• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 25-09-2018
  • المؤلف: محمد الغزالي
  • الناشر: دار نهضة مصر
  • عدد الصفحات:359
  • عدد الاستماع للحلقة: 321
  • في هذا الكتاب أفكارٌ وعواطف شتى، صفا عرضها حيناً، وغام حيناً آخر، وإن اصطبغت في جملتها بحدة الشعور وحماسة العرض. والأحوال التي عانتها بلادنا، وذاق جمهور المسلمين نكدها، كانت هي المداد الفذ لهذه المقالات. والباعث على إرسالها هكذا؛ خواطرُ مُهتاجة. ..
    25
    سبتمبر
  • 126: تأملات في الدين والحياة
  • كتب في: 25-09-2018
  • المؤلف: محمد الغزالي
  • الناشر: دار نهضة مصر
  • عدد الصفحات:359
  • في هذا الكتاب أفكارٌ وعواطف شتى، صفا عرضها حيناً، وغام حيناً آخر، وإن اصطبغت في جملتها بحدة الشعور وحماسة العرض. والأحوال التي عانتها بلادنا، وذاق جمهور المسلمين نكدها، كانت هي المداد الفذ لهذه المقالات. والباعث على إرسالها هكذا؛ خواطرُ مُهتاجة. لا يراد بها التحقيق العلمي أو التمحيص التاريخي. بل يراد بها إنقاذ الهلكى وإحياء الموتى من أمتنا! وإن لم تجاف في سردها حقائق العلم والتاريخ. لقد كتبت هذا الكتاب؛ لأُحارب أوضاعاً معينة في بلادنا، فهي في جملتها ثورة روح تتوثب وإيمانٌ يجيش. وأعني أنني لم أحاول تقديم دراسات جديدة، تبدو للقُرّاء في ألبسة عملية ممتازة... وإنما حاولت أن أمزج بعض حقائق الدين والتاريخ بلون من الأدب التوجيهي، يعين على خلق وعيٌ حر، وجيلٌ حيّ، وأمة تفقه دينها ودنياه

    في هذا الكتاب أفكارٌ وعواطف شتى، صفا عرضها حيناً، وغام حيناً آخر، وإن اصطبغت في جملتها بحدة الشعور وحماسة العرض.

    والأحوال التي عانتها بلادنا، وذاق جمهور المسلمين نكدها، كانت هي المداد الفذ لهذه المقالات. والباعث على إرسالها هكذا؛ خواطرُ مُهتاجة. لا يراد بها التحقيق العلمي أو التمحيص التاريخي. بل يراد بها إنقاذ الهلكى وإحياء الموتى من أمتنا! وإن لم تجاف في سردها حقائق العلم والتاريخ.

    لقد كتبت هذا الكتاب؛ لأُحارب أوضاعاً معينة في بلادنا، فهي في جملتها ثورة روح تتوثب وإيمانٌ يجيش.

    وأعني أنني لم أحاول تقديم دراسات جديدة، تبدو للقُرّاء في ألبسة عملية ممتازة...

    وإنما حاولت أن أمزج بعض حقائق الدين والتاريخ بلون من الأدب التوجيهي، يعين على خلق وعيٌ حر، وجيلٌ حيّ، وأمة تفقه دينها ودنياها على سواء.

     

    ثمنٌ واحد ... لبضائع مختلفة:

    إن الشجاعة تُكلف صاحبها فقدان حياته، فهل الجبن يقي صاحبه شر المهالك؟ كلا. فالذين يموتون في ميادين الحياة وهم يولون الأدبار أضعافَ الذين يموتون وهم يقتحمون الأخطار...؟

    وللمجد ثمنهُ الغالي الذي يتطوع الإنسان بدفعه، ولكن الهوان لا يعفي صاحبه من ضريبة يدفعها وهو كارهُ حقير. ومن ثم فالأمة التي تضن ببنيها في ساحة الجهاد تفقدهم أيام السلم. والتي لا تقدم للحرية أبطالاً يقتلون وهم سادةٌ كرام، تُقدم للعبودية رجالاً يُشنقون وهم سفلة لئام.

    وهكذا من لم يُسهر نفسه للتعليم أياماً، أسهرهُ الجهل أعواماً، ولو حسبنا ما فقده الشرق تحت وطأة الجهل والفقر والمرض لوجدناه أضعاف ما فقده الغرب وهو يبحث عن العلم والغِنى والصحة!

    وما دام الشيء وضده يُكلفان الكثير فلماذا نرضى بالحقير ولا نطمع في الخطير؟

    عندما تمشت مصر مع قواعد الشرف والنجدة والأخوة وقررت أن تحمل السلاح لإنقاذ الأرض المقدسة من إخوان القردة الذين يريدون انتهابها، تذاكر الناس أن البرلمان قرر بضعة ملايين من الجنيهات، وأن جيش مصر سيواجه في فلسطين أقواماً أولي بأسٍ شديد!

    قلتُ ليس في شيء من هذا ما يتعاظم الناسُ فعله. فإن مصر وحدها تُنفق 60 مليوناً من الجنيهات على الدخان. تلك الحماقة التي تُحرَق بين الأصابع والشفاه، على غيرِ فائدة. فهل كلفنا ميدان الشرف نُصفَ ما كلفنا ميدان الترف؟ كلا.

    ذاك في المال، أما الرجال فكم سنُقدم من الشهداء الأبرار فِداءً لعقيدتنا وكرامتنا؟ إن ضحايا هذا الجهاد النبيل – إن صحت تسميتهم ضحايا – لن يبلغوا أبداً نصف ما قدمته هذه البلاد لأوبئة الحمى أو الكوليرا في عام واحد. وشتانَ ما بين موتٍ وموت!

    فلنحمل مواثيق الكرامة بعزة وشمم، ولنأخذ سبيلنا الفذة في طليعة الأمم، ولندفع الثمن في سبيل الله طوعاً وإلا دفعناه في سبيل الشيطان على رغمنا، ثم لا أجر لنا.

    (قل لن ينفعكمُ الفرارُ إن فررتم من الموتِ أو القتلِ وإذاً لا تُمتعونَ إلا قليلا "16" قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليّاً ولا نصيرا).

     

    من تاريخ الكبراء:

    مديح الحُكام والتغني بمآثرهم يشغل قسماً ضخماً من صحائف الأدب العربي ويُعد سلّم الارتقاء الأول للشعراء الذين يريدون الشهرة والظهور.

    وتمدح الأمراء ليس سنة إسلامية، بل تقاليد الإسلام في ذلك تتبع بالنقد والتمحيص فإن كانت عدلاً وخيراً اُيدت بالعون الصحيح لا بالملق الكاذب، وإن كانت جوراً وشروداً فُندت بالقول الصريح والرأي النصيح.

    وقد روي أن وفداً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: "أنتَ سيدنا"، فقال لهم: "السيد الله" فقالوا: وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً، فقال: "قولوا قولكم، أو بعضَ قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان".

    ومع ذلك فإن سجلات الأدب القديم تضم بين جوانبها صوراً لرجال استووا على الأرائك الفخمة بين أيديهم السعاة والحُجاب والسيافة، يدلف إليهم شاعرٌ ذرب اللسان، لا يزال يهتف بالقول، ويصرخ بالنظم، ويهيم في أودية الخيال، وينسب إلى ممدوحه فنوناً من المواهب تسلكه مع أبطال الأساطير، ثم تُرمي إلى هذا الدجال بدرة من الذهب، ينصرف بها ثمناً حراماً لأكاذيبه. وتشيع بعدئذ بين الناسقالة السوء التي ألفها على أنها مدح لأحد الساسة أو القادة، ويُسدل حجاب كثيف على حقائق الحياة التي يعيش فيها الولاة وتعيش فيها الشعوب وينتهي الأمر!

    وما دمنا في حديث الملق والزلفى للرؤساء والكبراء، فلا يجوز أن ننسى ظاهرة شنيعة لوحظت على فريق من كبار شيوخ الدين. فإن إطراؤهم للحكام ومسارعتهم المريبة إلى تهنئتهم في كل مناسبة، وتعزيتهم في كل مصيبة بأسلوب يكتبه الأرقاء والأتباع، ويتنزه عنه الرجال الأحرار، هذه الظاهرة التي تدل على داء عياء بالقلوب، قد غضت من شأن الدين ومنزلته لدى العامة.

    وقد تذاكر الناس أن شيخاً كبيراً من جلة العلماء – كما يقولون – كان في المرض الذي يسقط عنه الصلاة، لا ينسى أداء مراسم الوثنية السياسية على حين كان الدكتور طه حسين – وموقفه من الدين معروف – يتكلم بحذر ويُرسل مدائحه بقدر!

    هذا في الوقت الذي شطبت فيه ميزانية الأزهر. وأُرسل المال سيلاً غدقاً إلى وزارة المعارف التي يُشرف عليها "طه حسين" وإذا كان سكوت العلماء عن فسق الحُكام جريمة، فإن تمدح العلماء للحكام الفسقة كفرانٌ مبين.

    والمثل العالي لشيوخ الأزهر القائمين بحق الله ورسوله نأخذه من مسلك الشيخ "محمد عبده". فعندما كان عبيد الولاء للأتراك يخونون الإسلام ويساندون الظلم، انضم هذا الشيخ الجليل إلى الشعب مطالباً بدستور يُقيد سلطة الحكم الفردي ويضغطها في حدود ما شرع الله. وقاد الثورة التي اشتعلت لذلك ولاقى من جرائها ما لاقى.

    الفدائيون:

    "إن أغبط أوليائي عندي لمؤمنٌ خفيفُ الحاذ، ذو حظٍ من صلاة، أحسن عبادة ربه وأطاعه في السر، وكان غامضاً في الناس لا يُشار إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافاً فصبرَ على ذلك"... ثم نقر النبي صلى الله عليه وسلم بيده فقال: "عجلت منيتهُ، قلّت بواكيهِ، قلّ تُرَاُثه".

    هذا الحديث وصفٌ جليل لرجال الدعوات الذين يعيشون لها ويفنون فيها، الرجال الذين يظهرون في آفاق الحياة كما تظهر الشهب المنقضة في جنح الظلام، ما أن تلتمع حتى تنطفئ! إنها في سرعتها الخاطفة – وهي تشق إهاب الليل – تستنفد حياتها وحرارتها في انطلاقها وحركتها.

    وكذلك رجال الدعوات يُذيبون قواهم وشبابهم في أداء رسالتهم ويسكبون دماءهم ويحرقون أعصابهم لتتألق بها الرسالات التي يعملون لها... فتتحول بهم إلى سيلٌ جارف ويتحولون بعدها إلى رفات هامد، هذا سبيل الفدائية المحفور في تاريخ البشر منذ الأزل.

    وقد كان محمد صلى الله عليه وسلم الفدائي الأول لدعوته الكبيرة، خُوّف في الله ما لم يُخَف أحد، وأُوذي في الله ما لم يُؤذَ أحد، ووقف مشاعره وجهوده وآماله وأحزانه وأفراحه على إنجاح رسالته، ثم سُلّ من هذه الدنيا كما تُسلّ الشعرة من العجين، فلم يمسسه شيء من كبرها أو جاهها أو راحتها، بل لقد سرت عدوى هذه التضحية إلى أسرته فلم ترث منه شيئاً إلا البلاء والتشريد.

    إن الجندي المجهول يرى في الغموض والبساطة أفضل جو يعمل فيه ويُنتج. فإذا بدا في الأفق ما يُريب وأحس بالخطر على رسالته طار إلى أداء واجبه لا يلوي على شيء.

    هكذا مضت سنة تُعلّم ذويها أن لا نكوص ولا إحجام!

    قلّت بواكيه...!

    ولم يقلُّ البكاء على أولئك النفر الكرام من حملة الدعوات؟

    ألئن الجهاد غربهم عن أوطانهم فماتوا بعيداً عن الأقربين، كسيد الشهداء حمزة؟

    سمع الرسول صلى الله عليه وسلم الباكين بعد غزوة أحد على ذويهم فقال: "لكن حمزةَ لا بواكي لهُ؟".

    أم لأن البكاء عليهم كان جريمة يقذف بمرتكبيها في ظلمات السجون كما حدث في مصرع الشهيد حسن البنا؟

    أم لأن رجال الإسلام كرههم عبيد الحياة فهم لا يحسون لفقدهم أسفاً؟!

    قد يكون ذلك، او يكون الأمر أخفى مما نعلم.

    قلّ تراثه؟؟!

    وهل لأصحاب المُثل وأصحاب المبادئ العالية تراث يخلفونه؟

    إنهم وما ملكوه وقود دعوتهم. وفداء أفكارهم.

    يا حملة المشاعل وسط العواصف الهوج. هذا هو النهج... فاسلكوه.

    أنوار النبوة:

    على حداثة عهدي بدراسة السنة المطهرة، كانت تستوقفني عبارات طريفة لنُقاد الحديث، أولئك الرجال الأذكياء الذين صانوا تراث النبوة عن أن تتزيد فيه الأهواء، فقد كانوا إذا ما رأوا حديثاً دخيلاً، يكشفون زيفه ثم يقولون عنه: إنه لا تلوح عليه أنوار النبوة! كنت أبتسم ابتسامة ريبة وأنا أطالع هذه العبارة.

    حتى مرّت علي سنوات طوال وأنا مُكب على قراءة السنة الكريمة أتنقل بين صحائف شتى من آدابها المشرقة، وتوجيهاتها الحية، وأُجيل الطرف في آفاق لا نهاية لرحابتها، ولا شائبة في رفعتها، ولا حد لسنائها وسموها.

    فلما عُدت إلى نفسي بعد هذه الرحلة الطويلة، كان عقلي وقلبي يتسابقان إلى الإقرار بأن على معالم السُنة الصحيحة أنواراً لم تزل تتألق على مر القرون، ولم تزل تحمل من نفس صاحبها طابع الهدى وعمق الأثر، ولم يزل يرف عليها من صادق الوحيّ ندىً يفيض بالحياة ويهز الأفئدة.

    سرّ العظمة:

    لله عز وجل رُسلٌ كثير قاموا بواجب الدعوة إليه، وتوارثوا كابراً عن كابر هداية الخلق ونصرة الحق، فأنقذوا الناس من أنفسهم وعرّفوهم إلى ربهم.

    ولكن محمداً صلى الله عليه وسلم كان بشخصيته، وطبيعة رسالته، إمام الأنبياء، وكان بحق سيد الدعاة إلى الله.

    فما سرّ هذه العظمة؟ وبم كان هذا الفضل المبين؟

    السر في هذا أن محمداً الرسول كُلّف أن يغرس في قلوب من حوله إيماناً لا تُستخدم في غرسه إلا الوسائل المقدورة لطاقة البشر.

    وقد استطاع ذلك من غير أن تتبدل الأرض غير الأرض.

    وكما كان نبينا بين أتباعهِ بشراً رسولا، فقد كان كذلك مع أعدائه، لم تُسخر ضدهم قِوى السماء على كثرة ما لحقه منهم من إيذاء على عكس ما حدث لموسى فقد نكّل الله بأعدائه تنكيلاً قاهراً، إذ مسخهم قِردة وخنازير:

    (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قِردة خاسئين (65) فجعلناها نكالاً لِما بين يديها وما خلفها وموعِظة للمتقين)

    وليس يُفهم من ذلك أن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت خلواً من الخوارق، لا، فإن النبوات قائمة على أن تقترن بالخوارق في الكثير من مظاهرها.

    إنما المهم أن تأسيس اليقين في قلوب الموقنين، واستئصال العدوان من نفوس المعتدين، كان العامل الفعال فيه بشراً اكتملت في خَلقه وخُلُقه عناصر الكمال الإنساني، وانتهت إلى شخصيته أمجاد الفطرة البشرية الناصعة، فكان أتباعه من أعمق الناس حُباً له، لأنه أهلٌ لكل حب. وكان أعداؤه من أشد الناس تهيّباً له؛ لأنهم يُدركون أن أمامهم بطولة يعزُّ تناولها ويصعب الكيد لها.

    وكان هو في محبته للمؤمنين برّاً ودوداً تنبثق من فؤاده النبيل عواطف جياشة لا ينضب معينها، ولا يتعكر صفوها، اتسعت للسابقين واللاحقين من أمته، من رآهم ومن لم يرهم.

    سمعه أصحابه يقول: "وددتُ أن قد رأينا إخواننا"، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟!

    قال: "أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد".

    فأي حُبٍ هذا الذي يمتد مع العصور المستقبلة ليرتبط بقلوب بنيها في ضمير الغيب؟!

    أما أعداؤه فحسبك من نقاء صدره أن أُبيّ – الذي طعن الرسول صلى لله عليه وسلم في شرفه وافترى الإفك على أهله – كُفّن يوم مات في قميص الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وأن النبي صلى الله عليه وسلم السمح لم يرفض الاستغفار له حتى أُمر بالكف عنه.

    أصحاب الرسالات:

    الرجل صاحب الرسالة يعيش لفكرته ويعيش في فكرته!

    فحياته فكرة مجسمة تتحرك بين الناس، تحاول أبداً أن تفرض على الدنيا نفسها، وأن تغرس في حاضر الإنسانية جذرها ليمتد على مرّ الأيام والليالي فروعاً متشابكة تُظلل المستقبل وتتغلغل فيه.

    ومن ثم تبدأ الدعوات والنهضات الكبرى برجل واحد، هو – في بداية أمره – أمة وحده.

    ولا يزال يجمع الرجل على الرجل، ويضم البيت إلى البيت، ويرسم المبدأ والوسيلة والهدف، وينفخ من روحه فيمن حوله ... فإذا الأمة التي كان يتخيلها وحده قد أصبحت حقيقة واقعة تطلع الشمس عليها، ويعترف الناسُ بها، ويُسجل التاريخ قيامها.

    وهكذا بلّغ النبيون رسالات ربهم، وصنعوا بأيديهم الأمم التي انتقلت بها الإنسانية من طور إلى طور.

    وهكذا فعل العظماء من قادة الفكر الناضج، وأصحاب المذاهب الفعّالة والتيارات العقلية الكاسحة.

    وإن أحدهم ليقول الكلمة في الإبانة عن دعوته فتتلقفها النفوس والعصور تَلقف الأرض الخصبة للحبة التي أودع الله فيها سرّ النماء والازدهار، فإذا هذه الكلمة المُرسلة تُنشئ رجالاً وتخلُق أبطالاً، بل تُنشئ أجيالاً وتزلزل جبالاً.

    أولى صفات صاحب الرسالة أنه يؤمن بنفسه، ويكفر بخصومه، ويُغالي بفكرته، ويحقر ما عداها، ويزحزح غيره ولا يتزحزح البتة، ويثبت على شدة الكيد، ويصبر على مرارة الهزيمة، ويدوس الأمجاد الزائفة والدنيا الزائلة، ويستهزئ بعروضها، ولا تستخفه كثرة طُلابِها، ولا تفجعه قلّة الزاهدين فيها.

    وفي حياة "محمد بن عبد الله" النبي الذي أدب العروبة ليؤدب بها الأمم، والذي قدّم للحياة رسالة لا تزال الإنسانية تتألق بها وتتأنق، وتشرُف بها وتزدان... في حياة هذا النبي النبيل مُثُل عُليّا يفزع إليها صاحب كل رسالة فاضلة عادلة ليرتوي منها إذا صدي، ويسعد بها إذا شقيّ، وليقتبس منها دروساً مجدية في طرائق الجهاد المُضنيّ عندما يتجرد الحق إلا من إشراقه، ويتشدد الباطل لكثرة عدته وعتاده!

    بدأ هذا الرسول الكريم فوضع فواصل غليظة بين الحق الذي اهتدى إليه وبين الباطل الذي توارث الناس العملَ به والاحتكام إليه.

    (قل يا أيها الكافرون (1) لا أعبدُ ما تعبدون (2) ولا أنت عابدون ما أعبد (3) ولا أنا عابدٌ ما عبدتم (4) ولا أنتم عابدون ما أعبد (5) لكم دينكم وليَّ دين)

    والرسول الكريم في هذه الخطة يقتفي أثر جده إبراهيم عليه السلام لما نابذ قومه بالخصومة، وجعل من أهله المؤمنين حِزباً يُمثل الحق ويُنافح عنه.

    على أن الصبر على أعباء الرسالة التي تدبر للإنسانية حدثاً ضخماً، يُعارضه من الناحية المقابلة صبر من الجامدين على موروثاتهم المقدسة واستماتة في الدفاع عنها.

    وهنا يدخل الفريقان في مبارزة بالصبر أقسى وأنكى من المبارزة بالسلاح، والفائزُ فيها أطول الفريقين إصراراً، وأشدهم تحملا، وأكثرهم بذلاً.

    التشريع الإسلامي في متحف!

    "أمر معالي وزير العدل بإنشاء متحف للمحاكم الشرعية يضم الإشهادات والأحكام والحجج الشرعية المنبثة بين أراج المحاكم للمحافظة عليها، لما لها من القيمة التاريخية، وللوقوف على تطورات القضاء الشرعي في مصر".

    قرأتُ هذا النبأ ثم طويت الصحيفة عاجباً ساخطاً.

    عهدنا بالمتاحف أن تضم بين جدرانها آثاراً مما ترك الأقدمون الذين طال عليهم الأمد، ولفهم الموت في أكفانه، ولكننا الآن أمام متحف تاريخي من نوعٍ آخر، هو متحف المحاكم الشرعية المليء بالوثائق الخطيرة!

    إنه يدل على ان هناك، لتلك المحاكم، ماضياً مجيداً كان القضاء الشرعي يتولى فيه شئون القضاء كلها من شخصية ومدنية وجنائية.

    بلى، فقد بعث من القِدم ذكريات اختفت 60 سنة! وليست 60 سنة قبل الميلاد أو بعده، ولكنها 60 سنة من يوم الناسِ هذا – كانت قبلها المحاكم الشرعية هي كل شيء، ثم جاء بعد ذلك الغزو الثقافي والحربي فأصبحت القوانين الوضعية هي التي تعمل، وأصبح التشريع الإسلامي في متحف يُضارع متاحف الفراعنة البائدين!

    والأمر الذي نريد أن نقف لديه قليلاً هو جهل كثير من الناس بحقيقة التشريع الإسلامي، فهو إذا ذُكر وثبت إلى رؤوسهم صور شوهاء عن قطع يد السارق وجلد الزاني... إلخ، مع أن هذه الأحكام لا تأخذ من كتاب الفقه الإسلامي الواسع إلا صحائف محدودات، ويبقى بعدئذ الفقه كله أو الدين كله مليئاً بالنصوص والأصول التي تُقيم الأمم ولا تقوم بغيرها الأمم.

    هذه الحماقة في فهم التشريع الإسلامي هي التي جعلت بعضهم يسوق في معرض الغرابة والدهشة أن وجِدت في متحف المحاكم الشرعية "وثيقة مكتوبة بصفة الأمر من القاضي الشرعي يحظر فيها من ذبح الأنثى من البقر إلا بإذنٍ خاص من القاضي، وذلك محافظة على نسل الماشية كما تفعل وزارة الزراعة سواءً بسواء.

    ولعل الكثيرين كانوا يحسبون هذا التصرف مدنياً بحتاً بل ربما ظنوه منقولاً نقلاً حرفياً عن بعض "سلخانات باريس" وهذا من الأخطاء الفاضحة في فهم طبيعة التشريع الإسلامي التي ترد هذا التصرف وأمثاله إلى باب المصالح المرسلة المعروف جيداً في كتب الفقه القديمة.

    من البداهات أن نعرف أن النصوص الجزئية ليست هي جملة الفقه الإسلامي الزاخر، بل إنه إلى جانب ذلك توجد الأصول الجامعة، والقواعد العامة التي تُرَدُ إليها الحوادث المتجددة، وتُعرف منها الأحكام التي لا تتقيد بمكانٍ ولا زمان.

    هذه المبادئ الكلية الثابتة في الإسلام من أهم دعائمه التشريعية، ومن أسباب صلاحيته الذاتية للعصور كلها، وهي التي تُتيح للقاضي استعمال القياس، والنظر إلى المصالح فيما يُعرض له من شئون الناس، وهي منبع النظريات القانونية التي تُصاغ على ضوئها المواد، وتصدر المراسيم والقوانين، وقد استند إليها الصحابة والتابعون منذ العصر الأول.

    وتمشياً مع الفكرة التي أوحت بهذا المتحف الفذّ، وإنصافاً لماضي هذه المحاكم، كان ينبغي أن يُعرض الفقه الإسلامي كله ودعائمه الأولى كتاب وسنة، ثم يُقال في ذلك: إنه للذكرى والتاريخ!

    إننا نتهيأ لعهدٍ تشريعي جديد يوحد القضاء في مصر وفي غيرها من الأقطار العربية والإسلامية. فهل نستفيد من إقامة هذا المتحف ما يدفعنا إلى الوجهة الصائبة؟! وهل نتعرف منه قيمة القضاء الشرعي ومدى نجاحه في معالجة الأمور؟!

    وهل يردنا ذلك إلى المحافظة على المحاكم الشرعية بدلاً من سلب اختصاصها وتضييق محيطها؟!

    وأخيراً هل نُدرك نفاسة مبادئنا القانونية وتمشيها مع أزهر العصور فنأخذ بها ونترك ما عداها من قوانين؟!

    العصبيات الحزبية والإسلام:

    لم يزل التطلع للرئاسة والتنازع على الإمارة آفة الشرق قديماً وحديثاً بل لم تزل النكسة التي تقتل النهضات، والعقبة التي تعوق الامتداد، ومهما توافرت الدواعي على توحيد الصفوف وجمع الكلمة فإن أعراض الداء المتغلغل تتغلب على غيرها، وإذ أنت تمد بصرك في أنحاء الشرق الذليل فترى في كل بلد – أسفر فيه الاستعمار أو احتجب – عدداً كبيراً من الأحزاب، وعدداً أكبر من الهيئات والجماعات، يزعمُ أصحابها أنهم يعملون لغرض واحد! ومع ذلك اختلفوا!

    وبين هذه القِوى المُشتتة يضيع كل جهد، ويذهب كل أمل، والعلّةُ في ذلك ترجع إلى شيوع الجهل والنفاق، فإن الأمة المتعلمة لا تسمح للأدعياء أن يتقدموا، وإذا حاولوا ذلك قتلتهم قبل أن يقتلوها. وعندما يخلو الميدان من هؤلاء يصفو الجو أمام الزعماء الحقيقين فيستطيعون العمل آمنين.

    ثم إن نفاق الأمة في دينها يساوي في خطره جهلها بشئون دنياها، بل قد يزيد، فإن إرشاد الدين في وسائل الرئاسات وما إليها يقطع دابر الحزبية، وما يتبعها من ميل للغرور، وحب للظهور، ويقي الأمم من عواقب هذا الخبال.

    يُوجب الدين على الأمة أن تُقدم للعمل أكفأ من عندها، وأن تُلقي في يده مقاليد الأمور. فإن حدث – لأمرٍ ما – أن تقدم غير الكفء فيجب على الأخيار والأذكياء أن يُعينوه بثاقب رأيهم وكفاءتهم لوجه الله، وألاّ يُثيروا من خلفه الشغب.

    إن الإسلام جعل تفرّق الأمة أحزاباً من خصائص المجتمعات المشركة التي تجعل أهواءها آلهة، ثم تحيا لها وتتنازع عليها، وقد كره لنا هذا المثل السوء:

    (ولا تكونوا من المشركين (31) من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً كُلُ حِزبٍ بما لديهم فرِحون)

     

     

     

     

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:322
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:76
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك