• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 25-09-2018
  • المؤلف: محمد الغزالي
  • الناشر: دار نهضة مصر
  • عدد الصفحات:359
  • عدد الاستماع للحلقة: 448
  • في هذا الكتاب أفكارٌ وعواطف شتى، صفا عرضها حيناً، وغام حيناً آخر، وإن اصطبغت في جملتها بحدة الشعور وحماسة العرض. والأحوال التي عانتها بلادنا، وذاق جمهور المسلمين نكدها، كانت هي المداد الفذ لهذه المقالات. والباعث على إرسالها هكذا؛ خواطرُ مُهتاجة. ..
    15
    اغسطس
  • 121: أميركا والإبادات الجنسية
  • كتب في: 15-08-2018
  • المؤلف: منير العكش
  • الناشر: رياض الريس
  • عدد الصفحات:166
  • تعقيم 14 مليون أميركي: "تعقيم 14 مليون أميركي"؛ بهذا العنوان صدرت صحف ومجلات امبراطور الإعلام وليم هيرست في أواخر سبتمبر/أيلول 1915، منذرة بخطر الحرب الأميركية على المستضعفين في الأرض وتدمير مستقبل نسلهم في الأرحام، ومحذرة من أن الطبقات الحاكمة ترسم مستقبل أميركا والعالم بالدم. ثم في 14 أكتوبر/ تشرين الأول كتبت صحيفته افتتاحية بعنوان: "من أين نبدأ؟" جاء فيها: ملايين السيدة هاريمان أرملة متعهد السكك الحديد، مضافة إلى ملايين روكيفلر وكارنيغي ستُخصص لتعقيم مئات آلاف الأميركيين من "ضعاف العقول" سنوياً، بهدف تحديد النسل! صحيح أننا لا نعرف ماذا ستفعل ملايين هؤلاء الموسرين المتنفذين للناس العاديين، لكننا نعرف أن أموالهم تشتري حكومات الولايات المتحدة، وتخرق ال

    تعقيم 14 مليون أميركي:

    "تعقيم 14 مليون أميركي"؛ بهذا العنوان صدرت صحف ومجلات امبراطور الإعلام وليم هيرست في أواخر سبتمبر/أيلول 1915، منذرة بخطر الحرب الأميركية على المستضعفين في الأرض وتدمير مستقبل نسلهم في الأرحام، ومحذرة من أن الطبقات الحاكمة ترسم مستقبل أميركا والعالم بالدم. ثم في 14 أكتوبر/ تشرين الأول كتبت صحيفته افتتاحية بعنوان: "من أين نبدأ؟" جاء فيها:

    ملايين السيدة هاريمان أرملة متعهد السكك الحديد، مضافة إلى ملايين روكيفلر وكارنيغي ستُخصص لتعقيم مئات آلاف الأميركيين من "ضعاف العقول" سنوياً، بهدف تحديد النسل!

    صحيح أننا لا نعرف ماذا ستفعل ملايين هؤلاء الموسرين المتنفذين للناس العاديين، لكننا نعرف أن أموالهم تشتري حكومات الولايات المتحدة، وتخرق الدستور، وتحتفظ بسلاح خاص لقتل الرجال والنساء والأطفال. وإذا استسلمنا لمثل هذا الجنون فإننا لن نتفاجأ أبداً إذا ما شرعوا يوماً في تعقيم كل من يكرهون من البشر... ثم تتساءل الافتتاحية: من الأخطر؟ ومن الأولى بنا تعقيمهم والتخلص منهم؟ أهؤلاءالفقراء المتهمون بضعف العقل، أم الذين تورطوا في برنامج هاريمان – روكيفلر – كارنيغي للتعقيم، والمتهمون أيضاً بجشع وحشي إلى تكديس المزيد من الملايين؟ أليس هؤلاء أكثرُ خطراً؟! لنبدأ أولاً بفحص الخلل العقلي لدى أبناء أصحاب المليارات. ولنبدأ بتعقيم من سيعود تعقيمهم بالخير على المجتمع.

     

    قرأت هذه الافتتاحية منذ سنوات طويلة، لكنها لم تستيقظ في ذاكرتي إلا قبل حوالي سنتين عندما كنت أبحث عن وثائق "الدولة" التي وعدت الحكومة الأميركية بإنشائها للهنود الحمر غرب المسيسبي. يومها وبالمصادفة، عثرت على وثيقة من 107 صفحات وضعها الدكتور هنري كيسنجر عام 1974 حين كان مستشاراً للأمن القومي، ووجه منها نسخاً إلى وزير الدفاع، ووزير الزراعة، ومدير الاستخبارات المركزية، ووكيل وزارة الخارجية، ورئيس موظفي البيت الأبيض، مع ملاحظة: "أن لا ترفع السرية عن هذه الوثيقة إلا من قِبل البيت الأبيض".

    هذه الوثيقة التي أشارت في سطرها الأول إلى أنها وُضِعت بتوجيه من الرئيس جيرالد فورد، ترسم، بدمٍ بارد، خطة لتعقيم وقطع دابر نسل نساء 13 دولة في العالم الثالث بينها مصر، وذلك في مهلة لا تزيد عن 25 سنة.

    في تلك الفترة التي كانت فيها الولايات المتحدة تخوض حربها الصليبية على الشيوعية، كانت الإدارات الأميركية المتعاقبة ترى أن جرثومة الشيوعية تكمن في التفجر السكاني وما يستتبعه من فقر، وأن القضاء على الشيوعية لا ينجح بالقضاء على الفقر بل بالقضاء على الفقراء واستئصال الأرحام التي قد تحملهم.

    هذه المذبحة الخفية لنسل الملايين من الفقراء والمستضعفين داخل أميركا وخارجها هي موضوع هذا الكتاب. فهي لم تبدأ مع كيسنجر، ولم تتوقف مع انهيار الاتحاد السوفيتي، بل لعلها بلغت أو ج سعيرها اليوم في عهد الرئيس باراك أوباما.

    تأليه الجشع:

    مع انتصار أخلاق الجشع في غابة "ثروة الأمم" حُشر الفقراء في معسكرات الأعراق والجماعات التي أحلّت "فكرةُ أميركا" استئصالهم هم وذراريهم. وبالقضاء المبرم لأخلاق الجشع، منع مئات آلاف الأميركيين في العقود الستة الأولى من القرن العشرين من الإنجاب قسراً وكرهاً، بسبب فقرهم أو أصولهم العرقية.

    كان الهدف المُلحّ تعقيم 14 مليون فقير مستضعف يُعرفون بالمعشار الدنيّ من المجتمع الأميركي، وقطع دابر نسل الملايين من الشعوب الأخرى خارج أميركا، ما أمكن ذلك.

    هذه الحروب على الفقراء والمستضعفين ونسلهم لم يخضها جيش، أو يُطلق فيها رصاص، بل كانت وما زالت حرب القفازات الناعمة البيضاء في أيدي الجراحين، وحرب العلماء وأساتذة الجامعات والصناعيين الأغنياء وفقهاء القانون وقديسي النقاء العرقي، وكان هدفها وما زال تكنيس الأرض من فقرائها وضعفائها وأجناسها اللعينة.

    كان المراهقون والمراهقات من هؤلاء الفقراء المستضعفين يُسلمون أعضاءهم التناسلية لمباضع الجراحين دون أن يعرفوا أي مذبحة أُعدت لنسلهم وذراريهم. وكان يُقال لهم، مثلاً، إنهم بحاجة إلى استئصال الزائدة الدودية. لهذا لم يكتشف الكثيرون منهم لغز عقمهم إلا بعد عقود طويلة عندما اُفتضحت الحقيقة في تقارير المحققين – كما في الفيلم الوثائقي الذي أخرجه الكاتب والمنتج السينمائي الإنساني ستيفن ترومبلي بعنوان "قصة مِصَح لينشبيرغ". كان هذا المصح التابع لولاية فرجينيا أشبه بمسلخ جنسي يضم الآلاف من المغضوب على نسلهم. وكان وراء ذلك رجال أعمال متنفذون، ورسميون كبار مثل رئيس المحكمة العليا وندل هولمز الذي قال في تبرير ذلك:

    "أولى بنا أن نقتل هؤلاء المنحطين في الأرحام لنتجنب إعدامهم بعد ذلك عندما يُخلقون ويُصبحون مجرمين أو فقراء معوزين يجوعون بسبب غبائهم".

    الفقر والغِنى: معادلات منوية

    في كتابها محور الحضارة تصف مبدعة تعبير "تحديد النسل" مرغريت سانغر الفقراء بأنهم "قمامة بشريّة"، وتدعو إلى إغلاق جمعيات الخير والإحسان التي تمد لهم يد العون لأنهم "سينجبون جيلاً مثلهم خطراً على المجتمع وعلى الإنسانية". كذلك تعزو سانغر فقر الفقراء إلى ضعف عقولهم وإلى غباء متأصل في دمهم وخلاياهم، وتقول: "ليس ثمة لعنة على الأجيال المقبلة أدهى من توريثها مزيداً من الأغبياء".

    قراءة سريعة لسيرة هذه المرأة الرحيمة، التي تُعتبر نجماً متألقاً من نجوم المجتمع وعَلَماً من أعلام الداروينية الاجتماعية في الولايات المتحدة، تكشف عن ينابيع أفكارها النبيلة عن الفقراء والضعفاء وكل من نسبتهم إلى الغباء: فقد حملت أمها بثمانية عشر طفلاً لم يعش منهم سوى أحد عشر، ثم ماتت بالسل والسرطان، واضطرت هي للعناية بإخوتها وأخواتها. أما أبوها الذي ألهمتها مهنته بالكثير فكان يكسب قوته من نقش شواهد القبور. ولكن بدلاً من أن تنحو بلائمتها على الفقر والظلم الاجتماعي وتثور عليهما، انهالت بلعنة الموت على الفقراء والضعفاء ونسلهم، فكانت من أنشط دُعاة التعقيم الانتقائي في الولايات المتحدة.

    قدمت الداروينية الاجتماعية لصناديد "ثروة الأمم" مبررات علمية وأخلاقية مغرية لحربهم على الضعفاء والفقراء، وأمدتهم بحجج جديدة للإيمان بالضرورات الوجودية لصناعة عرق أميركي أسمى متفوق بالطبيعة على الأعراق والطبقات الدنيا من البشر الذين "تسوقهم خلاياهم الوراثية إلى الانقراض الحتمي". كذلك فإنها جددت دماء "فكرة أميركا" حين كست لاهوتها البيوريتاني برداء العلم، فصار احتلالُ أرض الغير واستبدال شعبٍ بشعب وثقافة بثقافة عملاً اقتضاه التطور الطبيعي ووجهاً علميّاً للدعاوى اللاهوتية المستمدة أصلاً من فكرة إسرائيل الأسطورية.

    شبح مالتوس في البيت الأبيض:

    "لو قُدر ليّ أن أتناسخ وأعيشُ من جديد لتمنيت أن أكون جرثومة فتاكة تُساهم في حل مشكلة التفجر السكاني".

    الأمير فيليب (زوج الملكة إليزابيث) من مقدمته لكتاب "لوكنتُ حيواناً"

    توارت حملة التعقيم والإخصاء عن العيون، لكنها لم تختف ولم تيأس بل ظل جمرها متقداً تحت رماد العنصرية رغم الفظائع التي ارتكبتها في ألمانيا والولايات المتحدة، ورغم الحملة القاسية عليها محلياً ودولياً. ففي 22 أبريل/نيسان 1977 تبين أن شبح مالتوس يطوف في أروقة البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي. في مساء ذلك اليوم الربيعي كشف الدكتور رايمرت رافنهولت مدير مكتب الحكومة الاتحادية للسكان التابع للوكالة الأميركية للتنمية الدولية عن برنامج تطهير عرقي وطبقي لم تجرؤ على مثله النازية. وبرر ذلك بأن الولايات المتحدة – تفادياً للخطر السكاني الذي يهدد كوكب الأرض – تعمل على تأمين الشروط والوسائل اللازمة لتعقيم ربع نساء العالم القادرات على الحمل وذلك لحماية مصالحها الاقتصادية. وقال أيضاً بأن الحكومات بدأت بالإجراءات العملية لهذا البرنامج، فهي الآن تُدرب نخبة من الأطباء الأجانب على تقنيات التعقيم المتطورة في كلية الطب التابعة لجامعة واشنطن.

    ثم ذكر رافنهولت أربعة أسباب دفعت الولايات المتحدة إلى إطلاق هذا البرنامج، تتلخص في حفظ أمن الولايات المتحدة، وحماية مصلحتها الاقتصادية، ذلك أن زيادة السكان في العالم الثالث الفقير ستزيد من فرص الثورات على الولايات المتحدة وتضر بمصالحها.

    هذا الاستهداف الأميركي لنسل ملايين الفقراء والمستضعفين في أميركا والعالم ليس تاريخاً وانقضى، بل تاريخ الأمس واليوم. فجون هولدرن الذي اختاره أوباما لتولي أخطر ثلاثة مناصب علمية في إدارته، لهذا الـــ "مالتوس" العصري القابع في البيت الأبيض كتاب من 1051 صفحة، ألفه مع اثنين من علماء الحياة والسكان، وبشر فيه الإنسانية بعصر تفرض فيه الولايات المتحدة الأميركية على شعوب الأرض "حزام عفة" إلكترونياً، يُزرع تحت الجلد، ولا يُنزع إلا بإذن رسمي من "الأخ الأكبر" وبمعالجة طعام هذه الشعوب وشرابها بعقاقير التعقيم.

    مشاهد تشاؤمية مظلمة لمستقبل العالم يعرضها كتاب هولدرن، وأمواج هائجة من المجاعات والأمراض والحروب يزعم أنها ستقضي على الإنسانية إذا لم تسيطر أميركا على خصوبة البشر، لكنه في النهاية يمد لها حبل النجاة عبر برنامج معقد يمكن تلخيصه في نقاط:

    • سيطرة الدولة على خصوبة النساء والرجال والتحكم الصارم بنسبة نشاط هذه الخصوبة.
    • إرغام النساء الحوامل على الإجهاض، شئن أم أبين.
    • تعقيم جماعي للبشر عبر عقاقير تُعاَلج بها المنتجات الغذائية الأساسية ومياه الشرب.
    • نظام كوكبي يفرض هذا البرنامج على شعوب الأرض، ويضع سقفاً للتكاثر، ويتحكم باختيار من يولد ولا يولد، ويسيطر على الغذاء والماء والمصادر الطبيعية في البر والبحر. وعلى حكومات العالم أن تتنازل عن بعض سيادتها لهذا النظام وجيشه وقوات الأمن التابعة له.

    "الأرحام المنهوبة" دراسة يُقدم فيها المؤرخ الأمريكي بروس جوهانسن بعض الأمثلة الحية على التطبيق الدولي لهذا البرنامج، الذي يسعى إلى "تخفيض أكبر عدد ممكن من سكان العالم الثالث". كل ذلك يجري تحت مسمى الرحمة والمساعدات الإنسانية، وتحت مظلة "الوكالة الأميركية للتنمية الدولية".

    لم يكفِ راوندا مثلاً، ما شهدته من حرب إبادة جماعية ذهب ضحيتها 800 ألف إنسان، فقد تكرمت عليها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية بالمزيد. ففي عهد هذه الإدارة التي يستوي على عرشها رئيس من أصل أفريقي وأب "مسلم" حائز على جائزة نوبل للسلام، هناك الآن تقارير موثقة تتحدث عن تمويل "الوكالة الأميركية للتنمية الدولية" لحملة تعقيم وإخصاء "اختيارية!" واسعة تشمل 700 ألف أفريقي راوندي من الأطفال الرُضع والجنود والشرطة وطلاب الجامعات (يُقطع نسلهم إلى الأبد)، كما صرح بذلك وزير الصحة الراوندية الدكتور ريتشارد سيزوبيرا، وتذكر مؤسسة الدراسات السكانية في أحد تقاريرها أن البرنامج لم يُقرّ من الحكومة الراوندية إلا بضغط شديد من الولايات المتحدة والمنظمات الصحية الدولية المهيمنة عليها.

    أما في البيرو، تلك الروضة البهية من الحديقة الخلفية للأوليمب الأمريكي، فما أن اُنتخب "المعتدل" ألبرتو فوجيموري رئيساً لهذا البلد ذي النسبة العالية جداً من السكان الأصليين والغالبية الكاثوليكية حتى رُفع التحريم عن التعقيم وصارت الآلهة تُمطر على فقراء هذا البلد سمناً وعسلاً وعقاقير "هدية من الشعب الأميركي الصديق". ولكي تتخذ حملة التعقيم طابعاً خيرياً متمدناً تخفّت وراء شعار "تنظيم الأسرة" ونشطت بسرعة فلكية تصاعد معها عدد الضحايا من عشرة آلاف امرأة في عام 1996 إلى 110 آلاف في عام 1997.

    تطهير الأرحام من الألغام:

    "إذا كان لا بد من شعار يرمز لأمريكا وتاريخها فليس هناك ما يُعبر عن هذه الحقيقة سوى هرم هائل من الجماجم".

    (المؤرخ ريتشارد سلوتكين)

    يبقى لتعقيم نساء السكان الأصليين (الهنود الحمر)، داخل ما يُعرف اليوم بالولايات المتحدة، منزلة مقدسة في قلوب "الشعب المختار" تضرب في جذورها في أعماق فكرة أميركا نفسها، لا لاستئصال شهود "الإبادة الأطول والأدمى في تاريخ البشرية"، وإنما لأن الغزاة البيض يرون في رحم الهندية مزرعة ألغام، فهي التي تنجب الأجيال المقبلة، وتحول بذلك دون السيطرة على ما تبقى من الأرض وثروات الأرض في أيدي الهنود – وما أكرمها. هذا ما تعبر عنه أيضاً الأكاديمية الهندية اينس هرنانديس أفيلا رئيسة قسم دراسات سكان أميركا الأصليين في جامعة كاليفورنيا بقولها: "لطالما اسُتهدفت المرأة الهندية وقُتلت، خوفاً مما قد تحمله في رحمها، ذلك أن إنجابها هو تأكيد على استمرار هذه الشعوب الهندية وبقائها على أرضها".

    حجم هذه الإبادة وسرعتها يختلفان من مكان إلى مكان في هذه المنطقة التي تسمى اليوم بالولايات المتحدة والتي كان يسكنها أكثر من 400 أمة وشعب. لكن الدراسات الحديثة تتحدث عن نسبة تقدر بين 90و98 بالمئة من أبناء وبنات هذه الأمم والشعوب. ويصف رحالة إنكليزي حال هذه البلاد، بعد قرنين من وصول كولومبس قائلاً: "ليس هناك من الورق والكلام والوقت ما يكفي للحديث عما حل بالهنود وبلادهم من دمار ولصوصية".

    أنكل أوباما ولسانه المشقوق:

    "كم أتمنى أن أُحمّل طيارة حربية مقاتلة من نوع إف – 15 برأسين نوويين، وأقودها طلعةً واحدة نتخلصُ بعدها من كل ما اسمه سوريا". (تصفيق حاد وهتاف)

    عضو الكونغرس سام جونسون/19 فبراير/شباط 2005

    يطلق الهنود الحمر على من يخونهم من بني جلدتهم مع المستعمرين البيض اسم "التفاحة" لأنه لم يبق له من هنديته إلا البشرة الحمراء، أما من الداخل فقد أصبح كالمستعمر الأبيض، أبيض السياسة والأخلاق. كذلك فإنهم يُشبهون "مكتب الشؤون الهندية" الذي أنشأه لهم المستعمرون البيض وجعلوه بمثابة "السلطة الوطنية" للهنود الحمر بالنمل الأبيض. ذلك لأن هذه الآفة من أخطر ما يواجهه الأميركيون في حياتهم لأنها تنخر قواعد بيوتهم من الداخل.

    من يقوم بدور النمل الأبيض لدى الأميركيين السود يشبهونه بحلوى تسمى "أوريو". لكن الاسم الشائع للأسود المتأبيض هو "أنكل توم". وقد جاء الاصطلاح من رواية "كوخ العم توم"، والعم توم في الرواية أسود متفوق أخلاقياً على سيده الأبيض، لكنه اُستعمل فيما بعد اصطلاحاً مهيناً لوصف من يخون بني جنسه من السود بالذل والخنوع والمبالغة في التملق للسيد الأبيض. ومن ظاهرة هذا الأسود المتأبيض استعار علم النفس ما يُعرف بأعراض وباء العم توم ومن ذلك المبالغة في النفاق والخنوع والتملق.

    لطالما وصفت منظمات الحقوق المدنية السوداء "أوباما" بحلوى "الأوريو" تارة، وبالعم توم تارة أخرى كما أطلقتها من قبل على كثير من الشخصيات السوداء البارزة التي ما زالت تعمل لمصالحة المؤسسة الأميركية الحاكمة بروح العبد المطيع. ولعل أقرب مثلين على هذا الوباء كما يراه الأميركيون السود المعاصرون هما وزير الخارجية الأسبق كولن بأول الذي اتخذته "ذي فيليج فويس" أنموذجاً لوباء العم توم. والمثل الثاني يتمثل في تفاني وزيرة الخارجية الأميركية كوندي رايس في خدمة سيدها الأبيض. إنها على مدى ثمانية سنوات من عملها كمستشارة للأمن القومي ثم وزيرة للخارجية، وعلى الرغم من معاناتها من العنصرية وهي طفلة، لم تكتف بأن أدارت ظهرها لبني جنسها في الولايات المتحدة وأفريقيا بل إنها كانت من ألد أعداء حركة الحقوق المدنية السوداء.

    لقد ورثت عن أبيها القس الفذ وباء العم توم حيث كان يصف المناضلين السود من أجل الحقوق المدنية بقيادة مارتن لوثر كينغ بأنهم "شرذمة نيغرو (واللفظ يُستخدم تحقيراً) ضالّون جهلة". أما هي فقد وصفت نضالهم وتضحياتهم بإنها عبث لا معنى له". وهنا تُعلق مجلة "بلاك كومنايتور" بأن رايس لا تختلف عن أبيها. إنها لن تتورع عن أن تبصق على قبر مارتن لوثر كنغ وعلى تلك النفوس الشجاعة التي بذلت حياتها من أجل أن تكون رايس حيثُ هيَ الان". لكن كوندي التي فتنها "أنكل توم" اللبناني وغمرته بالقُبل ذات يوم ليست استثناءً في المؤسسة الأمريكية. فمعظم السود في الحزب الجمهوري متهمون كما يقول عضو الكونغرس تيموثي جونسون بأنهم يكرهون بني جنسهم ويطلق عليهم اسم "العم توم".

    أبرز من أطلق على باراك أوباما اسم "العم توم" هو رالف نادر مرشح الرئاسة الأمريكية وأشهر محامي المستهلكين في أميركا، حيث اتهمه بأنه لا يختلف عن سلفه جورج بوش في خدمة الشركات الكبرى؛ شركات الرأسمال والنفط والسلاح وتجارة الموت. وبالطبع لم يكن رالف نادر مخطئاً، فكل وعود أوباما للفقراء وأبناء الطبقة الوسطى تبخرت ساعة دخوله البيت الأبيض، على غرار من سبقه من أصحاب اللسان المشقوق.

    كل ما في "كوخ أنكل أوباما" وتاريخه وتصرفاته، وتصريحاته التي يضرب بعضها بعضاً يؤكد أنه لا يختلف إسرائيلياً عن كوخ "أنكل بوش" وعن التزام الإدارات السابقة بالمفكرة الصهيونية.

    ففي رام الله يُخاطب أنكل أوباما مجموعة من الطلاب الفلسطينيين، تحت سمع وبصر كبير المهرجين الفلسطينيين فيقول: "اسمعوا جيداً. إذا كنتم تنتظرون من أميركا أن تبتعد عن إسرائيل فأنتم واهمون، واهمون. إن التزامنا، والتزامي أنا شخصياً بأمن إسرائيل لا يقبل نقاشاً".

    لفلسطين لدى الرؤساء الأميركيين شأن آخر، فهي ليست مجرد "استراتيجيا" أو اقتصاد أو "مجال حيوي"، وبالتأكيد فهي ليست بسياسة خارجية إلا في الإطار البيروقراطي. فطالما إن إنشاء أميركا وتاريخها لم يكن إلا تأسيّاً بفكرة إسرائيل التاريخية، وطالما أن بلاغة العنف التي استعارت أخلاقها من فكرة إسرائيل التاريخية وأساطيرها وأنماط سلوك مجرميها بدءًا من العهد المقدس الذي عقده المهاجرون الأوائل مع يهوه في عرض المحيط وانتهاء بمكالمة الرئيس بوش معه في البيت الأبيض واعتقاده بأنه "موسى العصر"، فإن الأميركيين ورؤساءهم على اختلاف مذاهبهم لا يتفقون على شيء كاتفاقهم على المشروع الصهيوني الذي يشربه الأميركيون مع حليب أمهاتهم ثقافياً، وتاريخياً، وتربوياً، وإعلامياً، ودينياً، ومثلاً أخلاقياً أعلى.

    كل تاريخ أميركا كما يروي المؤرخ كونراد شيري هو "تاريخ القناعة الراسخة بان الأميركيين هم الإسرائيليون فعلاً، وشعب الله المختار حقاً". وخطرُ هذه القناعة لا يكمن في تلبسها بمصالح شركات النفط ومصانع السلاح فحسب، بل يكمن أيضاً في استيعاب هذه القناعة لكل ميتافيزيقا الكراهية العبرانية وهوس الإبادة والاستعباد للفلسطينيين الكنعانيين خاصة، ولكل حضارات العالم العربي القديم عامة.

    في كتاب "المواجهة بين عصر العقل وعصر الرؤيا" يقول الفيلسوف ريتشارد بوبكين إن الإنكليز على طرفي المحيط _بريطانيا وأميركا) أكثر حماسة من اليهود لتأسيس الدولة اليهودية وبناء معبد سليمان، وإن صهيونيتهم هي التي صنعت الحركة الصهيونية (اليهودية) وانتشلتها من هامشيتها".

    كان يهود ذلك الزمان يتخوفون من إلحاح بريطانيا وأميركا على إنشاء دولة لهم في فلسطين. وحين بلغ الضغط على اليهود الأميركيين أقصاه في مؤتمر شيكاغو عام 1890 أي قبل المؤتمر الصهيوني الأول بسبع سنين، غضب الحاخام الأكبر إميل هيرش وقال: "إننا يهود هذا العصر لا نرغب في أن نُعاد إلى فلسطين ... إننا لن نعود أبداً لتأسيس كيان قومي خاص ولا نقبل بأن يُسقط علينا الآخرون ما يريدونه هم أنفسهم لنا". ثم تجلت المعارضة اليهودية للمشروع الصهيوني الأميركي في افتتاحية كتبتها صحيفة نيويورك صن جاء فيها: "إن غالبية اليهود يرفضون إعادتهم إلى فلسطين وإن على الولايات المتحدة أن لا تحشر أنفها فيما لا يعنيها".

    ثم إننا نجد في كتاب سيسيل روث الوثائقي "مقالات ووجوه في التاريخ اليهودي الإنكليزي" كثيراً من المعلومات عن دخول المهاجرين الإنكليز الأوائل في الدين اليهودي مما جعلهم نواة الطائفة اليهودية الأميركية. وهذا أمر بالغ الخطورة، فهو يعني أن النواة الصلبة ليهود أميركا اليوم هي نواة أنغلوسكسونية، وليست ساميّة كما يُتوهم، ويعني أن المفكرة الصهيونية الجيوسياسية لليهود والأنغلوسكسون هي مفكرة أيديولوجية واحدة لكل الإدارات والرؤساء والأحزاب في واشنطن ولندن وتل أبيب.

    نعم قد تتخذ هذه المفكرة الأيديولوجية تعبير أورويلية مختلفة مثل "القيم المشتركة" و"الحلف الاستراتيجي" و"الالتزام الأخلاقي" و"الالتزام بأمن إسرائيل" و"الحرب على الإرهاب" وغير ذلك من التعميات، لكنها جميعاً لا تعني إلا الالتزام بالمشروع الصهيوني، وهي في كل الأحوال تستمد أخلاقها من معين آسن مشترك: إسرائيل فوق أخلاق البشر، وقوانين البشر، وحريات البشر، وحياة البشر، وفوق كل الرؤساء من جورج واشنطن إلى باراك أوباما.

     

     

     

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:195
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:79
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك