت الميت:كان سجننا يقع في طرف القلعة، إذا اتفق أن نظرت عبر فروج السياج، لن ترى غير طرف السماء، ومتراس ترابيّ عالٍ، تكسوه أعشاب طفيلية طويلة، وعلى المتراس ذهاباً وإياباً، وليل نهار، يتمشى الحُرّاس، فتفكر عندئذٍ أن سنين كاملة ستمضي، وأنت على هذا النمط بالضبط ستظل تنظر من خلال فروج السياج نفسه وترى المتراس نفسه، والحُرّاس أنفسهم.

    أحد السجناء، كان يُحب أن يشغل نفسه، في وقت الفراغ، بِعدّ أوتاد السياج. كان عددها ألفاً وخمسمائة وتد، عدّها كلها وحفِظها عن ظهر قلب. كل وتد منها كان يُمثل يوماً من أيام الاعتقال، وفي كل يوم كان يسقط من الحساب وتداً، وبهذا كان يعرف بدقة كم بقيّ له من الأيام التي عليه أن يقضيها في السجن.

    حين كان يُقبل الغسق، كنا ندخل إلى الثكنات، التي نُحبس فيها الليلَ كُلّه. كان يشق عليّ دائماً أن أُغادر الفناء إلى الثكنة. لنتصور غرفة طويلة، واطئة، وخانقة، وبالكاد تُضيئها شموعٍ شحميّة باهتة وتنتشر فيها رائحة كريهة تبعث على الغثيان. لا أستطيع أن أعرف الآن كيف عشتُ فيها عشر سنوات كاملة. كان سريري عبارة عن ثلاثة ألواح خشبية: كان هذا مكاني الوحيد الذي أستطيع التصرف فيه. وعلى الأسرة الخشبية نفسها كان يُحشر في الغرفة الواحدة أكثر من ثلاثين رجلاً.

    أذكر يوم دخولي إلى السجن، ذات مساء ديسمبري، عند الغسق. كان السجناء عائدين من الأشغال: ويستعدون للمراقبة. ضابط صف ذو شارب كثيف فتح لي باب هذا البيت الغريب الذي كان عليّ أن أمكث فيه كثيراً من السنوات، وأن أُقاسيّ كثيراً من الانفعالات التي ما كان بوسعي أن أُكوّن عنها فكرة حتى تقريبية لو لم أُعانِ منها. وهكذا إذاً، هل كان بإمكاني، مثلاً، أن أتصور الألم الموجع والمُفزع عندما لا أخلو أبداً إلى نفسي ولو لحظة طوال عشر سنين؟ أثناء العمل تحت الحراسة، وفي الثكنة مع مائتي رفيق، أبداً لم أكن وحيداً، أبداً! وما تبقى كان لا بد لي أن أتعود عليه.

    كانت لكل فئة من المسجونين ثياب مختلفة: فئة كانت ترتدي سترة نصف بُنيّة ونصف رمادية، وسراويل إحدى ساقيها بُنيّة والأخرى رمادية. ذات يوم، حين كُنا في العمل، اقتربت من السجناء بنتٌ صغيرة كانت تبيع نوعاً من الأرغفة يسمى سميطة، تطلّعت إليّ طويلاً ثم انفجرت ضاحكة وصاحت: "أُفّ! ما أبشع أشكالهم!

    كل السجناء تقريباً كانوا يحلمون بصوت مرتفع، أو يهذون أثناء نومهم، وكثيراً ما كانت تردُ في أحلامهم كلمات الشتم، وألفاظ اللصوص، وأسماء الخناجر والفؤوس. كانوا يقولون: "نحنُ أُناس مُحطمون، ليس لنا أحشاء، لذلك نصرخ في الليل".

    إن الأشغال الشاقة في قلعتنا لم تكن عملاً، بل كانت فرضاً: كان السجناء يودون مهمتهم أو يعملون عدداً من الساعات محدداً بالقانون، ثم يعودون إلى السجن. ومع ذلك كان لهم هذا العمل الكريه. ولو لم يكن للسجين عملٌ شخصيّ يُقبل عليه طواعية واختياراً بكل ما لديه من ذكاء، لاستحال عليه احتمال حياة الاعتقال.

    لا يستطيع الإنسان أن يوجد دون عمل، دون ملكية شرعية وطبيعية، وخارج هذه الشروط تفسد أخلاقه ويتحول إلى وحش كاسر. لذلك كانت لكل سجين، عندنا، بحكم الضرورة الطبيعية جداً وغريزة البقاء، مهنة أو أية مشغلة.

    كان السجناء يعملون خفية، وكانت الإدارة، فيما يبدو، تغض الطرف عن ذلك. كثير من المعتقلين جاؤوا إلى السجن دون أن يعرفوا عمل شيء، فإذا بهم يتعلمون من رفاقهم حرفة، وحين خرجوا من السجن، صاروا عمالاً مهرة. جميع السجناء كانوا يعملون ويكسبون الكوبيكات، لأن كثيراً من الطلبات كنت تأتي إليهم من المدينة. إن المال حرية رنانة وراجحة، لا تقدر بثمن بالنسبة إلى إنسان حُرم حرماناً كاملاً من الحرية الحقيقية.

    ومن لم تكن له صناعة يدوية، كان يُتاجر بطريقة ما. وكانت معاملات الشراء والبيع في غاية الطرافة. كان بعضهم يهتم بشراء أمتعة مستعملة رديئة، وأحياناً كان يعيد بيع أشياء لم يُفكر أحد غير سجين في أن يبيعها أو يشتريها، ولا حتى أن يعتبرها ذات قيمة ما. ومع ذلك كان لأدنى خرقة ثمنها ويمكنها أن تُفيد أيضاً.

    كان الربا مزدهراً في سجننا إلى حد أنه كانت تُرهن حتى الأشياء التابعة للدولة: كالملابس والأحذية أو غيرها من الأشياء التي لا غِنى عنها. عندما كان الدائن يقبل مثل هذه الوديعة، فإن الأمور كانت كثيراً ما تتخذ مجرى غير متوقع: إذ كان صاحب الأمتعة يمضي فوراً بعد أن يقبض ماله إلى ضابط الصف، فيُخبره بإخفاء الأمتعة التابعة للدولة!

    كان السجناء يسرقون بعضهم بعضاً بلا حياء. كان لكل سجين صندوق صغير، مع قفل، يُخبئ فيه الأشياء التي تُسلمها له الإدارة. ورغم السماح باستعمال هذه الصناديق، فإن ذلك لم يمنع السرقات على الإطلاق. أحد السجناء، الذي كان مُخلصاً لي – أقول هذا دون ادعاء – سرق مني كتابي المقدس، وهو الكتاب الوحيد الذي كان مسموحاً به في السجن، وفي اليوم نفسه، اعترف لي بذلك، ليس ندماً، إنما شفقة عليّ، لأنه رآني أبحث عنه مدة طويلة، كان في عِداد رفاقنا في القيد عدّة سجناء يُسمون "خمارين" كانوا يبيعون الفودكا، ويغتنون نسبياً من هذه المهنة. عدد كبير من المساجين اُعتقلوا بسبب التهريب، مما يُفسر كيف كان يمكن أن تنقل الفودكا سراً إلى السجن. رغم المراقبة التي كانت عندنا في غاية الصرامة.

    الإحساسات الأولى:الأسابيع الأولى وعلى العموم بدايات حياتي في السجن تتمثل حيّة في مخيّلتي الآن. وبالعكس، الأعوام التالية تلاشت ولم تترك في نفسي سوى ذكرى غامضة.

    أذكر بوضوح، منذ خطوتي الأولى في هذه الحياة، أن ما أدهشني بالأخص هو أنني لم أجد فيها شيئاً مدهشاً، وخارقاً، أو بعبارة أوضح غير متوقع. كل هذا لاح من قبل أمامي في خيالي، عندما كنت أُحاول، وأنا ذاهبٌ إلى سيبيريا، أن أُخمن مُقدماً مصيري.

    أحسستُ قبل كل شيء، باشمئزاز لا يُقهر، حين وصولي إلى السجن، لكن، شيء غريب! الحياة فيه بدت لي أقلُ مشقة ممّا لم أكن أتصور خلال الطريق.

    وبالفعل كان السجناء، رغم قيودهم، يذهبون ويجيئون في السجن بحرية، كانوا يتشاتمون، ويغنون، ويدخنون الغليون ويشربون الخمر (رغم أن الشاربين كانوا قليلين جداً) وفي الليل يقيم بعضهم مباريات للقمار. الأشغال نفسها، على سبيل المثال، لم تبدّ لي البتة صعبة جداً، لم تكن "شاقة" للغاية. ولم أُخمنّ إلا بعد مدة طويلة أن صعوبة و"مشقة" هذه الأعمال ليس في عسرها واستمرارها، بل لأنها "إجبارية"، وإلزامية، وتؤدى رهبة لا رغبة.

    بدا لي طعام السجناء مقبولاً. كان خبزنا طيب المذاق بوجه خاص، وحتى ذائع الصيت في المدينة: وكانت جودته تُعزى إلى حُسن بناء أفران السجن. أما حساؤنا من الكرنب الحامض الذي كان يُطبخ في قدرٍ كبير ويُخثر بالدقيق، فلم يكن حسن المنظر على الإطلاق. ولكن ما كانت تشمئز منه نفسي خاصة، إنما هو كثرة الحشرات التي كانت توجد فيه. غير أن السجناء لم يكونوا يُعيرون ذلك أي انتباه.

    سبق أن قلت إن جميع السجناء كان لهم عمل ما، وإن هذا العمل كان بالنسبة إليهم حاجة طبيعية وضرورية. وهم يُحبون المال بشغف، ويقدرونه أكثر من أي شيء آخر، تقريباً كالحرية. إن السجين يحسّ ببعض العزاء، حين ترنّ في جيبه بضعة كوبيكات.

    وعلى العكس، يشعر بالحزن والقلق واليأس، إذ لم يكن معه مال، وعندئذ يمكن أن يرتكب أية جناية من أجل الحصول عليه. ومع ذلك فإن هذا المال، رغم الأهمية التي يضفونها عليه، لا يبقى في جيب صاحبه زمناً طويلاً أبداً، لأن الاحتفاظ به من الصعوبة بمكان.

    لماذا لا يحتفظ السجين بماله؟ لا يصعب عليه حفظه فحسب، ولكن السجن أيضاً كئيب جداً! إن السجين، بطبيعته، شديد الظمأ إلى الحرية! وحسب وضعه الاجتماعي، فإنه قليل الاكتراث، كثير الفوضى، وتراود ذهنه، بطبيعة الحال، فكرة تبديد رأسماله في القصف والعربدة، والصخب والموسيقى، وليس إلا لينسى حزنه لحظة واحدة.

    قلت إن لجميع السجناء عملاً خاصاً، باستثناء المقامرين: وهناك خمسة سجناء فقط كانوا لا يقومون بأي عمل، وينامون تقريباً مباشرة بعد إغلاق الباب. كان مكاني على ألواح الخشب يوجد قرب الباب، ثم يليه مكان أكيم أكيميتش. ظل يشتغل حتى الساعة العاشرة أو الحادية عشرة، بإلصاق فانوس متعدد الألوان، طلبه منه أحد سُكان المدينة، وكان سيتقاضى عنه مبلغاً كبيراً، كان بارعاً في هذا العمل، أدهشني أن يوجد مثل هذا الرجل في سجن الأشغال الشاقة، بدلاً من أن يكون خارجه فائق النجاح في مهنته.

    أما باقي جماعة ثكنتنا، فعن يساري، كانت تنام عصابة من الجبليين القوقازيين، الذين كانوا جميعاً تقريباً منفيين، لأنهم من قُطّاع الطرق، كان هناك ليزغينيان، وشيشاني، وثلاثة تتر من داغستان.

    أحد الليزغينيين كان شيخاً، طويل القامة نحيل الجسم، يبدو بوضوح أنه قاطع طرق، وفي المقابل، فإن الليزيغي الآخر، واسمه نورّا، قد ترك فيّ أثراً طيباً، وأشعرني بالارتياح. كان يحبه جميع من في السجن، بسبب مرحه وبشاشته، كان يعمل دون تذمر، هادئاً ومسالماً دائماً، ويشمئز من السرقات والعربدات.

    خلال وجوده في السجن لم يسرق ولم يقم بأي شيء سيئ. كان ورعاً مولعاً بالعبادة بصورة خارقة للعادة، يؤدي صلواته بطهارة ويصوم قبل الأعياد المحمدية ويقضي ليالي كاملة في الصلاة. كان الجميع يُحبونه ويرونه إنساناً شريفاً وصادقاً حقاً. كان السجناء يقولون إن "نورّا أسد!" وبقي اسم الأسد هذا له وحده.

    وكان في ثكنتنا أيضاً، عدداً من البولونيين، الذين يُشكلون عصابة على حِدة، لا صلة لهم تقريباً بالسجناء الآخرين.

    كان عددهم ستة، اثنان منهم كانا متعلمين، ومن هذين استعرت بضعة كتب خلال الفترة الأخيرة التي قضيتها في السجن. أول كتاب قرأته ترك في نفسي أثراً غريباً وعميقاً.

    وحسبي أن أقول إن الحرمان الثقافي أشق احتمالاً من أقسى الآلام الجسمية. إن من يُرسل إلى السجن من عامة الناس، يجد نفسه في مجتمعه، قد يفتقد كثيراً ذلك الركن الذي ولد فيه، وأسرته، ولكن بيئته تظل هي ذاتها. أما الرجل المثقف، الذي حكم عليه القانون بالعقوبة نفسها التي حكم بها على رجل من عامة الشعب، فإنه يتألم بما لا يُقاس بألم هذا الرجل الأخير. ينبغي عليه أن يخنق حاجاته، وجميع عاداته، ولا بد أن ينزل إلى مستوى أدنى، لا يرتضيه، وأن يتعود استنشاق هواء آخر...

    منذ اليوم الأول من سجني، بدأت أحلم بالإفراج عنيّ. كان شغلي الشاغل أن أعدّ ألف مرة وبألف طريقة مختلفة، عدد الأيام التي كان عليّ أن أقضيها في السجن. لا أستطيع القول إن السجناء كانوا يعدون الأيام مثلما أعدّها، ولكن رعونة آمالهم كانت تدهشني بطريقة غريبة.

    إن آمال السجين تختلف وبطريقة أساسية عن الآمال التي يتغذى بها الرجل الحر.

    فهمت بسرعة أن العمل وحده يستطيع إنقاذي، وتقوية صحتي وجسدي، في حين أن القلق النفسي الدائم، والتوتر العصبي المستمر وهواء الثكنة الموبوء سيدمرني كلياً.

    كنت أشاهد في جزع أحد رفاقي (من النبلاء) وهو يذوب كما تذوب الشمعة. مع أنه عند وصوله معي إلى السجن، كان شاباً وسيماً وقوياً؛ أما حين خروجه فقد كانت صحته قد تدمرت، ورجلاه لا تكادان تحملانه، وكان الربو يخنق صدره. لا، كنت أقول لنفسي وأنا أنظر إليه، أنا أُريد العيش وسأعيش. جلب لي حُبّي للعمل أول الأمر احتقار رفاقي وسخريتهم اللاذعة. ولكنني لم أعِر ذلك أي اهتمام، وكنت أمضي مبتهجاً إلى حيثُ أُرسلت لإحراق ودقّ الرخام مثلاً. كان هذا العمل، الذي هو من أوائل الأعمال التي عُهد بها إليّ، عملاً سهلاً. كان المهندسون يفعلون ما بوسعهم لتخفيف وطأة العمل على المساجين ذوي الأصل النبيل؛ لم يكن ذلك تسامحاً، ولكن كان عدلاً. ألن يكون غريباً أن يُطلب العملُ نفسه من عامل ومن رجل لا تبلغ قواه نصف قوى الرجل الأول، كما أنه لم يعتد العمل بيديه؟

    وشيئاً فشيئاً بدأت دائرة معارفي تتسع، رغم أنني لم أسعَ إلى ذلك؛ فقد كنت دائماً قلقاً، عابساً، ومرتاباً. وكان أول من جاء يزورني، السجين بيتروف، كان يُقيم في القسم الخاص، الذي كان يُعدّ أبعد ثكنة عن ثكنتي. في الظاهر، كان لا يمكن أن تقوم بيننا علاقة، فلم يكن بيننا رابط يقربنا من بعضنا أو يمكن أن يكون. مع ذلك، وأثناء المرحلة الأولى من إقامتي، ظنّ بيتروف أن من واجبه أن يأتيني يومياً في ثكنتنا، أو على الأقل أن يوقفني أثناء وقت الراحة، عندما أذهب خلف الثكنات، بعيداً جداً عن كل الأعين. هذا الإصرار بدا لي أول الأمر مزعجاً، ولكنه عرف كيف يُحسن التصرف حتى أصبحت زياراته تسلية لي. كان يُكلمني بدون أي حرج، ويقفُ مني على قدم المساواة، مع كثير من اللياقة والرقة. إذا لاحظ، مثلاً، أنني أبحث عن الوحدة، تحدّث إليّ لمدة دقيقتين ثم تركني في الحال. لا أستطيع تحديد ما كان يبحث عنه بالضبط في صحبتي، ولا ما كان يأتي به كل يوم إليّ، ولقد سرقني بضع مرات، ولكن كان ذلك دائماً عن غير قصد، ولم يكن يستدين مني أبداً: لذلك ما كان يجذبه إليّ ليس المال ولا تحقيق أيّة منفعة أخرى.

    كان عندما يلاحظ أنني ذهبت وحيداً خلف الثكنات، يستدير نحوي فجأة. كان يمشي مسرعاً، ويُكثر الالتفات.

    كان يأتي مشياً ومع ذلك كان يبدو عليه كما لو جاء مهرولاً.

    • صباح الخير!
    • صباح الخير!
    • هل أُزعجك؟
    • لا
    • أردت أن أسألك شيئاً ما عن نابليون. أردت أن أسألك إن كان يمتّ بصلة القرابة إلى ذلك الذي أتانا في السنة الثانية عشرة (1812م).
    • تماماً.
    • يُقال إن رئيس؟ أي رئيس؟ ورئيس ماذا؟ كانت أسئلة سريعة، متقطعة، كأنه يريد معرفة ما يسأل عنه بأقصى سرعة ممكنة.

    شرحت له كيف وماذا يترأس نابليون، وأضفت أنه ربما سيُصبح إمبراطوراً.

    • احم! ... آ! أردت أن أسألك أيضاً، ألكسندر، هل هناك قرود لها أيادٍ تتدلى أمامها حتى تصل إلى أرجلها، ويبلغ طولها طول الإنسان؟
    • نعم.
    • كيف هي؟
    • وصفتها له وقلت له كل ما أعرفه عن هذا الموضوع.
    • آ! آ! قرأت، السنة الماضية، قصة الكونتسة دي لافاليير: أحضر أريفييف هذا الكتاب من الضابط المرافق، هل هي حقيقة أم خيال؟ الكتاب من تأليف دوما.
    • بالتأكيد هي قصة مبتكرة.
    • هيا! الوداع. أشكرك.

    ثم اختفى بيتروف؛ في الحقيقة، لم نكن نتكلم دائماً إلا على هذا النحو.

    كنت أتساءل عما كان يدفعه لسؤالي عن الكتب بالتحديد. كنت أنظر إليه خلسة أثناء هذه الأحاديث، للتأكد من أنه لا يسخر مني، ولكن لا، كان ينصت إليّ بكامل الجدية. كانت الأسئلة التي يطرحها عليّ واضحة ومحددة، ولم يكن يُفاجأ من إجابتها... لقد اقتنع وبدون شك أنه لا يستطيع محادثتي كما يُحادث سائر الناس، وأنني فيما عدا الكتب لا أفقه شيئاً.

    الخروج من السجن: كان العام الأخير أقل أعوام منفايّ مشقة وعذاب، كان لي الكثير من الأصدقاء والأصحاب بين السجناء الذين استقرّ رأيهم على أنني رجلٌ طيب. وكثير منهم أخلص لي الود وأحبني بصدق. غير أن هناك وجوهاً قاسية ومتجهمة، لم أستطع كسب رضاها، يعلم الله لماذا! كأن بيننا كان يقوم حائلاً حاجز ما منيع.

    في الأيام الأخيرة حظيت بامتيازات أكثر من أيّ وقت مضى في السجن، في هذه المدينة عثرت بين الموظفين العسكريين على أُناس أعرفهم وحتى على بعض رفاق الدراسة القدماء، فربطت معهم علاقات جديدة. واستطعت بفضلهم أن أتلقى مالاً وأن أكتب إلى أسرتي وأن أمتلك حتى بعض الكتب. لم أقرأ أي كتاب منذ عدة سنوات، لذلك يصعب عليّ أن أصف الشعور الغريب، والشديد الانفعال الذي بعثه في نفسيّ أول كتاب أُتيح لي أن أقرأه في السجن. أذكر أنني بدأت أقرأه في المساء، عندما أُغلقت علينا الأبواب، وأخذتُ أقرأ الليل كله حتى مطلع الفجر. كان هذا عدداً من إحدى المجلات.

    حاولت أن أعرف عبر القراءة: هل بقيت أنا متخلفاً كثيراً عن هذه الحياة؟ وهل عاشوا كثيراً هم هناك بدوني؟ ماذا يشغلهم الآن، وما هي المسائل التي يهتمون بها اليوم؟ كنت أتوقف عند الكلمات، أقرأ بين السطور، وأُحاول أن أجد المعنى الخفيّ، وإشارات إلى الماضي الذي أعرفه. وما أشد حُزني حين أدركت أنني كنت غريباً عن الحياة الجديدة، وأنني الآن أصبحت عضواً منفصلاً عن المجتمع! كنت متأخراً، وكان عليّ أن أعرف الجيل الجديد.

    عشيت إطلاق سراحي، قمت للمرة الأخيرة بجولة حول السجن. كم من فتوة وقوة مُعطّلة دُفنت وضاعت بين هذه الأسوار، بلا فائدة لأي أحد! لا بد من القول: إن جميع هؤلاء الرجال ربما كانوا خير أبناء شعبنا موهبة وقوة. ولكن هذه القوى الجبارة ضاعت إلى الأبد. من المذنب في ذلك؟

    نعم، من المذنب؟

     

     

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:225
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:72
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك