• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 10-12-2018
  • المؤلف: د. مصطفى السباعي
  • الناشر: دار الوراق – دار النيربين
  • عدد الصفحات:396
  • عدد الاستماع للحلقة: 76
  • الحمد لله الذي قدّر كل شيء فأحسن قدره، وابتلى الإنسان بما يسرّه وما يسوؤه ليُحسن في الحالتين شكره وصبره... وبعد فهذه خطرات بدأت تسجيلها وأنا في مستشفى المواساة بدمشق في شهر ذي القعدة من عام 1381 للهجرة الموافق لشهر نيسان (إبريل) من عام1962 ..
    26
    نوفمبر
  • 128: سيرة ذاتية
  • كتب في: 26-11-2018
  • المؤلف: هيرمان هسه
  • الناشر: سطور
  • عدد الصفحات:395
  • طفولة الساحر: لم يكن والدايّ وحدهما اللذان زوداني بالمعرفة، بل كانت هنالك أيضاً قِوى أكثر علوّاً، وأكثر سريّة وغموضاً، ومن بين هذه القِوى، الإله بان، الذي كان يقف في خزانة جدي الزجاجية بهيئة صنم هندوسي صغير راقص. وقد أثار اهتمامي هذا الإله في أعوام طفولتي، قبل تمكني من القراءة والكتابة بفترة طويلة، وملأني بالصور والأفكار الشرقية القديمة، التي جعلتني – فيما بعد – كلما قابلت حكيماً هندوسياً أو صينياً، أشعر وكأني أتوحد من جديد، وأعود إلى بيتي، ولكن تبقى الحقيقة أني، رجلٌ أوروبي، وهذا مقدرٌ عليّ ومكتوب في طالعي، وطيلة حياتي مارست بحماسة الطباع الغريبة من اندفاع وجشع وفضول لا يهدأ. ولحسن الحظ، ومثل معظم الأطفال، تعلمت ما هو أكثرُ نفعاً، وأكثر ضرورة للحياة قبل أن تبدأ أعوام المدرسة.

    طفولة الساحر:

    لم يكن والدايّ وحدهما اللذان زوداني بالمعرفة، بل كانت هنالك أيضاً قِوى أكثر علوّاً، وأكثر سريّة وغموضاً، ومن بين هذه القِوى، الإله بان، الذي كان يقف في خزانة جدي الزجاجية بهيئة صنم هندوسي صغير راقص. وقد أثار اهتمامي هذا الإله في أعوام طفولتي، قبل تمكني من القراءة والكتابة بفترة طويلة، وملأني بالصور والأفكار الشرقية القديمة، التي جعلتني – فيما بعد – كلما قابلت حكيماً هندوسياً أو صينياً، أشعر وكأني أتوحد من جديد، وأعود إلى بيتي، ولكن تبقى الحقيقة أني، رجلٌ أوروبي، وهذا مقدرٌ عليّ ومكتوب في طالعي، وطيلة حياتي مارست بحماسة الطباع الغريبة من اندفاع وجشع وفضول لا يهدأ. ولحسن الحظ، ومثل معظم الأطفال، تعلمت ما هو أكثرُ نفعاً، وأكثر ضرورة للحياة قبل أن تبدأ أعوام المدرسة. فقد تعلمت من أشجار التفاح، من المطر والشمس، من النهر والغابات، وكنت قادراً على فعل السحر تلك البراعة التي نسيتها سريعاً لسوء الحظ، وكان عليّ ان أتعلمها مرة أخرى في سنٍّ متقدمة جداً.

    ولحين بلوغي سن الثالثة عشرة، لم أكن أُفكر بجدية بما سأكون عليه في يومٍ ما أو أية مهنة سأختار. ومثل كل الصبيان، أحببت وتقت إلى العديد من المهن: كأن أكون صياداً، أو قاطع تذاكر في قطار، أو بهلواناً يسير على الحبال، أو مستكشفاً أجوب القطب الشمالي.

    إلا أن أكثر المهن قُرباً إلى قلبي هي أن أكون ساحراً. وكانت هذه الأمنية هي الأعمق والأثرى نظراً للحوافز التي كان سببها عدم ارتياحي لما يدعوه الناس "الواقع" الذي تراءى لي في وقتٍ ما أنه مجرد مؤامرة سخيفة من فعل البالغين؛ وفي وقت مبكر شعرت برفض قاطع له، وفي وقت آخر بتهيب منه، وفي آخر باحتقاره. لذلك تملكتني رغبة ملحة لتغييره بالسحر وتبديله والرُّقيُّ به. وفي طفولتي اتخذت رغبتي في السحر اتجاهاً نحو أهداف صبيانية: كنت أود أن أجعل شجرة التفاح تُثمر في الشتاء، وأن تمتلئ محفظتي عن طريق السحر بالذهب والفضة، أردت أن أكون قادراً على أن أجد الكنوز الدفينة وعلى بعث الموتى، وعلى جعل نفسي لا مرئياً. واعتبرت قدرة المرء على إخفاء نفسه أكثر القدرات أهمية، وتقت لامتلاكها بشدة. وقد رافقتني هذه الرغبة، وجميع قِوى السحر الأخرى طيلة حياتي، متخذة أشكالاً عدة، ما كنت في الغالب لأستطيع إدراكها فوراً، وقد حدث ذلك فيما بعد، بعد أن كبرت بمدة طويلة وزاولت مهنة الكتابة. فقد حاولت مراراً أن أتوارى خلف مخلوقاتي وأُعيد تعميد نفسي، مُتخفيّاً بمرح خلف أسماء مبتكرة، وقد جعلت هذه المحاولات زملائي الكُتّاب كثيراً ما يُسيئون فهمي ويرونها مأخذاً عليّ.

    قصة حياتي باختصار 1925:

    ولدت قُرب نهاية العصر الحديث، قبل عودة العصور الوسطى بفترة قصيرة، في ساعة مبكرة من مساء شهر تموز. كنت طفلاً لوالدين ورعين، أحببتهما بحنو وكنت سأحبهما بحنان أكبر لولا اطلاعي المُبكر جداً على الوصية الرابعة.

    ولسوء الحظ، كان للوصايا دوماً تأثيراً فادح عليّ، مهما كانت صحيحة وذات مقصد طيب، ورغم أني كنت وديعاً في طبيعتي، إلا أني غالباً ما كنت أتمرّد على الوصايا ومن أيّ نوعٍ كانت وخاصة في صباي. فكل ما أحتاجه هو أن أسمع "عليك أن..." حتى يثور ما في داخلي كله وأتحول إلى إنسان عنيد مُتصلب. ويمكن تخيل، كم كان لهذه الميزة الغريبة من تأثير بعيد وتعيس خلال أعوام المدرسة. صحيح أنّ مدرسينا قد علّمونا، في تلك المادة الممتعة المسماة تاريخ العالم، بأن من كان يحكم العالم ويقوده ويُغيّره هم دائماً رجال صنعوا قوانينهم الخاصة وخرقوا النظم التقليدية. وأن علينا احترامهم، إلا أن كلامهم هذا كان مخادعاً مثل بقية دروسهم جميعاً، فكلما استجمع أحدنا شجاعته، سواء بقصد طيب أو سيئ، ليحتج على نظام ما أو ضد عرف أو طريقة سخيفة لفعل الأشياء لم يكن يلقى أيّ احترام، بل على العكس، فالمدرسون يعاقبونه ويسخرون منه ويسحقونه تماماً، هؤلاء المدرسون الذين كانوا يستغلون سلطتهم العُليّا بكل خسّة.

    ومن حُسن حظيّ أني تعلّمت، حتى قبل أن تبدأ أعوامي في المدرسة، الأكثر أهمية ومنفعة في الحياة: فقد امتلكت حواساً حادة مرهفة، ومع أني استسلمت فيما بعد وعلى نحوٍ لا رجعة فيه إلى إغواءات العالم الغبيّ، حتى أني عاقبت حواسي بشدة وأهملتها لوقتٍ ما، إلا أنه رافقتني دائماً خلفية هذا الانغماس الحسيّ المرعي بعناية فائقة وخصوصاً فيما يتعلق بالنظر والسمع، ولعبت دوراً حيوياّ في عالمي الفكري حتى لو كان يبدو مجرداً.

    ويعود الفضل لإتقاني فنّ الكذب والديبلوماسية إلى السنة الثانية من المدرسة، حيث منحني خلالها مدرس ومساعده السيطرة على هذه المهارات بعد أن جلبت لي صراحتي الطفولية وثقتي التي أمنحها للآخرين كارثة بعد أُخرى. فقد استطاع هذان المربيان أن يفتحا عيني بنجاح على واقع أن حسّ الفُكاهة وحُب الحقيقة ليسا الميزتين اللتين يبحثان عنهما في التلاميذ. فقد اتهماني بارتكاب ذنب لا يحمل أية أهمية كان قد وقع في الصف وكنت بريئاً لا يد لي فيه. ولما فشلا في انتزاع اعتراف مني بأني أنا المتهم، تحولت القضية التافهة إلى تحقيق، تفنن الاثنان فيه بتعذيبي. ولم ينتزعا مني عنوة الاعتراف المطلوب.

    ليس هذا وحسب، بل عِوضاً عن ذلك، انتزعا مني كل إيمان في نزاهة مهنة التدريس. ولم تتشوه علاقتي بالمدرسين ويمتلئ قلبي ضغينة عليهم فقط، بل على كل ما يُمثل السلطة.

    وعموماً كنتُ طالباً جيداً في السنوات السبع أو الثماني الأولى من أعوامي في المدرسة. وزاد انغماسي في الصراع مع المدرسة أكثر فأكثر.

    وكان لا بد من مُضيّ عقدين من الزمن كي أفهم مغزى هذه المعارك التي كانت جميعها تجري آنذاك ببساطة حولي، رغماً عن إرادتي، مسببة لي تعاسة كبيرة.

    حدث الأمر هذا: منذ سن الثالثة عشرة والأعوام التي تلته، صار أمراً واضحاً لي بأني إما أن أكون شاعراً أو لا شيء وبجانب هذا الإدراك أصبح هناك وعيّ مؤلم آخر يُخالجني تدريجياً. فمن الممكن ان يُصبح المرء مدرساً أو قسيساً أو طبيباً أو تاجراً... فهناك طرق ممهدة لكل مهنة في العالم، وهناك متطلبات أساسية لها ومدارس، إلا الشاعر فلا شيء أمامه! وسرعان ما توصلت إلى ما ينبغي معرفته من هذا الوضع. وهي أن الشاعر ببساطة هو ذلك الكائن الذي يسمحون له أن ينمو في داخلك ولكن لا يدعونك أن تكونه. وأكثر من هذا: كان كل من يملك موهبة شعرية فطرية وولعاً بالشعر موضع ريبة في نظر المدرسين؛ فإما إن يشكّوا في مقدرته الشعرية أو يسخروا منه.

    في سن الثالثة عشرة حيث كان الصراع قد ابتدأ للتو، أصبح سلوكي لا يُطاق في منزل والدي وفي المدرسة على السواء لدرجة أني أُبعدت إلى مدرسة لاتينية في مدينة أخرى. وبعد مُضيّ عام أصبحت تلميذاً في معهد لاهوتي، وتعلّمت كتابة الأبجدية العبرية، إلى أن هبت في داخلي فجأة عواصف قادتني إلى الفرار من مدرسة الدير وإلى معاقبتي بالحبس الصارم وإلى فصلي من المعهد.

    ثم جاهدت لفترة كي أتقدم في دراستي في المدرسة الثانوية الألمانية إلا أن الحجز والطرد كان من نصيبي، فعملت صبياً متمرناً عند تاجر لمدة ثلاثة أيام. ومما أثار أسى والدي أني هربت مر ة أخرى، وعاونت أبي لستة أشهر، واشتغلت عاملاً في ورشة ميكانيكية وفي معمل لصناعة ساعات الأبراج لمدة سنة ونصف.

    وفي سن السادسة عشرة، وبعد أن باءت مسيرتي الدراسية كلها بالفشل بدأت بوعيّ ونشاط، أكوّن ثقافتي الخاصة، وكان من حُسن حظي ومبعث سعادتي أن بيت والدي قد حوى مكتبة جدي الضخمة. فبين السادسة عشرة والعشرين، لم أملأ كمية من الأوراق بمحاولاتي الشعرية الأولى فحسب، بل قرأت كذلك نصف أدب العالم مُنكباً على تاريخ الفن واللغات والفلسفة بمثابرة من شأنها أن تؤهلني للنجاح في أي جامعة اعتيادية.

    أصبحتُ بعدها بائعاً للكتب لأكسب قوتي، كنت دائماً على علاقة جيدة بالكتب أفضل من علاقتي بالملزمات والعجلات المُسننة التي اضطهدت نفسي معها حين عملت ميكانيكياً.

    بقيت في هذه المهنة طيلة الوقت الذي كنت محتاجاً فيه لتأمين معيشتي. وفي سن السادسة والعشرين، وبسبب نجاحي الأدبي الأول، تركت هذه المهنة. وهكذا وسط العديد من العواصف والتضحيات وصلتُ أخيراً إلى هدفي، وأصبحتُ شاعراً وربحت.

    في الظاهر، سارت حياتي لفترة لا بأس بها بهدوء متناغم، فقد كان لي زوجة وأطفال ومنزل وحديقة. ألّفتُ الكتب، وصرتُ شاعراً محبوباً وعشتُ في سلام مع العالم.

    وفي صيف عام 1914. تغير كل شيء فجأة في داخلي وفي الخارج. فقد صار واضحاً أن رفاهيتنا السابقة قد بُنيت على أُسس متزعزعة وعلى أثرها ابتدأت مرحلة البؤس. وآن أوان المحك كما يسمونه، ولا يمكنني القول إنني تهيأت لمواجهته أفضل وأجدر وأقوى من أيّ شخص آخر. وما ميّزني عن الآخرين وقتذاك كان افتقادي للعزاء الكبير الذي احتفظت به نفوس كثيرة ألا وهو الحماس. لذلك عدت إلى نفسي ثانية وإلى التورّط في الصراع مع محيطي، ومرة أخرى أدخلت المدرسة وكان عليّ أن أنسى سلامي مع النفس ومع العالم، وفي هذه التجربة خطوت لأول مرة على عتبة معرفة الحياة.

    سأحكي بإيجاز كيف أكملت حياتي مسارها. فطيلة السنين التي امتدت حتى 1930. ألّفت مجموعة من الكتب، لأنصرف بعدها عن تلك المهنة وإلى الأبد. وقد تناولت أطروحتان لشابين مُجدّين مسألة ما إذا كنت أُعدّ حقاً من ضمن الشعراء، ولكنهما لم يتوصلا إلى جواب لذلك، كنت منشغلاً بالرسم وبتعاويذ السحر الصينية بدرجة أساسية. ولكنني في الأعوام التالية انهمكت أكثر فأكثر بالموسيقى. وصار طموحي في الفترة الأخيرة من حياتي أن أكتب نوعاً من الأوبرا ينظر فيها إلى الحياة الإنسانية في واقعها المزعوم بقليل من الجدية.

    أردت في هذه الأوبرا أن أُعبر عن كل ما لم تستطع أن تستوعبه قصائدي: أن أضع معنى سامياً وبهيجاً للحياة الإنسانية.

    وفي عمرٍ تعدى السبعين، ومباشرة بعد أن خصتني جامعتان بدرجتي شرف، قُدمتُ للمحاكمة بتهمة إغواء فتاةٌ يافعة عن طريق السحر. وفي السجن التمست الموافقة لكي أقضي وقتي بالرسم. جلب لي أصدقائي الألوان وكل ما يحتاجه الفنان من أدوات، فرسمت منظراً طبيعياً صغيراً على جدران زنزانتي. هكذا عدت مرة أخرى إلى الفن، ولم تستطع الخيبات كلها التي عانيتها بصفتي فناناً أن تمنعني للحظة من الارتشاف ثانية من أسمى الكؤوس تلك، ومن أن أبني مرة أخرى، مثل طفل يلهو، عالماً رائعاً صغيراً عابثاً.

    لم يسحرني قط لهوي من قبل كما فعل هذه المرة. فعودتي إلى ممارسة الفن لم تنسني فقط بأنني كنتُ سجيناً ورجلاً متهماً بأملٍ ضئيل في أن يُنهي حياته في أيّ مكان ما عدا السجن. بل حتى أنستني مراراً ممارساتي السحرية – وقد بدوت لنفسي ساحراً مقتدراً عندما خلقتُ بفرشاتي الرفيعة شُجيرة صغيرة وغيمة مشرقة صغيرة.

    وفي الوقت نفسه كان الواقع المزعوم، الذي كنت آنذاك بحق على خصام معه، يبذلُ ما في وسعه ليهزأ من حلمي ويُبعثره شتاتاً مرة بعد أُخرى. ففي كل يوم من أيام السجن تقريباً كانوا يقتادونني تحت الحراسة إلى غُرف سيئة للغاية، حيث يجلس رجال عدائيون بين رُكام من الأوراق، يستجوبونني، ويرفضون تصديقي، وينهرونني، ويهدونني مرة كطفل في الثالثة من عمره ومرة مثل مجرمٍ متمرس.

    كان من شأن هذا الجحيم أن يهزمني ويستنزفني، لولا ممارستي للرسم التي كانت تمنحني الراحة وتنعشني باستمرار...

    الانتقال إلى منزلٍ جديد 1931:

    لا يعني الانتقال إلى منزلٍ جديد بداية شيء جديد فقط بل يعني كذلك التخليّ عن شيء قديم. وأشعرُ في هذه اللحظة وأنا أنتقلُ إليه، بامتنان من أعماق قلبي للصديق الكريم الذي منحنا إياه، وبالأصدقاء الآخرين الذين اجتمعوا ليساعدوا في بنائه وتأثيثه.

    وينبغي عليّ، ونحن ننتقل إليه، أن أتذكر المنازل الأخرى التي منحت حياتي وعملي في الأيام الماضية الدفء والأمان.

    أشعرُ بالامتنان لكل منزل من هذه المنازل فكلٌ منها يحفظ لي ذكريات لا حصر لها.

    مع أني نشأت في منازل عتيقة لها هوية مميزة إلا أنني كنت في صباي سيئ التربية، فوضوياً، مستغرقاً في نفسي إلى حد أنني لم أُكرّس أيُّ اهتمام يُذكر أو أُعطي محبتي للمنزل وإلى الغرفة التي أعيشُ فيها. ورغم أنها لم تكن مسألة لا مبالاة بمنظر غرفتي في ذلك الوقت على الإطلاق، وإنما الذي يهمني من مظهر الغرفة التي أشغلها ما أُضيفه أنا إليها فقط، لأن الأشياء التي أجلبها معي وأبعثرها وأعلقها وأضعها حولي هي من كان يعنيني من الغرفة.

    وفي السنوات التي تقع ما بين زواجي الأول في عام 1904 وانتقالي إلى كازابودمر في عام 1931 عشتُ في أربعة منازل مختلفة بنيتُ منها واحداً بنفسي.

    في تلك الفترة، لم أنتقل إلى منزل قبيح أو حتى إلى واحد من ذوي السمات العادية، وشاهدتُ الكثير من الفنّ القديم، وذهبتُ إلى إيطاليا مرتين، إضافة إلى أن حياتي كانت قد تغيرت واغتنت بطرق أُخرى. فقد قررت أن أتزوج وأن أعيش نهائياً في الريف. كان لزوجتي الأولى دور كبير في اتخاذ هذه القرارات إضافة إلى اختيار المكان والمنازل التي كنا سنعيش فيها. فقد عزمت أن تحيا حياة بسيطة مفعمة بالضجة في أحضان الريف بحد أدنى من ضروريات الحياة. عثرت زوجتي في قرية جاينهوفن المطلة على أوتزي، منزلاً ريفياً يقع في ساحة صغيرة هادئة أمام كنيسة القرية، إن أمكنة المعيشة في هذا البيت المكسو نصفه بالخشب تحتوي في الطابق الأرضي على مطبخين وغرفتين. أكبرهما كانت مزودة بمدفأة قرميدية كبيرة ونستعملها غرفة للمعيشة والغرفة المجاورة لزوجتي، إذ يوجد هناك البيانو الخاص بها وسلّم بدائي يقود إلى الطابق العلوي حيث تتناظر مع غرفة المعيشة حجرة كبيرة لها نافذتان تحتل الزوايا من خلالها. كان بإمكاننا أن نرى فيما وراء الكنيسة جزءا من البحيرة والشاطئ وهذه الحجرة كانت مكتبي الذي يضم منضدة كبيرة صنعتها بنفسي وما زلتُ أحتفظُ بها حتى اليوم.

    عشت لمدة ثلاثة أعوام في هذا البيت جاء إلى العالم خلالها ابني الأول وكتبت الكثير من القصائد والقصص القصيرة ويوجد في مؤلفي "كتاب الصور" وفي أماكن أخرى مشاهد كثيرة من حياتنا في ذلك الوقت. هذا البيت أعطاني شيئاً لم يمنحني إياه أي بيتٍ سكنته من بعد وهذا ما جعل هذا المنزل الريفي عزيزاً وفريداً في نظري. فقد كان أول بيتٍ عشتُ فيه! وأول مأوى لزواجي الفتيّ. وأول مشغلٍ حقيقي لمهنتي. ففيه راودني للمرة الأولى إحساسٌ بالاستقرار.

    وشيئاً فشيئاً ودونما أسف ودعنا بيتنا الريفي، لأننا قررنا أن نبني بيتنا الخاص. قلنا لأنفسنا لو نشأ أطفالنا في الريف فسيكون من الأجمل والأفضل لو فعلوا ذلك فوق أرضهم الخاصة. وفي منزلهم الخاص. لم أعد أتذكر كيف برزت لنا هذه الفكرة وكل ما أذكره أننا كنا في غاية الجدية بشأنها، وربما لم يكن هناك شيء وراءها غير الإحساس الذي يمتلك أصحاب المنازل من الطبقة الوسطى. ورغم أنه لم يكن قوياً في كل منّا، إلا أن السنوات الخصبة لنجاحنا الأول في النهاية قد أفسدتنا. لم أكن واثقاً تماماً من مثاليتي تلك حتى في ذلك الوقت؛ التي استمديتها من تولستوي ومن "يرمياس جوتهلف" وعززتها بتيار حركة مفعمة بالحياة أخاذة في ألمانيا تدعو للهرب من المدينة والحياة بين أحضان الطبيعة. وهي حركة ذات أسس أخلاقية وفنية، وقد كانت بنود الإيمان الرائعة هذه والسيئة الصياغة في الوقت نفسه حاضرة في أذهاننا بالشكل الذي عبرت عنها في "بيتر كامنسند". ولم أعد أعرف بالضبط ما كنتُ أفهمه من كلمة "قروي" أما اليوم، فأنا أعتقد بأني لا أعرف شيئاً بمثل هذا اليقين من أني النقيض الكُليّ للقروي (وطبقاً لطبيعتي الفطرية) فأنا الهائم على وجهه، الصياد، الذئب القلق المتوحد.

    وباختصار، فقد قررنا أن نشتري الأرض وبنينا عليها. وتصادف أن كان صديق لنا، مهندس معماري من بازل موجوداً هنا، وهكذا في سنتنا الرابعة في بحيرة كونستانس اشترينا قطعة الأرض وشيدنا عليها بيتاً جميلاً، كان المنزل مريحاً أكثر من الذي تركناه وأكبرَ حجماً منه.

    كانت الحديثة أهم من البيت عندي. ولم أكن قد امتلكتُ حديقة خاصة بي بعد. ومن مبادئ الحياة الريفية التي التزمتها ترتب عليّ أن أسوي الأرض بنفسي، وأزرعها وقد فعلت ذلك لأعوام عدة.

    كنت وحدي على الأقل لعشر سنوات في جاينهوفن وفي بيرت أزرع الخضر والأزهار وأسمّد أحواض الزهور وأسقيها، وأُنظف الممرات من الأعشاب. كان الحال ممتعاً ومفيداً إلا أنه تحول في النهاية إلى عبودية قاسية. فتمثيل دور الفلاح أمر رائع ما دام لا يتعدى اللعبة. ولكنه ما أن يتحول إلى عمل روتيني وواجب، حتى تتلاشى المتعة التي تكتنفه.

    لليوم ما زلت أحتفظ بأدق صورة عن حديقة ذلك البيت، وأرى في داخله مكتبي بجلاء بشرفته الفسيحة بتفاصيلها كلها. ويمكنني أن أُسميّ المكان الذي يقف فيه كل كتاب من كتبي. إلا أن ما تحفظه ذاكرتي عن بقية الحجرات قد أصبح ضبابياً بصورة واضحة بعد 20 عاماً من تركي المنزل.

    وهكذا تكيفنا كما ينبغي مع الحياة وشعرنا بالاستقرار، كنت أعمل بانهماك في تنظيم حديقتي. إلا أن الأبدية التي بنينا من أجلها المنزل لم تستمر طويلاً. فقد استهلكتُ جاينهوفن ولم أعد أنتظر فيها حياةٌ أخرى، فكنتُ كثيراً ما أقوم برحلات قصيرة. فالعالم في الخارج كان في غاية السعة.

    أما المكان الذي أردنا الانتقال إليه بعد 8 سنوات في جاينهوفن فكان بيرن. وبالطبع لم نكن نريد السكن في المدينة نفسها، ففي ذلك خيانة لمُثلنا العليا، بل أردنا بيتاً ريفياً في منطقة قريبة من بيرن.

    كان المنزل الذي يقع في ملخنبولفج قرب بيرن، على مبعدة من قصر ميجكوفن، يمثل في كل جانب من جوانبه تحقيقاً لحلمنا القديم، الذي ترسخ بثبات أعمق في أذهاننا منذ أيامنا في بازل على أنه البيت المثالي لأُناس مثلنا. كان منزلاً ريفياً من طراز بيوت بيرن، ذات الجملون المدور، وبسبب تناسبه اللاقياسي الملحوظ، كان في هذا المنزل بالذات شيء له سحر خاص علينا، فهو من أكثر الأشكال لطافة كما لو أنهُ بُنيّ خصيصاً لنا. يجمع خليطاً من الملامح القروية وملامح قصور مالكي الضيعات، نصفه بدائي، والنصف الآخر من البيوت الأنيقة الأرستقراطية. يعود بناؤه إلى القرن 17 مع إضافات وتصليحات داخلية في عهد الإمبراطورية.

    ولم نكمل العامين على انتقالنا حتى بدأت الحرب العالمية، وابتدأ معها تدمير حريتي واستقلاليتي، وحلّت الأزمة الأخلاقية الكبيرة بسبب الحرب التي أرغمتني على إيجاد أسس جديدة لتفكيري ولأعمالي كلها. وأصاب مرض خطير أصغر أطفالنا، وبدأت تظهر التحذيرات المسبقة الأولى تنبئ بمرض زوجتي الانفعالي، تفاقم مرض زوجتي ودخلت المصحة لفترة طويلة، وكان صعباً أن أتدبر أمور أسرتي، لهذا كان لا بد أن أُرسل أطفالي إلى الخارج وبقيت لشهور طويلة وحيداً. ولو استطعت لغادرته لو كان عملي الحربي يسمح بذلك. وأخيراً في ربيع 1919 انتهت هذه الوظيفة الحربية وعدت حراً من جديد. تركت المنزل المسكون بالأشباح في بيرن. وقد صار جلياً من الآن فصاعداً أمامي مبدئياً احتمالاً واحداً للوجود لا غير: أن أضع عملي الأدبي فوق كل شيء، وأعيش من أجله فقط، وأن لا آخذ المشاكل المتعلقة بالمال أو أية اعتبارات أخرى مأخذاً جدياً. ولو لم أنجح في هذا لضعت.

     

     

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:72
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:23
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك