• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 10-12-2018
  • المؤلف: د. مصطفى السباعي
  • الناشر: دار الوراق – دار النيربين
  • عدد الصفحات:396
  • عدد الاستماع للحلقة: 76
  • الحمد لله الذي قدّر كل شيء فأحسن قدره، وابتلى الإنسان بما يسرّه وما يسوؤه ليُحسن في الحالتين شكره وصبره... وبعد فهذه خطرات بدأت تسجيلها وأنا في مستشفى المواساة بدمشق في شهر ذي القعدة من عام 1381 للهجرة الموافق لشهر نيسان (إبريل) من عام1962 ..
    26
    نوفمبر
  • 130: حضارة العرب
  • كتب في: 26-11-2018
  • المؤلف: غوستاف لوبون
  • الناشر: الأهلية
  • عدد الصفحات:0
  • بدأت بحضارة العرب وذلك لأن حضارتهم من الحضارات التي اطلعتُ عليها في رحلاتي الكثيرة أحسنَ مما اطلعت على غيرها من الحضارات التي كَمُل دورها... وتُسيطر الحضارة العربية، منذ اثني عشر قرناً، على الأقدار الممتدة من شواطئ المحيط الأطلنطي إلى المحيط الهندي، ومن شواطئ البحر المتوسط إلى رمال أفريقيا الداخلية، وكان سُكان هذه البلدان المترامية الأطراف تابعين لدولة واحدة، ويدينون الآن بديانة واحدة، ولهم لغة واحدة ونُظُمٌ واحدة، وفنونٌ واحدة. وكلما أمعنا في درس حضارة العرب، وكتبهم العلمية واختراعاتهم، وفنونهم – ظهرت لنا حقائقُ جديدةٌ وآفاقٌ واسعة، ولسرعان ما رأينا أن العرب أصحاب الفضل في معرفة القرون الوسطى لعلوم الأقدمين، وأن جامعات الغرب لم تعرف لها، مدة خمسة قرون مورداً علميّاً سوى مؤلفاتهم

    بدأت بحضارة العرب وذلك لأن حضارتهم من الحضارات التي اطلعتُ عليها في رحلاتي الكثيرة أحسنَ مما اطلعت على غيرها من الحضارات التي كَمُل دورها...

    وتُسيطر الحضارة العربية، منذ اثني عشر قرناً، على الأقدار الممتدة من شواطئ المحيط الأطلنطي إلى المحيط الهندي، ومن شواطئ البحر المتوسط إلى رمال أفريقيا الداخلية، وكان سُكان هذه البلدان المترامية الأطراف تابعين لدولة واحدة، ويدينون الآن بديانة واحدة، ولهم لغة واحدة ونُظُمٌ واحدة، وفنونٌ واحدة.

    وكلما أمعنا في درس حضارة العرب، وكتبهم العلمية واختراعاتهم، وفنونهم – ظهرت لنا حقائقُ جديدةٌ وآفاقٌ واسعة، ولسرعان ما رأينا أن العرب أصحاب الفضل في معرفة القرون الوسطى لعلوم الأقدمين، وأن جامعات الغرب لم تعرف لها، مدة خمسة قرون مورداً علميّاً سوى مؤلفاتهم، وأنهم هم الذين مدنّوا أوروبا مادة وعقلاً وأخلاقاً، وأن التاريخ لم يعرف أمة أنتجت ما أنتجوه في وقت قصير وأنه لم يفُقْهم قومٌ في الابتداع الفنيّ.

    طبائع العرب ونظمهم:

    حياة أهل البدو من العرب: حياة الأعراب بسيطة إلى الغاية، طليقةٌ من تلك الزيادات المعقدة التي أوجبها الاستقرار والتوطن، وفي الوصف الآتي الذي أقتطفه من كتب لكوست تصويرٌ كافٍ لعادات الأعراب أجل؛ إن كوست صوّر بهذا الوصف قبائل صحاري وادي النيل العربية منذ خمسين سنة، ولكن ما تُسفر عنه حياة الصحراء من تبدل قليلٌ في المعايش يجعلُ ذلك الوصف صالحاً لتمثل الأعراب المعاصرين لسليمان، أو المعاصرين لمحمد، أو الذين سيولدون بتعاقب الأجيال إلى أن تُبدّل الأرضُ غير الأرض. قال كوست: يمتطي الأعرابيُّ صهوة فرسه وقت الفجر، ولا يرجع إلى خيمته إلا وقت الغروب، ويغتذي الأعرابي في النهار بالتمر وقليل من الذرة أو البُرّ، ويرعِيّ فرسه بالكلأ الذي يجده في طريقه، فإذا دخل خيمته عِشاء ناولته زوجته كوب لبن وقليل تمرٍ وعسلاً.

    ولا يتردد الأعرابيُّ إلى المدن إلا ليبيع ما تُنتجه مواشيه وإبله وخيله، ولا ينام الأعرابيُّ في المدن.

    ومن أهم ما تعتني به الأعرابيات حلبُ الشياه والبقر، وصُنع الدقيق بمطحنتين يدويتين صغيرتين وصنعُ الخبز والطعام، وتربية الأطفال، وحوك الثياب والبُسط والخيام.

    وتحتوي كل خيمة على متاعٍ بسيط ملائم للحياة البدوية، فكل خيمة تحتوي على أسلحة ورمح طوله ثلاثة أمتار أو أربعة ولوحٍ حديدي للخَبز وقِدرٌ للطبخ وإبريق للقهوة ومِهراس لها ودلو وبضعة ثياب وما إلى ذلك، ولذلك ليس من العسير أن نعلم أن أُناساً ذوي احتياجاتٍ ضئيلة، كأهل البدو، لم يعرفوا سادة لهم قط.

    حياة أهل الأرياف من العرب:

    1.الحياة الاجتماعية: يسكن جزيرة العرب وما جاورها من البِقاع، في كل زمن أُناسٌ يعتمدون في معايشهم على الزراعة، ويسكنون الأرياف البعيدة من المدن، ويخضعون دائماً لأحكام بيئة واحدة مشتملة على طبقة ضيّقة من التقاليد والعادات.

    وإنني اتخذُ، من مختلف السكان، عرب حوران مثالاً للبحث. ويتألف عرب حوران المجاورون لبُصرى من أعراب وحضريين، فأما الأعراب: فلا يظهرون في حوران إلا صيفاً، ويرحلون في الشتاء إلى العراق أو إلى وادي الأردن، أما الحضريون: فهم جمعٌ من الزُّمر التي تجمع بينها صلة القرابة، فتخضع لرئيس أُسرة خضوعاً تُشابه به نظام القبيلة الفطري كما يُرى.

    وأرضُ كل قرية مشاعةٌ بين أفرادها، ويستطيع كل واحد من هؤلاء أن يزرع منها بنسبة ما عنده من البقرة، وتباع الحبوب التي تزيد على احتياجات بقر كل زمرة وجمالها من الأعراب أو من تُجار دمشق...

    ويبلغ عدد أفراد كل أسرة في الزُّمرة، ومنهم الخدم، نحو ثلاثين شخصاً تابعين لرئيسها الذي هو أكبر أفرادها سناً، وتقوم النساء بتدبير منزل الأسرة حصراً، ويُعاملن برفقٍ ولطف، وإن كُنّ يُرقبن رقابة وثيقة.

    2.المساكن: بيوت طبقات العرب الوسطى والدنيا على جانبٍ كبير من البساطة، وهي تختلف عن بيوت الأغنياء الزاهية.

    وطرازُ تلك البيوت العام واحد في الشرق كله، وليذهب إلى بعض القرى في سورية والجزائر ومراكش من يرغب في رؤية تلك البيوت المربعة البيض ذات السطوح والشكل المكعب والفُرَج الضيقة، والتي تكتسب منظراً عريقاً في شرقيته عندما يحيط النخلُ بها.

    3.الأزياء: يعجبُ المرء حين يتصفح إحدى المجلات التي صدرت منذ قرنٍ والمشتملة على صور للأزياء التي شاعت في أوروبا وحدها في غضونه من تحول آراء الأوروبيين وأذواقهم في الأزياء ومحافظة العرب على أزيائهم التي ألِفوها منذ اثني عشر قرناً، مما يدل على ثبات تقاليدهم، أجل، لم تكن أزياء المسلمين واحدة في جميع أنحاء إفريقيا ومصر وسورية وجزيرة العرب، ولكنه يسهل تبيّن ما بينها من الشبه العظيم، وهي تُرّدُ إلى جلباب وعباءة دائماً.

    وليس لأزياء النساء أنواعٌ في غير الطبقات الموسرة، ويتألف لباس المرأة الفقيرة من حُلّة طويلة مشدودة من الوسط بنطاق، ومن غطاء لا يترك من الوجه شيئاً ظاهراً سوى العينين، ويتألفُ ثوب المرأة المصرية من جلبابٍ أزرق مصنوعٌ من القطن، ولا تعرف المرأة المصرية، ولا الشرقية، المشدّ وما إلى المشدّ من وسائل التجميل المصنوعة، ومع ذلك فإن الفلاحة المصرية ذاتُ بخترةٍ تائهة تُدهش رجال الفنّ، والإنسان وقتما يرى الفلاحة المصرية الضامرة الكتف الحاملة إناءً على رأسها تمشي باتزان، يقطعُ حقاً بأن أمهر الخياطين في أوروبا لم يُوفقوا لمنح المرأة الأوروبية مثلَ هذه المشية على الرغم مما يلجأون إليه من وسائل التجميل المصنوعة الغالية.

     

     

     

    عرب المدن وطبائعهم:

    1.المجتمع العربي: إن مما يستوقف النظر ما نراه من التضاد بين ثبات نُظم الشرقيين، وتسليمهم بالأمر الواقع الذي ليس له دافع، والإخاء السائد لمختلف طبقاتهم من جهةٍ وثورات الأوروبيين الدائمة وهَرجِهم وتنازعهم الاجتماعي من جهة أُخرى.

    وأظهر ما يتصف به الشرقيون: هو أدبهم الجمّ، وحِلمهم الكبير، وتسامحهم العظيم نحو الناس والأموال، ودَعَتهم ووقارهم في جميع الأحوال، واعتدالهم الكثير في الاحتياج، وقد منحهم إذعانهم الهادئ لمقتضيات الحياة طمأنينة روحيّة قريبة من السعادة المنشودة على حين تورثنا أمانينا واحتياجاتنا المصنوعة قلقاً دائماً بعيداً من تلك السعادة.

    2.المدن العربية: يكفي كثير من المدن العربية الحاضرة، كدمشق وبعض الأحياء في القاهرة؛ لتصور ما كانت عليه المدن العربية في سالف الأزمان. وتنقطع الحركة في شوارع جميع المدن العربية مع غروب الشمس، وتُغلق الحوانيت في ذلك الوقت، ويدخل الناس بيوتهم.

    وليست شوارع الشرق موضوع عناية أحد، وترك أمر إزالة ما يُلقى فيها من الأقذار للكلاب، والكلابُ لا تترك منها شيئاً، ولا صاحب لهذه الكلاب التي تشتمل كل مدينة على الألوف منها.

    ويُعامل الشرقيون الكلاب وجميع الحيوانات برفقٍ عظيم، ولا ترى عربياً يؤذي حيواناً، وإيذاء الحيوان من عادة سائقي العربات في أوروبا، وليس من الضروري، إذن، أن يؤلف العربُ جمعيّات رفقٍ بالحيوان.

    3.الأسواق: الأسواق من أهم أجزاء المدن في الشرق، فيُرى في كل مدينة مهمة كثيرٌ من الأبنية التي يتألف من مجموعها حي للتجارة وحدها يُسمى السوق، وتحتوي السوق على أروقة طويلة مغطاة بألواح أو حُصر، وعلى دكاكين متجمعة على حسب أنواع السلع، ويضاف نوع السلع التي تُباع في الرِواق إلى كلمة السوق، مثلاً، سوق الأسلحة، سوق الأزياء وسوق الأبازير...إلخ

    ومن عادات التاجر الشرقي، مهما كان جنسه، أن يطلب، أول وهلة، خمسة أمثال ما تساويه سلعته، كما أن من العادات الثابتة ألا تتم الصفقة إلا بعد جدلٍ طويل، وإذا كانت السلعة على شيء من القيمة استمرت المساومة أياماً كثيرة، وقد اقتضى اشترائي للنارجيلة النحاسية المكفتة بالفضة، مساومة دامت أسبوعاً كاملاً، فكأن الشرقي لا يخرج عمّا يملك إلا بعناء، فعلى من يرغب في ابتياع شيء من الشرقي أن يكون صبوراً مثله.

    4.الحمامات: حمامات الشرق أفضل من حمامات الغرب صحة وراحة، وهي، عدا ذلك، محلٌ للاجتماع والمحادثة، ولا تقلّ شأناً عما كان لها عند قدماء الرومان.

    ويوجد متكأ كبير في ردهة الحمام حيثُ يستريح المُستحم ويخلع ثيابه، ويتلفف المُستحم بمنشفة، وينتعل نعلاً خشبياً، ويدخل غرفة تبلغ حرارتها نحو خمسين درجة، ويستلقي على بلاطة من الرخام ويُمسد، ثم يدخل غرفة أخرى ويُدلك جسمه، ويُغسل بالصابون ويتوضأ، ويُصب الماء الفاتر والبارد عليه غير مرة، ثم يعود إلى تلك الردهة يستلقي على ذلك المتكأ مشتملاً بالمناشف ويشربُ النارجيلة والقهوة، ولا شيء يُنعش الإنسان، بعد نصب النهار، مِثل ذلك الاستحمام، فنتمنى أن يشتمل جميع مدن أوروبا المهمة على مثل تلك الحمامات.

    المرأة في الشرقية:

    1.أسباب تعدد الزوجات في الشرق: لا يدرك المرء نظم أمة أجنبية إلا إذا تناسى، قليلاً مبادئ البيئة التي يعيش فيها وفَرَضَ نفسه من أبناء تلك الأمة، ولا سيما إذا كانت تلك النُظم من نوع مبدأ تعدد الزوجات الذي لما تُعْلَمْ حقيقة أمره إلا قليلاً فأسيء الحكم فيه.

    ولا أرى سبباً لجعل مبدأ تعدد الزوجات الشرعي عند الشرقيين أدنى مرتبة من مبدأ تعدد الزوجات السِّريّ عند الأوروبيين، وبهذا نُدرك مغزى تعجّب الشرقيين الذين يزورون مدننا الكبيرة من احتجاجنا عليهم ونظرهم إلى هذا الاحتجاج شزراً.

    ومن السهل أن نُدرك علل إقرار الشرائع الشرقية لمبدأ تعدد الزوجات، فحُب الشرقيين الجمّ لكثرة الأولاد، وميلهم الشديد إلى حياة الأسرة وخُلق الإنصاف الذي يردعهم عن ترك المرأة بعد أن يكرهوها، خِلافاً لما يقع في أوروبا.

    ومن أسباب تعدد الزوجات ما رأه مؤلف كتاب "عُمّال الشرق" العالم مسيو لوبله، بيان الضرورة التي تدفع أرباب الأسر الزراعية في الشرق إلى زيادة عدد نسائهم، وكون النساء في هذه الأسر هنّ اللائي يُحرّضن أزواجهن على البناء بزوجات أُخر من غير أن يتوجعن قال مسيو لُوبله:

    يتزوج ربُّ الأسرة صغيراً على العموم، وتضعف زوجته الأولى بعد أن تكون ذات أولاد كثيرة على حين يبقى تام القوة فيضطر إلى الزواج مرة أخرى بتحريض الزوجة الأولى غالباً وبموافقتها تقريباً... وقد يعجب المرء أول وهلة، من حمل امرأةٍ زوجها إلى الزواج بامرأة أُخرى ولكن العجب يزول حينما نعلم أن النساء في الأسر الإسلامية "الزراعية" هُنّ اللائي يقمن بشؤون المنزل مهما كانت شاقة، وذلك أن الفلاحين إذ كانوا يجهلون أمر اتخاذ الخوادم لم يبقَ للنساء غير الاستعانة بالإماء والقريبات، وقد تُصبح الإماء منافسات للزوجة في الحظوة لدى رب الأسرة، فلا يكون لدى الزوجة ما يستلزم تفضيل الإماء على الزوجات الشرعيات الأُخر...

    2.تأثير الإسلام في أحوال النساء في الشرق: كان الإسلام ذا تأثير عظيم في حال المرأة في الشرق، وقد رفع حال المرأة الاجتماعي وشأنها رفعاً عظيماً بدلاً من خفضها خِلافاً للمزاعم المُكررة على غيرِ هُدى، والقرآن قد منح المرأة حقوقاً إرثية أحسنَ مما في أكثر قوانينا الأوروبية. أجل، قد أباح القرآن الطلاق كما أباحته قوانين أوروبا التي قالت به، ولكنه اشترط أن يكون (وللمطلقاتِ متاعٌ بالمعروف)

    وأحسن طريقٍ لإدراك تأثير الإسلام في أحوال النساء في الشرق هو أن نبحث في حالهنّ قبل القرآن وبعده.

    حضارة العرب:

    1.مصادر معارف العرب العلميّة والأدبيّة: وجد العرب في بلاد فارس وسورية، حينما استولوا عليها، خزائن من العلوم اليونانية، وأمروا بنقل ما في اللغة السريانية منها إلى اللغة العربية، ولم يلبثوا أن أمروا بأن يُنقل إليها ما لم يكن قد نُقل، فأخذت دراسات العلم والآداب تسيرُ قُدُماً إلى الأمام.

    ولم يدم اكتفاء العرب بما نُقل إلى لغتهم طويلاً، فقد تعلّم عددٌ غير قليل منهم اللغة اليونانية على الخصوص، ليستقوا منها علوم اليونان، ثم تعلّموا اللغة اللاتينية واللغة القشتالية في إسبانيا، كما يشهد بذلك ما في مكتبة الإسكوريال من المُعجمات العربية اليونانية والعربية اللاتينية والعربية الإسبانية التي ألّفها علماء المسلمين.

    2.مناهج العرب العلميّة: لم يلبث العرب، بعد أن كانوا تلاميذ معتمدين على كتب اليونان، أن أدركوا أن التجربة والترصد خيرٌ من أفضل الكتب، وعلى ما يبدو من ابتذال هذه الحقيقة جدّ عُلماء القرون الوسطى في أوروبا ألف سنة قبل أن يعلموها.

    ويُعزى إلى بيكن، على العموم، أنه أول من أقام التجربة والترصد، اللذين هما ركن المناهج العلميّة الحديثة، مقام الأستاذ ولكن يجب أن يُعترف اليوم بأن ذلك كله من عمل العرب وحدهم، وقد أبدى هذا الرأي جميعُ العلماء الذين درسوا مؤلفات العرب، ولا سيما هنبولد، فبعد أن ذكر هذا العالِم الشهير أن ما قام على التجربة والترصد هو أرفعُ درجة في العلوم قال: "إن العرب ارتقوا في علومه إلى هذه الدرجة التي كان يجهلها القدماء تقريباً".

    قام منهاج العرب على التجربة والترصد، وسارت أوروبا في القرون الوسطى على درس الكتب والاقتصار على تكرار رأي المعلم، والفرق بين النهجين أساسي، ولا يمكن تقدير قيمة العرب إلا بتحقيق هذا الفرق.

    اللغة العربية: نجهل تاريخ نشوء اللغة العربية كما نعرفها الآن، ولكننا نعلم من الشعر العربي الذي قيل قبل ظهور محمد "صلى الله عليه وسلم" بقرنٍ واحد أن اللغة العربية كانت قد وصلت إلى درجة كمالها الحاضر.

    واللغة العربية من أكثر اللغات انسجاماً، وهي، لا ريب مختلفة اللهجات في سورية وجزيرة العرب ومصر والجزائر وغيرها، ولم يكن هذا الاختلاف في غير الأشكال فترى المراكشي يفهم بسهولة لهجة المصريين أو لهجة سكان جزيرة العرب مثلاً، مع أن سكان القرى الشمالية الفرنسية لا يفهمون كلمة من لهجات سكان القرى الجنوبية في فرنسا.

    فلسفة العرب: اليونان هم أساتذة العرب الأولون في الفلسفة، ولم تلبث كتب أرسطو وهرقليوس وسقراط وجميع أساتذة مدرسة الإسكندرية من الفلاسفة أن تُرجمت.

    وفاق العرب أساتذتهم بسرعة في جميع العلوم التي تقوم على التجربة، ولكن بما أن الفلسفة لم تقم حينئذ على التجربة وما إليها لم يتفق للعرب فيها تقدّم محسوس.

    وكانت الجماهير تمقت الفلاسفة مع ما تم لهم من المقام الأسمى في جامعات العرب، وكان الخلفاء يرون أن يدرأوا ما ينشأ عن مذاهب الفلاسفة من الفتن الشعبية فيضطرون في الغالب إلى نفيهم لوقتٍ معين.

    البيان والبلاغة: اهتم مؤلفو العرب بالأسلوب كثيراً، وكثُرت كتبهم في البلاغة والنحو، فأحصى الغزيري في مكتبة الإسكوريال، وهي التي ليس فيها سوى القليل من كتب الأدب العربي، التي تفلتت من يد الإبادة والتخريب، أكثرَ من ثلاثمائة كتاب في البلاغة.

    الرياضيات: اتسع البحث في الرياضيات، ولا سيما علم الجبر، عند العرب، وعُزي إلى العرب اكتشاف علم الجبر، ولكن أصوله كانت معروفة منذ زمنٍ طويل، ومع ذلك فقد حول العرب علم الجبر تحويلاً تاماً، وإليهم يرجع الفضل في تطبيقه على علم الهندسة.

    وبلغ علم الجبر من الانتشار بين العرب ما ألف معه محمد بن موسى كتاباً موطئاً له بأمر المأمون في أوائل القرن التاسع من الميلاد ومن ترجمة هذا الكتاب اقتبس الأوروبيون معارفهم الأولى لعلم الجبر، بعد زمنٍ طويل.

    علم الفلك عند العرب: نشأ عن رصد العرب للاعتدال الشمسي تعيينهم مدة السنة بالضبط، وأقدم العرب على قياس خط نصف النهار الذي لم يوفق له إلا بعد مرور ألف سنة.

    وتمكن أبناء موسى بن شاكر الثلاثة، الذين عاشوا في القرن التاسع من الميلاد، مبادرة الاعتدالين بضبط لم يكن معروفاً قبلهم ووضعوا تقاويم لأمكنة النجوم السيّارة، وقاسوا عرض بغداد في سنة 959م، وقيّدوه 33درجة و20 دقيقة، أي برقم يصحُّ بعشر ثوانٍ تقريباً.

    ولا شيء يُورث العجب أكثر من انتصار حضارة العرب على همجية جميع الغُزاة، ومن تَخّرُج هؤلاء الغُزاة، من فورهم، على مدرسة العرب المغلوبين، فقد دام عمل العرب في حقل الحضارة إلى ما بعد زوال سلطانهم السياسي بزمنٍ طويل.

    ريادات العرب الجغرافية: كانت طليعة رواد العرب مؤلفة من تُجار يسيحون للتجارة، ومنها سياحة التاجر سليمان لبلاد الصين في القرن التاسع من الميلاد، فقد أبحر سليمان من مرفأ سيراف الواقع على الخليج الفارسي حيث كانت تكثر المراكب الصينية، وجاوز المحيط الهندي، وبلغ شواطئ بلاد الصين، وكتب رحلته في سنة 851م، ثم أكمل أحد أبناء وطنه أبو زيد كتاب هذه الرحلة في سنة 880م، وأضاف إليها معارف أخذها عن عرب زاروا بلاد الصين.

    وكتابُ سُليمان الذي نُقل إلى اللغة الفرنسية في أوائل القرن الأخير، هو أول مؤلف نُشر في بلاد الغرب عن بلاد الصين.

    وإذا كان سليمان باحثاً عادياً فغيرُ ذلك شأن المسعودي الشهير، فقد قضى المسعودي خمساً وعشرين سنة من حياته في الطواف في مملكة الخفاء الواسعة، وفي الممالك المجاورة لها كبلاد الهند، وقيّد ما شاهده في تآليفه الكثيرة التي نعد كتاب "مروج الذهب" أشهرها.

    تقدم العرب في الطب: إن أهم تقدم للعرب في الطب ما كان في الجراحة ووصف الأمراض وأنواع الأدوية والصيدلة، وظهرت للعرب عدةُ طرق يعود الطب الحديث إلى بعضها بعد إهمالها قروناً كثيرة كاستعمال الماء البارد في معالجة التيفوئيد.

    والطب مدينٌ للعرب بعقاقير كثيرة كالسَّليخة والسنا المكي والرَّاوند والتمر الهندي والكافور... وما إلى ذلك وهو مدين لهم بفن الصيدلة، وبكثير من المستحضرات التي لا تزال تُستعمل كالأشربة واللعوق واللزقات والمراهم...

    وعلم الجراحة مدين للعرب أيضاً، بكثير من مبتكراته الأساسية، وظلت كتبهم فيه مرجعاً للدراسة في كليات الطب إلى وقت قريب جداً.

    تمدين العرب لأوروبا، تأثرهم في الشرق والغرب:

    خضع الشرق لكثير من الشعوب، كالفرس والإغريق والرومان...إلخ، ولكن تأثير هذه الشعوب السياسي إذا كان عظيماً دائماً فإن تأثيرهم المدني كان ضعيفاً عموماً.

    وما عجز الإغريق والفرس والرومان عنه في الشرق قَدَر عليه العرب بسرعة ومن غير إكراه، ومن ذلك أن مصر، التي كان يلوح أنها أصعب أقطار العالم إذعاناً للمؤثرات الأجنبية، نسيت في أقل من قرن واحد مرّ على افتتاح عمرو بن العاص لها، ماضي حضارتها الذي دام نحو سبعة آلاف سنة معتنقة ديناً جديداً ولغة جديدة وفنّاً جديداً اعتناقاً متيناً دام بعد تواري الأمة التي حملتها عليه.

    ولا نرى في التاريخ أمة ذات تأثير بارز كالعرب، وذلك أن جميع الأمم التي اتصل العربُ بها اعتنقت حضارتها، ولو حيناً من الزمن، وأن العرب لما غابوا عن مسرح التاريخ انتحل قاهروهم كالترك والمغول...إلخ، تقاليدهم، وبدوا للعالم ناشرين لنفوذهم، أجل، ماتت حضارة العرب منذ قرون، ولكن العالم لا يعرف اليوم غير دين أتباع النبي محمد "صلى الله عليه وسلم" ولغتهم في البلاد الممتدة من المحيط الأطلنطي إلى السند، ومن البحر المتوسط إلى الصحراء.

    تأثير العرب في الغرب: لا يمكن إدراك أهمية شأن العرب في الغرب إلا بتصور حال أوروبا حينما أدخلوا الحضارة إليها.

    إذا رجعنا إلى القرن التاسع والعاشر الميلادي، حين كانت الحضارة الإسلامية في إسبانيا ساطعة جداً، رأينا أن مراكز الثقافة في الغرب كانت أبراجاً يسكنها سنيوراتٌ متوحشون يفخرون بأنهم لا يقرأون. ولم يبدُ في أوروبا ميلٌ إلى العلم إلا في القرن الحادي عشر والثاني عشر الميلادي، وذلك حين ظهر فيها أُناس رأوا أن يرفعوا أكفان الجهل الثقيل عنهم فولوا وجوههم شطر العرب الذين كانوا أئمة وحدهم.

    ولم تكن الحروب الصليبية سبباً في إدخال العلوم إلى أوروبا كما يُردد على العموم، وإنما دخلت العلوم أوروبا من إسبانيا وصقلية وإيطاليا، وذلك أن مكتباً للمترجمين في طليطلة بدأ منذ سنة 1130م يَنقُل أهم كتب العرب إلى اللغة اللاتينية تحت رعاية رئيس الأساقفة ريمون، وأن أعماله في الترجمة كُلّلت بالنجاح ما بدا للعرب بها عالمٌ جديد، ولم يقتصر الغرب على ترجمة مؤلفات علماء العرب كالرازي وأبي القاسم وابن سينا وابن رشد... إلى اللغة اللاتينية، بل نقلت إليها أيضاً، كتب علماء اليونان التي كان المسلمون قد ترجموها إلى لغتهم الخاصة ككتب جالينوس وبقراط وأفلاطون وأرسطو...فزاد عدد ما تُرجم من كتب العرب إلى اللاتينية على ثلاثمائة كتاب.

    فعلى العالم أن يعترف للعرب بجميل صنعهم في إنقاذ تلكالكنوز الثمينة اعترافاً أبدياً.

     

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:278
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:52
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك