• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 25-09-2018
  • المؤلف: محمد الغزالي
  • الناشر: دار نهضة مصر
  • عدد الصفحات:359
  • عدد الاستماع للحلقة: 448
  • في هذا الكتاب أفكارٌ وعواطف شتى، صفا عرضها حيناً، وغام حيناً آخر، وإن اصطبغت في جملتها بحدة الشعور وحماسة العرض. والأحوال التي عانتها بلادنا، وذاق جمهور المسلمين نكدها، كانت هي المداد الفذ لهذه المقالات. والباعث على إرسالها هكذا؛ خواطرُ مُهتاجة. ..
    15
    اغسطس
  • 123: مكتباتهم
  • كتب في: 15-08-2018
  • المؤلف: محمد آيت حنا
  • الناشر: توبقال للنشر
  • عدد الصفحات:144
  • الفلاّحون لا يضعون الكتب في المكتبات: سواء اختار الباحثُ طريقَ صعوده غرباً باتجاه سلالة أمي أو شرقاً باتجاه أجدادي لأبي، لن يكون بمقدوره أن يهتدي بغير حاسة الشمّ، ولن يشمّ إلا التراب: الجميع فلاحون. ولا أحد منهم يذكر بالتحديد أوّل من قرأ أو كتب من السلالة. عرفتُ في طفولتي اثنين من أجدادي كانا موثقين عدليين وإمامين مرجعين. ويقال إن أحدهما كان يمتلك مكتبة نفيسة، لكنها اندثرت بعدما قسمها الورثة مثلما قسموا الشوكات والسكاكين الفضية. نرجع لقضيتنا الأساسية قضية المكتبة: لم يشطّ خيالي يوماً حدّ الاعتقاد في إمكان أن أرث من السلالة شيئاً عدا الأمراض الوراثية. لم أعتقد يوماً في أن بإمكان أحدهم أن يُطعمني الأدب في الجينوم. وحدها الكتب كانت لِتُبرر وجودهم بالنسبة لي. أن يُخلفوا لي تركة أدبية.

    الفلاّحون لا يضعون الكتب في المكتبات:

    سواء اختار الباحثُ طريقَ صعوده غرباً باتجاه سلالة أمي أو شرقاً باتجاه أجدادي لأبي، لن يكون بمقدوره أن يهتدي بغير حاسة الشمّ، ولن يشمّ إلا التراب: الجميع فلاحون. ولا أحد منهم يذكر بالتحديد أوّل من قرأ أو كتب من السلالة.

    عرفتُ في طفولتي اثنين من أجدادي كانا موثقين عدليين وإمامين مرجعين. ويقال إن أحدهما كان يمتلك مكتبة نفيسة، لكنها اندثرت بعدما قسمها الورثة مثلما قسموا الشوكات والسكاكين الفضية.

    نرجع لقضيتنا الأساسية قضية المكتبة: لم يشطّ خيالي يوماً حدّ الاعتقاد في إمكان أن أرث من السلالة شيئاً عدا الأمراض الوراثية. لم أعتقد يوماً في أن بإمكان أحدهم أن يُطعمني الأدب في الجينوم. وحدها الكتب كانت لِتُبرر وجودهم بالنسبة لي. أن يُخلفوا لي تركة أدبية. أتحدث بالطبع هنا متقمصاً صوتي في زمنٍ سابق، زمن هوسي بجمع الكتب، إذا لا ريب في أني لو خُيرت الآن لاخترت أن يتركوا لي المال بدل الكتب، لكنهم خلفوا لي مكتبة. بيد أنها كانت مكتبة متاهة، مكتبة كان عليّ أن أجمعها قطعة قطعة وأُشكل بنفسي هيكلها الهلامي. كان الجميع يملكون كُتباً، ولكن لا أحد منهم امتلك خِزانة كتب. عندما كنت أزور أحدهم أبحث عن الكتب التي قد تكون موجودة في بيته، عادة ما تكون الكتب في منطقة ما من البيت حيثُ تُخزن مع غيرها من المتلاشيات، أو يوجد الكتاب فوق التلفاز أو على رف من الرفوف كأي شيء لا مبرر له. لم يكن أحد يمانع في أن آخذ الكتاب، عموماً كانوا دائماً ينظرون لي كغريب أطوار.

    الكتب التي كنت آخذها مدينة لي بأني منحتها صوتاً، كتب ما كانت لتنطق يوماً لو أنها ظلت في مكانها، وما زلت إلى اليوم أتعجب من العناوين التي كنت اصطادها في سياحاتي ما بين منازل العائلة، ما الذي كان يفعله تاريخ الأدب لحنّا الفاخوري في ذلك المكان المظلم بين الرطوبة وخيط العنكبوت؟ أكان ذلك الكتاب الرائع لينطق يوماً لولا أن امتدت له يد السارق جامع الكتب؟ وفي بيت الخالة حيثُ لا صوت يُسمع سوى صوت الدراسات القانونية والفقهية كيف وصل ديوان "الكائن السّبئي" لمحمد السرغيني؟ من في ذلك البيت يقرأ السرغيني الذي لا يقرؤه حتى بعض الشعراء؟

    كان عليّ إذن أن أجمع مكتبتي المشتتة وأرقع مِزقها المتناثرة... وقد أنفقت وقتاً طويلاً في ذلك قبل أن أكتشف أن كل قطعة توصل بنسيج المكتبة الكبير إلا وتزيدها تشظياً، وأني عبثاً أُحاول بناء مكتبة، فإن هي إلا مكتبات الآخرين.

    تلك المكتبات، مكتبات الآخرين، التي أقتات عليها كطائر قَمّام هي المادة الخام لهذا الكتاب، نسيجها الخيال والتأويل والكثير من الأكاذيب، والقليلُ فقط من الحقائق، حيث تكفي أحياناً عبارةٌ قرأتها هنا أو هناك، أو حتى سمعتها، لوضع أسس مكتبة من المكتبات.

    مكتبة بنيامين:

    المكتبةُ خط بين نقطتين، مسارٌ مهما تشعب وطال له بداية ونهاية.

    ليس بوسع جامع الكتب أن يُحدد بالضبط اللحظة التي تحولت كتبه إلى مكتبة، كتابٌ واحد لا يكفي قطعاً للقول بأننا نملك مكتبة، لكن كتاباً واحداً بالضبط، كتاباً من الصعب على الذاكرة تذكره هو ما كان بداية الوعيّ بتشكّل المكتبة.

    كان فلتر بنيامين أحد القلائل الذين فهموا المكتبة لا كفضاء لحفظ الكتب وإنما كسيرورة لا نكاد نستبين بدايتها، إذ يصعبُ الإمساك بأول كتاب تقرّرت معه المكتبة ككيان موجود ومُعترف به، مثلما يصعبُ تحديد أول كتاب قرأناه. لكنها فعلٌ يصبو إلى النهاية، تلك النهاية التي وحدها ينكشف فيها السرّ ونستطيع الإجابة عن السؤال: لم جمعت كُلّ هذه الكتب؟بالطبع الأمر مستحيل من وجهة نظر منطقية صرف، فأن نعرف لم جمعنا كل الكتب، أن نجيب على هذا السؤال، هو عِدلُ أن نستطيع كتابة موتنا. فليس بوسع أحدٌ أن يكتب موته مثلما ليس بوسع أحد أن يشهد نهاية مكتبته، لأن سيرورة الجمع والتصنيف ما تنفك تستمر بحياتنا. لهذا يرى بنيامين أن معنى المكتبة كما هو وجودها لا ينكشفان إلا في مصيرها بعد وفاة صاحبها، في ما ستألو إليه بعد وفاته.

    "كان الفقيدُ مولعاً بجمع الكتب" عبارة لا معنى لها، ما دامت لا تفعلُ أكثر من تقييد اسم الجامع ضمن سجل عريض من جامعي الكتب. لا تأخذ العبارة معناها إلا متى تسللت إليها نعوت وأوصاف تخلخل بُنيّة المكتبة وتقلّص حجمها وتُعلن تميزها.

    لنا أن نتخيل حجم الكتب التي جمعها بنيامين قيد حياته، لكن مكتبته لحظة انكشفت، لم تأخذ معناها الفعليّ، إلا عبر المسارب الداخلية التي اعتنى بشقها صاحبها عناية خاصة. من هنا ينبغي الاعتناء بمسألة جرد الكتب التي جمعها المُفكّر قيد حياته ودراستها دراسة خارجية، محض وصفية، غير مغرقة في التفكير، لأن فك أسرار الجمع والتصنيف ورسم الطُرق السريّة للحدائق المتشعبة الداخلية للمكتبة، لن يقل فائدة عن فكّ مستغلقات فكر المؤلف.

    وإن لم نكُ نملك من أمر الطريق شيئاً، حيث لا المنطلق اخترناه ولا الغاية سنشهدها، فلنا على الأقل الاضطلاع بالمسافة الفاصلة بين النقطتين، تلك المسافة التي تتضاعف وتتشعب عند العارفين إلى ما لا يحصى من الشعب، إلى ما لا عدّ له من المكتبات؛ المكتبات التي لا تصلح المكتبة الخدعة، المكتبة التي يراها الجميع، إلاحجاباً يُداريها، إلا صورة تموهها.

    لربما كان السير "كما يُقال" خيراً من الوصول!

    مكتبة كورتثار:

    لن نختلف في أنّ مشاكل القارئ تكاد تتموقع كلها بين حديّ الشحّ والوفرة. أن لا تجد ما تقرأه، بحيث تصير محكوماً بشكلٍ أبديّ بقراءة وإعادة قراءة ما قرأته مراراً؛ أو أن تزدحم عندك الكتب بحيث تفقد القدرة على القراءة تدريجياً وتتحول إلى مجرد مُقتني كتب. بالطبع الوفرة أخطرُ من الندرة. فقانون الندرة يحفز حواسك القرائية كلها، بينما تُلقي بك الوفرة تدريجياً إلى مهاوي الخمول. لكن ثمّت ما هو أخطرُ من الوفرة والندرة معاً: الاجتياح التام للكتب. أن تفيض الكتب بحيث تجتاح العالم بأكمله وتُغطي المساحات التي كانت حتى تلك اللحظة مخصصة لأشياء أخرى!

    اجتياح الكتب للعالم وتضاعف أعدادها بشكل لا يعرف التوقف ينطوي في العمق على مسألة أخطر، وهي تضاعف عدد الكتب بشكلٍ مُريع، وتضاؤل نسبة القُرّاء، حتى ليكادون يصيرون جنساً عزيز المنال!

    ماذا لو قرر الجميع أن يصيروا كُتاباً؟

    سيتضاءلُ بالطبع عدد القُرّاء إلى أن ينعدم، فالكُتّاب لا يمكن التعويل عليهم في الاضطلاع بدور القُرّاء، هم في الغالب الأعمّ قُرّاء سيئون، وغالباً ما لا يقرؤون إلا أنفسهم. وحاجتهم إلى القُرّاء تفوق بكثير حاجة القُرّاء لهم. وعلى خِلاف الوهم الشائع، مهنة القارئ أصعبُ وأشق وأخطر من مهنة الكاتب، وضرورةُ القُرّاء تفوق الحاجة إلى كُتّاب، لهذا كلما تضاءل عدد القُرّاء، سَيُسارع الكُتّاب إلى ابتداع طُرقٍ أعقدَ فأعقد لاستجلاب القُرّاء. لن تنفع الإهداءات التعميمية على الصفحات الأولى للكتاب (من قبيل: إلى القارئ، إلى قُرائي...) سيضطر كل كاتب إلى إيراد لائحة مفصلة بقرائه، أو اسم قارئه مشفوعاً بعبارات التقدير والإعجاب، وستنشط سوقٌ خاصة بالقُرّاء، وتُفتتح وكالاتٌ مُتخصصة في الوساطة بين الكُتّاب والقُرّاء.

    بالموازاة مع الحركة الشاهدة على اختلال توازن العالم، والتي يتضاعف بموجبها عدد الكُتّاب ويتضاءل عدد القُرّاء، ستجتاح الكتابة كل شيء، مُنذرة بالغزو الذي تنبأ به الكاتب الأرجنتيني "خوليو كورتثار". سيستنزف الكُتّاب كل الورق، ثم يقطعون كل الأشجار ليحولوها إلى ورق، وتتضاعف المطبوعات لتجتاح كل مساحة اليابس. ولأنها لا تُعرض للبيع ولا للقراءة العمومية (من سيقرؤها والجميعُ كُتّاب؟) لذا يُضطرُ سريعاً إلى التخلص منها بإلقائها في المياه: ملايين الأطنان من الورق الذي تعجّن وصار كالأسمنت واصلاً بين قسمي العالم (الغامر والعامر) في كتلة واحدة يجوبها الكُتّاب حاملين أقلامهم يملؤون بها كل شبر فارغ من أطلال العالم الذي غدا مجرد قرطاس مهول يحملُ في كل مليمتر منه آثار الكتابة التي لا أحد يعرِفُ جدواها، ولا الدافع لها في زمنٍ أُلقيّ فيه إلى مهاوي النسيان بشخص كان يُدعى ذات زمنٍ: القارئ!

     

    مكتبة أمبرتو إيكو:

    ما تبنيه الإنسانية جمعاء يُدمره رجلٌ واحدٌ فقط!

    يكفي كتاب واحدٌ لتدمير مكتبة بأكملها! نظرياً، وحتى علميّاً، الأمرُ بسيطٌ جداً ويمكن التدليل عليه دون مشقة: احتراق كتاب واحدٍ قد يجر معه احتراق المكتبة بأكملها؛ دسُّ كتابٍ واحد موبوءٍ بالأرضة قد يؤدي إلى إتلاف الكتب جميعها.

    على أن الحرائق وحشرات الأرضة، وجميع الكوارث البيّنة ليست وحدها ما يتهدد الكتب. لنفترض أن كتاباً واحداً فقط، كتاباً مختلفاً ينطوي على لعنة ما، يتم دسه كتعويذة بين باقي الكتب، ويكون هدفه الخفيّ تدمير المكتبة بأكملها.

    المثال الذي يقفز إلى ذهن القُرّاء مباشرة هو اسم الوردة لأمبيرتو إيكو، حيث عمد أحد الرهبان إلى إخفاء الكتاب الملعون الكوميديا لأرسطو بين باقي كتب المكتبة. موضوع الكوميديا موضوعٌ خطير لأنه يرتبط بفضيلة الضحك "المكروهة"، كان إذاً من الممكن التخلص من الكتاب ببساطة، عبر حرقه مثلاً، لكن المشكلة تكمن في أن الكتاب نُسخة فريدةٌ، وبالتالي قد يكون في إعدامه إعدام نوعٍ بأكمله، لهذا ينبغي أن يتم في آنٍ الاحتفاظ بالكتاب وضمان أن لا يُفصح عن مضمونه "الشرير". وهنا أيضاً كان بالإمكان خزن الكتاب في مكانٍ معزول لا يعرفه أحد. بيد أن هذه المجازفة تنطوي أيضاً على معضلات كبرى: إن إخفاء الكتاب وحرزه سيؤدي إلى زيادة إبرازه قياساً إلى غيره من الكتب، بالإضافة إلى أنه سيفقد خاصيته الأساسية ككتاب، أي إمكان ان يُتصفح ويُقرأ. حلاًّ للمعضلات السابقة، دسّ الراهب الكتاب بين باقي الكتب بعد أن دهن صفحاته بالسمّ، فكان كل من يتصفح الكتاب يلقى حتفه؛ فتكون ضريبة الضحك الموت وأخذُ سر الكتاب إلى القبر. بالطبع ليس انتقام الكوميديا موجهاً بشكلٍ مباشر إلى باقي الكتب، فهو لا يُعدِمُ المكتبة فزيائياً، لكنه يفعل ما هو أشنع، فمع كل قارئ يموت تخسر باقي الكتب إمكان أن تُقرأ، إمكانُ أن يمنحها قارئ فرصة الحياة واستنشاق الهواء. الجريمة المتسلسلة في اسم الوردة هي في الواقع جريمةٌ في حق الكتب.

     

    مكتبة باموك:

    تحرص على جمع الكتب قدر حرصك على حياتك. لكن حرصك على حياتك أيضاً نسبيٌّ. قد تُقرر إيقافها فجأة دون سابق تفكير. فإلى أي حدٍ أنت مُستعدٌ للتخلي عن الكتب؟

    بالنسبة للمقتني لا شيء من ممتلكاته يُضاهي قيمة مجموعة مقتنياته، بغض النظر عن طبيعة تلك المقتنيات؛ وتُعبر هذه القيمة عن نفسها عبر تموضعها على طرفي نقيض مع كل ما عداها، في عملية المقايضة: المقتني قد يُبادل أيُ شيء في سبيل الحصول على قطعة جديدة يُضيفها إلى مجموعة مقتنياته: وهو أثناء ذلك لا يُقايض شيئاً بشيء وإنما يوازن بين عالمين: يقتطعُ من العالم ليزيد في عالمه!

    مما سبق نستطيع أن نُدرك أن تخليّ المقتني عن مجموعة مقتنياته هو بمثابة تخليه عن عالمه، بل عن العالم، ما دام قد كان على استعداد بأن يفنى العالم بأكمله في سبيلها. ومن هنا أيضاً يتحدد الفرق بين القارئ ومقتني الكتب. يُكوّنُ القارئ بلا أدنى شك علاقةٌ متميزة بكتبه، لكنه يستحضر هذه الكتب في الغالب الأعمّ كأفكار، كمضامين تجترها ذاكرته بدرجات متفاوتة من الشدة والخفوت. حضور الكتاب كمعطى ذهني مُجرد (أفكار وأحداث وذكريات) يفوق حضوره المادي. على خلاف ذلك يعني الكتابُ في المقام الأول بالنسبة للمقتني وجامع الكتب (والقارئ أيضاً قد يكون مقتنياً جامعاً للكتب)، مادة محسوسة، شيئاً له وجود فيزيائي ومادي، ويشغل حيزاً خارج الذهن!

    قد نتصور مما سبق سهولة تخلي قارئ عن كتاب ما إن يفرغ من قراءته، وحتى حين يتعلق بكتاب من الكتب، قد يمنحه لشخصٍ آخر في انتظار أن يقتني نسخة أخرى منه، ما دام تعلقه بالمضمون يسمو على تعلقه بالمادة. بالطبع نستثني القُرّاء الذين يُنشئون علاقات خاصة بكتبهم تجعلهم يرون النسخة التي يمتلكونها نسخة فريدة لا سبيل إلى إبدالها بأي نسخة أخرى، ما دامت تحمل آثار قراءتهم وأفكارهم وبصماتهم السريّة. هؤلاء يكادون يقتربون من المقتني من جهة تعلقهم بالكتب، وإن اختلف سبب التعلق.

    على أن التخلص الأمثل من سطوة الكتب لا يمكن أن يمر لا عبر طقس البوتلاش (اختيار أعز كتبنا، والتخلص منها)، ولا عبر عملية فرز عقلانية تُقصي من المكتبة ما يفيض عن حاجتنا وذائقتنا. إن المنهج الأمثل هو ذاك الذي يعرضه أورهان باموك في كتاب ألوانٌ أُخرى: تخلصُ عشوائيٌ لا منطق يحكمه إلا منطق إفراغ المكتبة. عقابٌ مثاليٌ للمكتبة، لأنها تآمرت، بحسب زعمه مع الزلزال. من الضروري أن يُعاقب المرء مكتبته بين الفينة والأخرى، لأن في معاقبتها فقط يمكن أن يتحرر من تاريخ بأكمله. المكتبة هي العالم الذي تتجلى فيه دواخلنا، وإن لم يكن لدينا من سبيل لكنس جزءٍ من تفاهات هذه الدواخل، يمكن ببساطة أن نصرف جهدنا إلى إعادة ترتيب المكتبة!

     

    مكتبة شوبنهاور:

    لا تفتح الكتب! لا توقظ الموتى!

    ربما يكون شوبنهاور هو من نبه إلى القرابة المتينة بين المكتبة والمقبرة، بحيث أن القراءة عنده تدريبٌ طويلٌ على فنّ التعامل مع الموتى، أن تقرأ معناه أن تدخل في حوارٍ مباشر مع ميّت، ما يستتبع بالضرورة أن تمنحه إمكان أن يطلّ على عالم الأحياء، لا بل تمنحه صوتاً للتعبير في عالمنا، لهذا تظل، ما تبقى من حياتك، تحمل تبعات الميّت الذي أحييته.

    هكذا يكون تمرير اليد على رفوف المكتبة أشبه ما يكون بالسياحة بين الأجداث، حين نُحاذر أن نطأ الموتى، في طريقنا إلى القبر الذي نقصده. وبالطبع تلعب هندسة المقبرة/المكتبة دوراً مهماً في مدى إصابتنا للميت/الكتاب الذي نقصده مباشرة! فأثناء مسار القراءة يلتصق بنا بعض الموتى من حيث لا ندري، وأحياناً يكون الميت قد عقد صداقات مع ميتين آخرين، وصار من المتعذر زيارته دون أن نزور معه في الآن نفسه غيره من الموتى، تماماً كالكتب التي تستدمج بداخلها عديد الكتب الأخرى، فلا يصير بالإمكان قراءتها منفردة ولا سماع صوتها خالصاً.

    بالطبع ليس هذا الأمر مشكلة، لا بل قد يعتبره البعض حظاً وميزة تُحسب للكتاب. لكن الإشكال يُطرح أساساً مع الكتب التي نقرؤها خطأ، الكتب التي كان من الأفضل أن لا نقرأها، أولئك الموتى الذين يثقلون كاهل الأحياء!

    إن فنّ القراءة في الواقع هو فنّ اللا قراءة، هو أساساً فنّ أن نميز من لا ينبغي أن نقرأهم، من لا ينبغي أن نوقظهم بين الموتى... عملية القراءة أشبه ما تكون بلعبة الشطرنج، حيث أن النقلات التي لم نقم بها لا تقل أهمية عن تلك التي قمنا بها، فالقراءة تعود في نهاية المطاف إلى عملية تدبير الفراغ والامتلاء، نقرأ لنمتلئ، لكن ينبغي أن نحتفظ لأنفسنا بقدرٍ معين من الفراغ، ذاك الفراغ الذي من دونه تغدو كل قراءة أو كتابة عمليّة لا معنى لها. ليس المقصود هنا امتلاءً بالمعنى الكميّ، إذ لا يحسب الأمر بعدد الكتب التي قرأناها، وإنما يحسمه اختيارنا أساساً، ذاك الاختيار الذي يظل رهن الصدفة والبصيرة.

    مكتبة ستاندال:

    لا مشكلة شخصية لديهم مع الكتب. هم فقط لا يقدرونها. لا يرون فيها ما يراه القُرّاء والكُتّاب والمثقفون، وحين يسمعون أحدهم يرطن بعبارات ضخمة من قبيل: "إن الكتب هي من سينقذ العالم" أو "القُرّاء هم مستقبل البشرية" أو "لا يمكن لقارئ أن يصير إرهابياً"، يتملكهم العجب، ولا تستطيع آليات تفكيرهم الذهنية والمنطقية تدبر هذا الكلام. لا يعادون الكتاب لذاته، لا بل قد يدعمون نشره وتداوله، إن طُلب منهم ذلك وآنسوا فيه فائدة دعائية أو سياسية، لكن ما يقض مضجعهم حقاً هو المكتبات: بنايات غبيةٌ لا فائدة منها سوى ركن أكداسٍ من الكتب التي لا تصلح لشيء فعليّ. مئات الكيلومترات المربعة من المساحات في مواقع استراتيجية تضيع هباءً، في حين كان من الممكن استغلالها في مشاريع عقارية تدر الملايين.

    لن نتجادل في حقيقة أن عدد المكتبات التي يتم إغلاقها سنوياً يفوق أضعافاً تلك التي يتم تدشينها. في كل مرة يتم فيها تدشين مكتبة، فتشحذ كاميرات الإعلام، ويحضر السياسيون وتُطلق الشعارات، تُغلق مكتبات أخرى عديدة، ويمر إغلاقها في سرية وصمت تأمّين.

    اختفاء المكتبات قد يجر أموراً خطيرة على حيوات بعض البشر، ممن اعتادوا التردد إليها من حين إلى آخر، فجأة سيلفون أنفسهم قد فقدوا محطة مهمة من محطات سيرهم اليومي، بعضهم سيُغيّر مساره اليوميّ مستبدلاً المقهى بالمكتبة، وبعضهم الآخر قد يُفضل المكوث في بيته، لكن العديدين سيتيهون هائمين في الأرض بعدما فقدوا البوصلة التي كانت تضبط إيقاع خطوهم على الأرض.

    سيستمر تدشين المكتبات بالقدر الذي يستمر فيه وجود الرومانسيين المدافعين عن حقّ الجميع في القراءة والسياسيين الذين يرون فيها دعاية جيدة لهم، لكن اختلال التوازن بين عدد المكتبات التي تدشن وتلك التي تغلق سرعان ما سيغدو بيّناً. ويتحول موضع صغير في زاوية محشورة من زوايا مكتبة عمومية إلى حلم بعيد المنال بالنسبة لأي كتاب. ستتضاعف أعداد العناوين التي يتم إقصاؤها سنوياً، ويبدو الأمر ظاهرياً كأنه سباق محمومٌ بين الكتب حول أحقية كل واحد منها في أن يقتطع لنفسه مكاناً في المكتبة العمومية المشتركة التي يعتقد أنها تحفظ للبشر صفوة ما أنتجوه من مؤلفات. أستعمل كلمة "ظاهرياً" وفعل "يعتقد" لأن لا معيار واضح لعملية الفرز التي تجعل بعض الكتب يظل محتفظاً بموضعه في المكتبة بينما يلقى بالبقية إلى الشارع؛ ليست ثمت أصلاً أيّ انتخاب أو فرز، العملية كلها عشوائية، فالكتب التي يلقى بها أولاً هي الكتب التي طالتها أيدي الزمن وتدهور صحتها "المادية"، ثم ما يلبث الأمر أن ينتقل إلى إقصاء عشوائي يلقي إلى الشارع بأول ما تطاله اليد: كلما كان الكتاب يحتلُ موقعاً بعيداً ومنعزلاً من المكتبة، أمهلته الكارثة فسحة مضافة من العيش.

    لن يوازي حسرة الكتب التي يُلقى بها خارج مساكنها سوى حسرة الرومانسيين المدافعين عن المكتبات العمومية، ستظل أصوات عويلهم تعلو متباكية على ضياع أنبل مشروع بلغه ذكاء بني البشر، وعلى الاستئصال الممنهج لذاكرتنا الجمعية... القلة فقط سيدركون أنّ خلف كل ما يجري حكمة قديمة، ترى أن هدم المكتبات هو الخير الأعظم للكتب. الأعمال العظيمة لا خوف عليها، تعبر من زمن إلى آخر دون حاجة إلى مكتبة تحفظها، حتى لو انعدمت المكتبات، حتى لو لم يكن ثمت من وسيلة للطبع والنسخ، حتى لو اختفى نظام الكتابة نفسه، ستظل الأعمال العظيمة تنتقل في الكلمات الشفاهية والأحلام والمصافحات العابرة... فالمكتبات كما قال ستاندال: "لا تصلح إلا ملاذاً للكتب الرديئة، تلك الكتب التي لولا المكتبة لاختفت إلى الأبد!".

     

     

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:426
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:88
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك