• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 25-09-2018
  • المؤلف: محمد الغزالي
  • الناشر: دار نهضة مصر
  • عدد الصفحات:359
  • عدد الاستماع للحلقة: 448
  • في هذا الكتاب أفكارٌ وعواطف شتى، صفا عرضها حيناً، وغام حيناً آخر، وإن اصطبغت في جملتها بحدة الشعور وحماسة العرض. والأحوال التي عانتها بلادنا، وذاق جمهور المسلمين نكدها، كانت هي المداد الفذ لهذه المقالات. والباعث على إرسالها هكذا؛ خواطرُ مُهتاجة. ..
    13
    اغسطس
  • 118: المسألة اليهودية
  • كتب في: 13-08-2018
  • المؤلف: مالك بن نبي
  • الناشر: دار الفكر
  • عدد الصفحات:149
  • اليهود والحضارة الأوروبية: أولاً: السر الخفي للعالم الحديث: هذا العالم قد أبدع العصر الحديث في تنوعاته المتسارعة والتي برزت في آلاف المظاهر المفاجئة: الديموقراطية، الشمولية، الرأسمالية، الماركسية، العبودية الشخصية، الاسترقاق، العمل الجماعي، الاستعمار، إعلان حقوق الإنسان، نظام الإنديجانا. ولكن... هل ثمة شيء ما خلف هذه العناوين وما توارد من هذه المظاهر؟ هل ثمة حقيقة ما تبدو خلف الكلمة نفسها "العالم الحديث"؟ كل امرئ يعرف عندما نُسميّ عالماً حديثاً أن هنالك ظاهرة اجتماعية ولدت وسرير ولادتها "أوروبا"، أما تاريخ ولادتها فذلك ما أُطلق عليها اسم النهضة الأوروبية. ولكن يبقى السؤال في النهاية: هل هذه الهوية هي أصلية في العمق؟ هل هي الحقيقة كما هي بادية في مظهر

    اليهود والحضارة الأوروبية:

    أولاً: السر الخفي للعالم الحديث: هذا العالم قد أبدع العصر الحديث في تنوعاته المتسارعة والتي برزت في آلاف المظاهر المفاجئة: الديموقراطية، الشمولية، الرأسمالية، الماركسية، العبودية الشخصية، الاسترقاق، العمل الجماعي، الاستعمار، إعلان حقوق الإنسان، نظام الإنديجانا.

    ولكن... هل ثمة شيء ما خلف هذه العناوين وما توارد من هذه المظاهر؟

    هل ثمة حقيقة ما تبدو خلف الكلمة نفسها "العالم الحديث"؟

    كل امرئ يعرف عندما نُسميّ عالماً حديثاً أن هنالك ظاهرة اجتماعية ولدت وسرير ولادتها "أوروبا"، أما تاريخ ولادتها فذلك ما أُطلق عليها اسم النهضة الأوروبية.

    ولكن يبقى السؤال في النهاية: هل هذه الهوية هي أصلية في العمق؟

    هل هي الحقيقة كما هي بادية في مظهرها ام لها جذور في موطنٍ لها؟

    هنا نشير إلى ما كتبنا من قبل في (شروط النهضة)، فالأحداث الكبيرة لها ولادتان: ولادة تطابق الظاهرة النفسية، وولادة تتطابق زمنياً معها.

    بالنسبة للمؤرخ فالتوقيت الزمني هو الذي يأخذه بعين الاعتبار، لأنه ينظر إلى الحدث في تسلسله التاريخي. أما عالِم الاجتماع والفيلسوف فالتوقيت النفسي هو الذي يأخذه بعين الاعتبار؛ لأنه يشير إلى الحدث في تسلسله السببي.

    إن أوروبا هي مهد العالم الحديث، لكن الحدث الرئيسي لكلمة أوروبا في التاريخ هو وصول اليهود إليها كشخصية مستقلة عن الفكرة المسيحية، وهي التي سيطرت على سائر تسلسل حضارتها.

    ولكي ننطلق من نقطة تكشف لدراستنا فهم تطور العالم الحديث؛ علينا أن نبدأ من مرحلة تيه الشعب اليهودي، وقد انطلق فيها الشعب اليهودي نحو البلاد الأوروبية عقب هدم الهيكل في القدس.

    لم يسأل أي مؤرخ: لماذا أخذ الشعب اليهودي هذا الاتجاه دون سواه؟

    علماً أن الاتجاه نحو آسيا هو الأجدى والأجدر لأسباب بادية؛ فاليهود ينتمون من حيث الجنس إلى أصلٍ شرقي، ثم إن الرخاء التجاري والحضاري يُحتم اختيار الانطلاق نحو مدن تتلاقى فيها عقدة الطرق التجارية والعالمية.

    هذه العوامل تجعل اليهود من سائر الوجوه يتجهون نحو الشرق وليس نحو الغرب.

    لكن اليهود أداروا ظهورهم لذلك كله، وقادوا خُطاهم نحو بلاد أوروبا الفقيرة غير المتحضرة (الرومانية) رغم قساوة المناخ.

    هذا الاتجاه المناقض لمنطق الأمور، لا يمكن تفسيره إلا بأنه الطريق الذي خطه شاؤول الذي أصبح فيما بعد القديس بول.

    لقد ترك دمشق حين طلب إليه أبوه – وهو ربيِّ كبير – التوجه نحو الشرق لتعليم الأمم، لكننا نرى في كتاب الأعمال أن القديس بولس أدار ظهره بصورة نهائية لبلاد الشرق، وحوّل رفيقه في خطته الكهنوتية التي كان قد أعدها، ثم ولّى وجهه نحو الغرب ليُبشر بالمسيحية.

    نحن هنا أمام إرادة نهائية للقديس؛ هي أن يحتفظ لشعب أوروبا بتعليم المسيحية، وعبر هذه الإرادة نجد أنفسنا وقد تلاقى الطريقان وتطابقا بإحكام: طريق الدياسبورا اليهودية وطريق الفكر المسيحي.

    وإذا اعتبرنا العصر الحديث نتيجة سببية لنشوء أوروبا، أو هي مهد نشأته، فإن أوروبا في ولادة هذا العصر، لم تكن كما وجدها اليهود قبل ألفي عام، حين كانت في حالة تخلّق ونشوء أولي، بل كانت في كامل حضورها كما هي اليوم.

    والذي شذّ عن النظر الدقيق هو أن أوروبا اليوم في حيويتها الثقافية والسياسية والمادية تدور حول مركزية اليهود. فتأثير اليهود في الحضارة الأوروبية هو الأكر بروزاً في عملها وسماتها: إنها عقلها وروحها.

    ففي البلاد الأوروبية نرى الأسماء الأكثر بروزاً هي لليهود في ميادين: البنوك والتجارة والصناعة والمسرح والصحافة والأدب.

    لذا علينا أن ندرس بعمق العلاقة الضيقة بين الحضارة المسيحية والعبقرية اليهودية، وما ندرسه ليس سوى النتيجة التاريخية البعيدة للفترة التي فيها اتجه المسار اليهودي نحو أوروبا.

    ثانياً: معنى ومفهوم اتجاه الشتات اليهودي نحو أوروبا: الشعب اليهودي له خصوصية معروفة جداً ولها موقعها في علم النفس الإنساني، وخياره قد وجد مساحته كاملة في العجين الرخو البادي في طبيعة الأوروبي، وهذا هو السبب الأكيد في خيار لا محل له في طبيعة الشرقي على الخصوص، فالرجل الشرقي يعيش روحه وفكره وينظر إلى علاقاته مع الآخر من فكره.

    ثالثاً: اليهودي التائه في نفسية الأوروبي: اليهودي لا يستطيع الاندماج في مجتمع أوروبي، إلا ووجوده مغلف بالغموض واللغة والأسطورة، والمسيحي الذي يراهُ مصادفة يُمارس غريزياً إشارة الصليب التي تُبعد الروح الشريرة.

    فاليهودي يُعرف بأنه محاط بالكراهية الصامتة والغريزية، لذا فهو يوظف حياته ونشاطه لمصلحة الجيتو الذي ينتمي إليه والذي يجد عنده الأمان والخصوصية.

    ولأن الشعب استيقظ مزاجه مع النهضة في جمالية الحضارة، كما تطور ذوق الأمير منذ الحملة الصليبية نحو الفخامة في الأشياء والجواهر، فقد انتهى الجميع زبائن الجيتو، وقد توفر لديه كل ما يرضي الذوق والروح، وهكذا استعاد اليهودي عبر علاقاته التجارية ما يفك عزلته شيئاً فشئياً، وانطلق يندمج في الحياة الوطنية.

    صورة اليهودي كمحور في تطور الحضارة الغربية:

    1.اليهودي المثقف: في كل ميدان، حتى ميدان السحر والعرافة، كانت النهضة تبرز اسماً يهودياً أو وجهاً يهودياً في مقدمة الوجوه.

    ولسنا هنا في معرض بيان مفصل عن تاريخ مساهمة اليهود في الأفكار في أوروبا، يكفي أن نشير إلى الفوائد التي جنتها الطائفة اليهودية من هذا الإسهام، فالشعب اليهودي هو الوحيد الذي عرف كيف يجمع نشاطاته في هدف واحد هو تنظيمها الداخلي، بمعنى أن يوظف مختلف الإنجاز في خدمة الهدف النهائي الذي يسعى إليه مجتمع جيد التنظيم.

    2.اليهودي المواطن: هذا المجتمع الأوروبي حيث المال والشفقة والتفكر وأخذ دوره عملياً؛ لكن اليهودي ما يزال قابعاً في الجيتو، يقبل الدخول في المجتمع لكن لا يقبل المسامحة. وإذا ما أتيح له أن يترك لنفسه حبل الاندماج أو العيش ببساطة في غمار الجمهور فإنه يضيع فيه؛ ويفقد امتياز خصوصيته، لكنه لا يقبل أن يصل إلى درجة البرجوازي الغوييم الذي يقدم يد ابنته ليهودي بالغ الثراء، كما لا يقبل بالمقابل أن يقدم يد ابنته إلى ذلك الثري؛ لأن بعض اليهود يحرصون على التكافؤ في الزواج بينهم، وهنا لا يرغب اليهودي في تزويج من هو أقل شأناً ومركزاً منه ولا يتلاءم مع خصوصياته وأفكاره وعاداته. ومن أجل ألا يبدو هذا التكافؤ أمام الضمير المسيحي طبقه أعلى حسباً ومقاماً في الخصوصيات بين اليهود؛ كان يرى الحل في دفع أوروبا نحو هدم حواجز التقاليد فيها بثورتين: إحداهما ضد التقاليد، والأخرى ثورة في الحياة الفكرية والثقافية. وذلك مما دفع أوروبا لثورة سياسية قلبت معايير التراتبية الأوروبية وكان ذلك لمصلحة اليهود.

    3.اليهودي المودرن: ستكون كلمة "الحديث" بالنسبة لليهودي لا معنى لها؛ لأن اليهودي كالأشياء الثابتة مع الزمن لا عمر لها لأنها لا تتغير أبداً.

    فاليهودي الآن أصبح مواطناً قد نزع اللحية واللباس وكل ما يميزه كيهودي، لكن أفكاره هي نفسها على مر الزمن. إنها استمرار يوم هو أحد حلقاته الأولى وقد رأى المسار اليهودي الأول، إنه هو والجد الذي كان قرب موقد العائلة في عشية يوم بارد بين أحفاده، يعرف موقعه، وقد أدى دوره في حلقة هذه السلسة منذ أول خطوة في الحياة يسري به عنصره ويقوده إلى بلده القديم الذي لا يُنسى.

    4.اليهودي المذهبي المتزمت: إن عمل اليهودي يبني وبذور تهدمه في تضاعيف بنائه. فاليهود هم الذين ابتدعوا هذا العالم الرأسمالي. وإذا شيوعياً ووطنياً واشتراكياً فذلك لأنهما جملتان مختلفتان لرد فعل واحد. وهكذا أصبح العالم متهوداً، لكن اليهود رأوا أنهم استعجلوا نتائجه هذه بما ليس في خطتهم حينما واصل تطوره الطبيعي، وهكذا بدا وكأنما اليهود ضد عملية التهويد هذه فعمدوا إلى تحويل طريقها بما سارع إليه ماركس.

    فماركس كان أول من خرج بفكره عن مساره الأساسي "Deviatiste"، وذلك قبل أن تُستعمل هذه الكلمة، فعمله وِلد من شعور خفيّ وكأنما يُحافظ على الرأسمالية في سبيل عنصره، وهكذا عمد اليهود إلى الثورة الروسية أو الثورة الهتلرية بعد ذلك كرد فعل ضد الرأسمالية.

    لقد رأى ماركس أن ثمة خطراً يداهم إمبراطورية عنصره، وهكذا قيّد المسار حينما طرح كتابه (رأس المال) كمعيار عقدي كي يضيف إلى الرأسمالية نتائج في مصلحة مملكته اليهودية.

    5.اليهودي العالمي: في بداية عام 1937 أو 1938 كثير من الهولنديين غمرتهم الدهشة وهم يقرؤون في صحيفتهم اليومية بياناً تضمن تذكيراً مرسلاً إلى الشعب الهولندي، وقد أثار بعض النقاش حول الأفكار الهتلرية المتداولة في ذلك العصر ضد اليهود.

    البيان كان مجرد تذكير في صيغة تعميم إلى جميع الهولنديين: "يرجى من الشعب الهولندي ألا ينسى أن اليهود هم الذين أقاموا إمبراطورية هولندا الاستعمارية، فأصبحت الإمبراطورية هي الأغنى. فقد كانت إمبراطورية الاستعمار هذه تحت سلطتها مساحة خزان 70 مليون مسلم وأكثر، مع وفرة في المواد الأولية تذهب جميعاً لتطعم ستة ملايين هولندي".

    وقد أثرى بعض اليهود ثراءً فاحشاً وهم يُديرون هذا العمل المجزي بصورة خيالية.

    لقد حاولنا في بداية هذه الصفحات أن نمسك بأطراف بدايات مسار الدياسبورا، والتوجهات في شتات وتفرّق الشعب اليهودي في العالم، إذ ليس غير اليهودي العالمي وحده الذي يؤرخ لهذ العصر، فمسار الشتات اليهودي وجد وجهته الآن أمام نوع من ردة الخوف الوراثية ضد الشعوب الآسيوية تقابلها كراهية يهودية. وهذا الذهان يبدو لنا واضحاً في شعار القرن العشرين في ظل العصر الحديث "الخطر الآسيوي"، الذي أضحى شعار القرن العشرين عبر سائر قنوات الإعلام اليهودية.  ولكن إذا نحن تجاوزنا مدى ما يعنيه هذا الشعار، فثمة خطر حقيقي على اليهودي، وهذا الخطر سوف يتعاظم في مشاعره مع ظهور الإسلام؛ إذ مع ظهور الإسلام بدأ الشعور فوراً يخطط طريق المستقبل في خطط ظهرت نتائجها عقب السقوط الإسلامي، خططٍ ترمي إلى تحقيق موقع اليهود وترأب صدع جماعاتهم في آسيا.

    فاليهود رأوا في العالم طبيعتين من الكائنات: اليهود وهم الشعب المختار، والحظيرة وهي التي يحشر فيها عموم الجنس البشري "الغوييم". ولكن قبل ولادة فكرة الثورة البلشفية للثورة العالمية التي أدارها تروتسكي، كانت المشكلة هي كيف توضع هذه الثورة في ظل اليهودية العالمية، ومن ثم بأية طريقة تحكم بها العالم؟

    كان البحث في أوروبا عن الوسيلة الأكثر انصياعاً والأكثر خصوصية في خدمة مخططاتها، وهكذا من هذا المنطلق قادت خُطاها ببطء، وانتهت إلى فصل أوروبا عن باقي المرتزقة الذين هم من بقايا الإنسانية. من هنا نشأت هذه "الثقافة الأوروبية" ذات الخصائص الأكثر عنصرية.

    فالاستعمار لا يستطيع أن يرى نفسه دون هذا المفهوم العنصري؛ إذ بغير هذا المفهوم للعنصرية فالحرب تصبح مُجرد غزو، ولكن مع العنصرية فالحرب تصبح استعماراً، فكل العمليات الحربية في آسيا، حتى في المنطقة الإسلامية الأكثر بُعداً كمنطقة جنكيز خان وتيمورلنك، كانت الحرب غزواً مجرداً لأن العنصرية كانت غائبة عن مدارك الغزاة كما هي بادية في مدارك اليهود.

    على العكس من ذلك، تبدو الثقافة الأوروبية التي أبدعت بطريق المصادفة أسطورة الجنس الأبيض، كما سوف تُبدع فيما بعد أسطورة العنصر الآري، قد حولت حروبها ما وراء البحار إلى حروب استعمارية.

    استراتيجية الحرب القادمة: إن الطابع المريع الذي اتخذته الحرب الماضية بتأثير الفكر اليهودي سوف يجعل الحرب القادمة شاملة وتقع نتائجها على الغالب والمغلوب معاً.

    إنها ستكون مذبحة للأطفال والنساء والشيوخ، فضلاً عن تهديم المدن والثروات كأهداف سياسية.

    الخطوة الأولى لهذه الحرب ستعمد إلى تهديم المنابع الحيوية بصورة كُليّة وبالغة القساوة، بحيث لا تدع شيئاً يدب، فالخرب سيتقدم حتى يشمل الوسائل الطبيعية للوجود الإنساني.

    وتحقيق هذا الهدف سوف يرتبط بمصادر التموين وبالمواد الأولية وبالرجال الملونين في الجيش الأمريكي، لذا فإن الولايات المتحدة قد تنطلق من قواعدها الجوية لتقوم بهجوم ساحق واستراتيجي ضد روسيا الشمالية دفعة واحدة؛ ولكن هذا يمكن أن يُجابه باستراتيجية مماثلة وهي احتلال ألاسكا للوصول عبر كندا إلى أرض الولايات المتحدة.

    وإذن فالحرب المُنتظرة منذ الدقيقة الثانية ستعمّ المناطق القطبية والمناطق الاستوائية دفعة واحدة، بمعنى أن الحرب ستعم العالم الغربي كله وكذلك العالم الإسلامي.

    وإذا وضعنا هذه الاعتبارات في المستوى الإنساني فهناك نتائج تفرض نفسها؛ فاحتلال روسيا لأوروبا الغربية سيعني بالضرورة انهيار الرأسمالية ثم تراجع الأفكار المسيحية التي تبني عليها في المرحلة الحاضرة؛ وهما ما هو لازم بالضرورة للعنصر الأمني والعنصر الروحي.

    وإذا كان الشائع اليوم القول بأن أوروبا خرجت من مرجعية المسيحية فماذا سيقال في العالمية الثانية التي ستكون نتيجة للحرب التي نتحدث عنها؟ لا شك أن هذا يعتمد على حظوظ الحرب في نتيجتها، ولمن يكون له النصر، أهو في مصلحة هذا الطرف؟ وهنا سيصبح الضمير الأوروبي إما شيوعياً أو لا ملتزماً، لكن المسيحية لن يكون لها محل في نتيجة الحرب.

    فالمسيحية قد أدت مهمتها في التاريخ كيفما كان النصر في مصلحة أي من الطرفين وهذه هي إحدى النتائج الكبرى للحرب القادمة التي نتوقعها.

    الحياد الإسلامي:

    أولاً: العالم الإسلامي والحياد: منذ نهاية الحرب عام 1945 تطورت النفسية السياسية وحدها في العالم الإسلامي، وكان الحدثان اللذان أديا إلى هذا التطور هما فلسطين والحرب الكورية، فالسياسة الإسلامية عقب الحرب انطلقت اتجاهاتها نحو انتصار أمريكا من ناحية، ومن ناحية أخرى الاعتماد على الإيديولوجية الأممية أي الثقة الكاملة بهيئة الأمم المتحدة.

    فقد كان تصاعد قوة أمريكا قد بُنيّ على ذلك النصر الكبير على ألمانيا وقوتها التي لا تُقهر، وهذا قد رفع من اعتماد العالم الإسلامي على قوة أمريكا، ثم إن العالم الإسلامي لم يكن قد استكمل تحرره من الاستعمار.

    لذا كان انحياز العالم الإسلامي نحو أمريكا له معناه لا شعورياً ضد روسيا. هذا الانحياز اللاشعوري قد سار قطاره على خطين هما: المواقف التي تسوقها الظروف، والثانية الأحلام التي تسوقها الشعارات.  وهكذا غدت الشعارات مثل خطيّ سكة الحديد لا تلاقي بينهما.

    وقد بُنيت السياسة الإسلامية على ما سار به الزمن؛ تناقضاً في الوسائل والأفكار، حتى وهي تعالج القضية الفلسطينية.

    لا أريد هنا أن أُشير إلى الفوضى التي عمت الجبهة الداخلية للعالم العربي، ولكني هنا أتحدث عن السياسة في مستوى الحدث. فمنذ أعلن غوريون الدولة الصهيونية؛ أعلنت أمريكا الاعتراف بها في منتصف ليل اليوم نفسه، والباقي كله سار في طريقه عبر الأمم المتحدة التي غدت ضد مصالح وحقوق وآمال العالم العربي.

    وهكذا ما إن أُعلنت دولة إسرائيل حتى كان التسلح يأتيها من سائر المرافئ الأوروبية.

    إن مسار الأحداث التعيسة هذه، قد أزاغ أنظار العالم الإسلامي في تقدير القيمة الجوهرية لإيديولوجية الثقة بالأمم، في الوقت نفسه الذي حلمت فيه رومانسية السياسة العربية بالأمم المتحدة، دون القيام بأيّما جهد في أروقتها تحتل به مركزاً في الإطار الدولي كشريك، أو تحقق عبره هدفاً محدداً.

    انتهت الحرب العالمية الثانية وكانت كلمة "القنبلة الذرية" كلمة سحرية، وغدت مفتاح القوة السوبر إنسانية في صورة أمريكا التي تملك وحدها القنبلة السحرية.

    بقيت أمريكا القوة التي لا تُقهر في العالم الصناعي، إلى أن برز بلد مجهول في أقصى الشرق هو "كوريا الشمالية"؛ التي أعلنت حرباً مدنية ضد كوريا الجنوبية بدعم من روسيا، أدت إلى هزيمتها رغم دعم أمريكا ورقابتها، وهكذا كان العالم يقف على عتبة النصف الثاني من القرن في لحظة ترقب لما يجري في كوريا الشمالية؛ التي احتلتها أمريكا ودمرتها.

    لكن المأساة الكورية أخذت معنىً مختلفاً، والفلاح الروسي الذي أمضى خمس سنوات في النظام الشيوعي في التدريب على شؤون القتال والحرب، قد أفرغ كل خبرته في مواجهة تكنولوجيا الحروب الحديثة.

    لقد كان تكتيك الفلاح الكوري غير متوقع من القيادة الأمريكية؛ حين عطلّ استخدام سلاحها الآلي كدبابات، وهكذا غدا الجندي الكوري متفوقاً بدرجة عالية على الجندي الأمريكي، وغدا الجندي الأمريكي لا يرى أمناً من الجندي الكوري الذي يُفاجئه، حيث لا يجد غير الهروب نحو البحر.

    إذن فالقوة الأمريكية ليست هي القوة التي لا تندحر، والفلاحون في كوريا الشمالية في جيشهم البدائي؛ أعطوا المثل بما يهدم أوهام العالم، والعالم الإسلامي على الخصوص.

    عبر هذا النموذج الذي أعطى المثل؛ نرى كيف أن أحد خطي مسار السياسة الإسلامية، وهو خط المواقف التي تسوقها الظروف، قد أُصيب بضربة قاسية. كما انهار الخط الآخر من رومانسية الثقة بالأمم المتحدة منذ مناقشة قضية فلسطين، وهكذا مع الحرب الكورية التي مسّت كبرياء القامة الأمريكية، كانت كلمتا السياسة الإسلامية: المواقف التي تسوقها الظروف، والأحلام التي تسوقها الشعارات، قد انتهت بالفشل الذريع.

    فالعالم الإسلامي بدأ بعد هذا كله يتجه نحو سياسة قريبة من روسيا؛ حين اختار لنفسه سياسة الحياد.

    ثانياً: الحياد الإسلامي والدبلوماسية الغربية: إذا كان الدور الأساسي في التحضير للحرب القادمة يعود لليهود، فإن توفير الشروط الملازمة لانفجار الحرب، يرتبط بالحساب اليهودي الذي لا يتبنى حادثاً في إشعال فتيل الحرب إلا ويُشبعه تحليلاً.

    هذه الاعتبارات الأولية أوحت إليّ الطريقة التي أفترضها لمعرفة السبب الذي يحدوا باليهودي أن يحسب النتيجة التي على أساسها يبني خطته.

    تحليلنا وصل إلى احتمالين رئيسيين في أساس الحرب القادمة المفترضة:

    الاحتمال الأول: إذا أعلنت أمريكا الحرب في هذه اللحظة؛ فثمة خطرٌ كبير أن تخسرها.

    الاحتمال الثاني: العالم الإسلامي إذا ما ظل محايداً، ونستثني البلاد المحتلة مباشرة كإفريقية الشمالية وإفريقية السوداء، فإن الاحتمالين إذا وضعناهما بنجوة من اهتمامات اليهودي العالمي، والذي هو المحرك لمسار الدبلوماسية الغربية، فإن العالم الإسلامي سيُحقق النتائج التالية:

    1.إن الحياد الإسلامي سيُحقق حضوراً دولياً مفترضاً يجعل كلاً من أندونيسيا – أفغانستان – إيران، مع دول الجامعة العربية؛ جزر سلام خارج حرب عالمية.

    2.مقتضى هذا الحياد في حالة المسلمين في الحرب القادمة، وهذا مجرد افتراض، أن هذه الجزر من السلام ستكون ورشاً للعمل والدراسات، فأندونيسيا قد استدعت الاقتصادي الأول في العالم "شاخت" الذي خطط لاقتصاد الرايخ الألماني، وهو اليوم يُشرف على آخر بصمات النظام الاقتصادي الأندونيسي.

    خطة المسلم: إذا عرّفنا التبشير والدعوة إلى الإسلام بوصفها استراتيجية عُليّا للسلام، فذلك في مصلحة السلام أكثر مما هو لمصلحتها.

    والاستراتيجية كفكرة لا بد أن تُبنى على مركزية قيادة عُليّا تراقب وتوجه بصورة مستمرة برنامج أداء رسالتها في وجهتي نظر: الأولى داخلية توفر الوسائل اللازمة لتقود جيداً برنامجها العملي، والثانية وجهة نظر خارجية.

    هذه المركزية العليا هي بذاتها العنصر الأول للاستراتيجية، وذلك من خلال وجهين:

    الأول: يتعلق بالخطة في جانبها الداخلي لتقوم بدراسة واقع البلاد الإسلامية نفسها وتزود الاستراتيجية بالوسائل، والثاني يتعلق بجانبها الخارجي الذي هو البلاد غير الإسلامية التي تُشكل مساحة هذه الاستراتيجية.

    فالخطة في جانبها الداخلي هي عملية تحليلية، ثم هي عملية تركيبية أشرنا إليها في كتابنا شروط النهضة حين حددنا الوسائل ليكون في مجموعها الخلاص النهائي من القابلية للاستعمار. ففي مرحلة الدعوة مع العالم الجديد؛ لا نستطيع رؤية المستقبل الروحي للعالم الإسلامي كما هو اليوم بين يديّ البرجوازيين ولا الأميين، ولا كذلك العلماء في واقعهم الحاضر. فوجهة العالم الإسلامي تتطلب بصفة عامة نُخبة مختارة، ثم الدعوة إلى الإسلام تتطلب سُبلاً متنوعة أكثر تحديداً، تنطلق من مركزية قيادة الاستراتيجية العليا.

    وهنا تبدو القيمة الخُلقية والمسلكية والفكرية للفرد في المقام الأول، سواء في الأداء الروحي أم في بيئة المحيط حوله، والذي يعمل فيه. وتبقى الخبرة الفنية تضاف إلى ما نسميه تقنية الدعوة والتبشير بالإسلام.

    إن مبنى أداء الدعاة المسلمين في التعريف بالإسلام كمفهوم غيبي موحى به هو عقدي في بُنية الإيمان، وأخلاقي في معايير السلوك، واجتماعي في شبكة التواصل في المحيط كحق وطني ثم عالمي في مداه الإنساني.

    وينبغي ألا يفوت الداعية في جانب آخر لغة العادات والتقاليد للبلاد الأجنبية التي ترتكز عليها مهمته، فعليه أن يألفها وتألفه في النتيجة.

     

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:353
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:91
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك